عربي21:
2026-07-24@10:20:34 GMT

أمريكا فقط مع إسرائيل

تاريخ النشر: 9th, August 2025 GMT

قلما يتدخل سفراء الدول في الشؤون السياسية للدول المضيفة، وغالباً ما يلتزمون بمهمتهم وهي تحسين العلاقة بين بلدهم والبلد المضيف، وغالباً ما يتحدث السفراء، ان اضطروا للحديث مع الإعلام والصحافة، بما يسمى باللغة الدبلوماسية، أي اللغة التي فيها الكثير من المجاملة والتورية وعدم الإفصاح، وغالباً ما يتجنبون ذلك أصلاً، لدرجة أن بعض السفراء يمكثون في مناصبهم سنينَ طويلة، ومع ذلك لا احد يسمع بأسمائهم او يرى صورة لهم هنا أو هناك.



مع ذلك وفي ظل ظروف خاصة، وربما في «دولة» ليست ككل الدول، في كل شيء، نقصد إسرائيل بالطبع، نجد سفراء بعض الدول، ينخرطون في حديث السياسة المحيطة بإسرائيل، كما لو كانوا وزراء خارجية او حتى رؤساء دول، تتباين مواقفهم بين الدفاع عن سياسة بلادهم تجاه اسرائيل، وما بين الدفاع عن سياسة اسرائيل نفسها، كما لو كانوا اسرائيليين، بل كما لو كانوا اسرائيليين يديرون شؤون سفارة دولتهم في تل أبيب أو القدس.

ويبدو أن حرب الابادة الإسرائيلية كانت ضرورية من زاوية ما لكشف عمق التطرف والوحشية التي يتمتع بها كثير من الاسرائيليين، ممن وصلوا لمواقع المسؤولية الرسمية، بحيث صاروا وزراء ونواباً في الكنيست الخامس والعشرين الحالي، فمنهم من دعا علانية لاستخدام قنبلة يوم القيامة، أي القنبلة النووية التي تمتلكها اسرائيل دون شك، ومنهم من دعا ومارس قطع الدواء والغذاء والهواء عن مليوني مواطن، ومنهم من دافع عن حرق القرى الفلسطينية، ومن دعا الى التهجير القسري، وباختصار معظم وزراء ونواب الائتلاف الحاكم الحالي متورطون في حرب الإبادة الإسرائيلية، التي لم تعد بما تتضمنه من جرائم حرب صريحة ومكتملة الأركان، خافية على أحد، حتى بات يعترف بذلك الكثير من الاسرائيليين انفسهم، ولا ندري بالطبع، ان كانت هذه الحرب هي التي تسببت في كشف ما كان مستوراً من توحش رسمي اسرائيلي، أو ان ذلك التوحش الذي كان مختبئاً خلف رداء التطرف اليميني هو الذي تسبب بالحرب.

أياً يكن، فإن حرب الإبادة الإسرائيلية، باتت بعد عامين تقريباً من مواصلتها، موضع خلاف ليس بين إسرائيل وفلسطين، ولكن بين إسرائيل ومعظم العالم، دولاً وشعوباً، ومن بين هؤلاء من كانوا حتى وقت قريب أصدقاء وحلفاء إسرائيل، بل ان دول غرب أوروبا، التي أقامت دولة إسرائيل قبل ان تتولى أميركا من ضمن ما تولته من قيادة شؤون الغرب الإمبريالي، حماية ورعاية دولة إسرائيل، تلك الدولة التي أنشأتها بريطانيا العظمى، أولاً بقرار وعد بلفور، ثم برعاية الهجرة اليهودية الى فلسطين، ومساعدة أولئك المهاجرين بعد ان وصلوا «أرض الميعاد» على تشكيل المجموعات المسلحة التي سيطرت على ثلاثة ارباع فلسطين عام 48، ومن ثم شكلت الجيش الاسرائيلي، أي ان بريطانيا تولت رعاية مشروع اقامة «دولة اسرائيل» طوال ثلاثة عقود ما بين عامي 1917_1948.

أما فرنسا فإنها كانت من اهم واكثر الدول التي ساعدت إسرائيل عسكريا بعد ذلك، ولم تكن فقط شريك اسرائيل وبريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر وغزة عام 1956 وحسب، بل أنها هي التي ساعدت اسرائيل على إنشاء مُفاعل ديمونة وعلى امتلاك القنابل النووية، قبل ان تدخل أميركا على الخط الإسرائيلي، بل ودون علم واشنطن في ستينيات القرن الماضي، وكان سلاح الجو الاسرائيلي الذي تفوّق في حرب عام 1967، وجلب لها الانتصار، في معظمه مستوردا من فرنسا.

وكانت اسرائيل تمتلك في تلك الحرب مائتي طائرة فقط، كانت معظمها ميراج وميستير واوراغان الفرنسية الصنع، كما ان في فرنسا ثالث اكبر تجمع يهودي في العالم بعد يهود اميركا ويهود اسرائيل، يقترب من نصف مليون يهودي يكنّون تأييداً طبيعياً لإسرائيل، وهم مواطنون فرنسيون بالطبع.

وقد ظهر جلياً خلال الأيام الأخيرة، تزايد الفجوة بين الموقف الإسرائيلي ومواقف دول الغرب الأوروبي، ومن بين هذا الغرب دولتا فرنسا وبريطانيا، وفي حقيقة الأمر، لم يكن التحول في موقف بريطانيا وفرنسا فجائياً، أو أنه تأثر بمصلحة هنا أو هناك، بل انبعث كدافع أحلاقي، بعد ان تأكد لكل أعمى وبصير في العالم، بأن اسرائيل بحكومتها الفاشية الحالية، مصرّة على مواصلة حرب الابادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، كما لم تفعل اية دولة من قبل، حيث تمارس اسرائيل فعل القتل الجماعي العشوائي المباشر للمدنيين بمن فيهم الصحافيون والأطباء والمسعفون، وبأغلبيتهم من الأطفال والنساء، حتى آخر فصل من فصول الجريمة الوحشية بتجويع البشر في غزة، كما يظهر لكل العالم، اي بإصرار على قتل كل الناس، وتدمير كل مظاهر الحياة.

وفي تعبير المسؤولين الدوليين عن غضبهم مما تمارسه اسرائيل من توحش متواصل منذ عامين، ودون اهتمام بكل ما صدر عن القضاء الدولي وعن المنظمات الدولية من قرارات ومواقف، رد المسؤولون الاسرائيليون بكل صفاقة، ومن يستعرض تصريحات المسؤولين الإسرائيليين قد يصدم او على الأقل يتفاجأ من درجة ومستوى الصفاقة التي يتمتع بها هؤلاء، لكن المفاجأة تتبدد بالطبع، حين نستذكر المثل الذي يقول «ليس بعد الكفر ذنب»، وما دام هؤلاء يمارسون الابادة الجماعية وجرائم الحرب، فإنه من الطبيعي جداً بالنسبة لهم ان يكونوا وقحين لا يحترمون احداً.

الغريب ان حرب الابادة الاسرائيلية، لم تجعل من كل فلسطين فقط هدفاً لها، ولا من كل الفلسطينيين عدواً مستهدفاً بالقتل والتهجير والقهر والتجويع، لكنها جعلت من كل العالم تقريباً عدواً للحكومة الإسرائيلية، حتى لا نقول عدواً لإسرائيل، وكل من رفع الصوت ضد هذه الحرب الإجرامية صار معادياً للسامية، وهنا ندلل على اكثر من موقف لجلعاد أردان تجاه أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيرس، ومسؤولي ومنظمات المنظمة الدولية، بما فيها الأونروا بالطبع، الذين وصفهم بمعاداة السامية، وطالب بإقالتهم، كذلك لو ألمحنا فقط الى ما قاله الوزير الفاشي ايتمار بن غفير ضد بريطانيا، حين رد على وزير خارجيتها الذي طالب بوقف الحرب قبل فترة، بأن عهد الانتداب قد انتهى، والأكثر وقاحةً كان ما قاله أكثر من مسؤول اسرائيلي بمن فيهم وزير الخارجية جدعون ساعر، بحق الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، خاصةً بعد ان اعلن خلال رئاسة فرنسا مع السعودية للمؤتمر الأممي في نيويورك حول فلسطين، عن نيته الاعتراف بدولة فلسطين بمناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول القادم.

ورغم كل الوقاحة وانعدام الدبلوماسية الإسرائيلية، أكد السفير الفرنسي في إسرائيل فريدريك جون لإذاعة «كان» العبرية على الصداقة الفرنسية الإسرائيلية حتى وهي تعترف بدولة فلسطين، لأن في ذلك مصلحة إسرائيل، وكصديق لإسرائيل قال بأن افضل الخيارات لها هو السلام، ونصحها بعدم التورط في احتلال قطاع غزة، وكان صريحاً بإعلانه انه ضد حرب إسرائيلية لا نهاية لها، وكان واضحاً وهو يميز بين إسرائيل الدولة التي أقامها الغرب الأوروبي، وبين حكومة اليمين الفاشي الحالية، التي تقود إسرائيل لإقامة إسرائيل الكبرى والسيطرة على الشرق الأوسط.

على النقيض من السفير الفرنسي كان السفير الأميركي، والحقيقة ان اميركا _ترامب وحدها ما زالت تقف مع مجرمي الحرب الاسرائيليين دوناً عن العالم كله، وبعد خروج الغرب الأوروبي، بما في ذلك المانيا وكندا بعد فرنسا وبريطانيا واسبانيا، فستيف ويتكوف يتفاوض مع نتنياهو فقط، وليس وسيطاً أبداً، بل انكر وجود مجاعة في غزة، أما ترامب نفسه فإنه ما زال يمارس الكذب بإطلاقه عبارات «إنسانية» عن «الجوع في غزة»، ويكذب حين يقول بتقديم أميركا لملايين الدولارات لمؤسسة غزة الإنسانية المريبة، بل هو نفسه ما زال يقول بالتهجير، وبوضع اليد على وطن الفلسطينيين في غزة، ولم يكن الإمر ينقص إلا رئيس مجلس النواب الجمهوري ليزور المستوطنات التي تعتبر الذروة الاحتلالية ودليل الخروج على القانون الدولي، حتى دون ان يلجأ ارهابيوها الى كل هذا القتل والتدمير وحرق البيوت والسيارات وتخريب المزروعات، ولكن إيضا ليطلع على «خرائط الضم» الإجرامية.
أما السفير الأميركي في إسرائيل فيواصل الاصطفاف لجانب بن غفير وسموتريتش، كما لو كان مستوطناً، وليس دبلوماسياً، وآخر ما نطق به متهكماً على ماكرون، بوصفه الدولة الفلسطينية بالوهمية، كان تسميته إياها فرانس أون ستاين، وكان من قبل قد طالب الدول الإسلامية بتقديم جزء من أراضيها لإقامة الدولة الفلسطينية.

الأيام الفلسطينية

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه العدوان غزة الاحتلالية غزة الاحتلال المجتمع الدولي العدوان مقالات مقالات مقالات اقتصاد سياسة سياسة صحافة مقالات رياضة صحافة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة کما لو کان فی غزة

إقرأ أيضاً:

ماذا خسرت أمريكا بعد وفاة من كان يحدثها عن الإسلام؟

"يتهم الكثيرون أمريكا ‘الإمبريالية’ بأنها استخدمت في كثير من الأحيان قوتها العسكرية والسياسية الساحقة، بشكل أحادي الجانب، وبشكل غير متناسب وعشوائي. ونتيجة لذلك، لا يُنظر إلى الحرب ضد الإرهاب العالمي في جميع أنحاء العالم الإسلامي على أنها حرب ضد المتطرفين والإرهابيين، بل حرب ضد الإسلام والعالم الإسلامي".

هل يبدو هذا مألوفا؟ هل هو وثيق الصلة بالموضوع؟ هل جاء في الوقت المناسب؟ الجواب هو كل ما سبق. هذه هي كلمات جون إسبوزيتو في عام 2004، كما وردت في مقدمته لأحد كتبي "الإسلام السياسي العابر للحدود الوطنية: الدين والأيديولوجيا والسلطة".

لم يكتف جون إسبوزيتو بدراسة الإسلام فحسب، بل أمضى أكثر من 5 عقود في دراسة العلاقة بين الإسلام والخيال الأمريكي.

وبذلك، أصبح أحد أبرز المفكرين في عصرنا ليس لأنه سعى إلى الشهرة السياسية، بل لأن السياسة دفعت أبحاثه مرارا وتكرارا إلى قلب النقاشات الأكثر إثارة للجدل في أمريكا.

ويشكل رحيله في 15 يوليو/تموز 2026 خسارة لأحد أبرز العلماء المتخصصين في الإسلام والعلاقات بين المسلمين والمسيحيين في العالم.

ومع ذلك، فإن تذكره كمجرد أكاديمي متميز يعني تجاهل الأهمية الأعمق لعمله طوال حياته.

تغير مساره الفكري بشكل جذري خلال سبعينيات القرن الماضي، متأثرا بلقاءاته مع علماء مسلمين -ولا سيما إسماعيل راجي الفاروقي- وبالاعتراف المتزايد بأن الإسلام كان في طريقه ليصبح أحد أقل الأديان فهما، لكنه في الوقت نفسه ذو تأثير متزايد في الشؤون العالمية

تطورت مسيرة إسبوزيتو الأكاديمية بالتوازي مع بعض اللحظات السياسية الحاسمة في التاريخ الأمريكي الحديث: الثورة الإيرانية، وأزمة الرهائن، وحروب الخليج، وهجمات 11 سبتمبر/أيلول و"الحرب على الإرهاب"، وصعود تنظيم الدولة، وظهور الإسلاموفوبيا كقوة مؤثرة في السياسة الأمريكية.

إعلان

شكل كل حدث تحديا للأمريكيين لفهم الإسلام، وفي كل مرة، كان جون إسبوزيتو يصر على أن الفهم يجب أن يسبق الحكم.

في نواح عديدة، أصبحت مسيرته المهنية انعكاسا حيا للتطور السياسي للولايات المتحدة نفسها.

لم تبدأ رحلة إسبوزيتو الأكاديمية بدراسة الإسلام، فقد تلقى تدريبه كمؤرخ للأديان، وحصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الأديان من جامعة تمبل بعد دراسات سابقة في اللاهوت.

وبصفته كاثوليكيا طوال حياته، تناول الدين في البداية من خلال الدراسة المقارنة للأنظمة العقائدية بدلا من الالتزام بأي مجال معين من مجالات الدراسات الإسلامية.

وتغير مساره الفكري بشكل جذري خلال سبعينيات القرن الماضي، متأثرا بلقاءاته مع علماء مسلمين -ولا سيما إسماعيل راجي الفاروقي- وبالاعتراف المتزايد بأن الإسلام كان في طريقه ليصبح أحد أقل الأديان فهما، لكنه في الوقت نفسه ذو تأثير متزايد في الشؤون العالمية.

في وقت كانت فيه العديد من الجامعات الغربية لا تزال تعامل الإسلام كموضوع هامشي ضمن الدراسات الشرقية، أدرك إسبوزيتو أن ثاني أكبر دين في العالم يتطلب نهجا أكاديميا مختلفا.

وبدلا من النظر إلى الإسلام من منظور التاريخ الاستعماري أو التنافس الجيوسياسي، سعى إلى فهم المسلمين باعتبارهم مشاركين في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية الحديثة.

أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تغييرا جذريا في تصورات الأمريكيين عن الإسلام، فقد أدت صور آية الله الخميني، والاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران، وأزمة الرهائن التي طال أمدها، إلى ربط الإسلام بالتطرف السياسي في المخيلة العامة الأمريكية

وقد دأبت أبحاثه على التأكيد على أن الإسلام ليس أثرا تاريخيا ولا حضارة متجانسة، بل تقليدا حيا متنوعا داخليا، يستجيب أتباعه لنفس قوى الحداثة والعولمة والتغيير السياسي التي تستجيب لها أي جماعة دينية أخرى.

وقد شكلت تلك القناعة مسار حياته المهنية.

ومع ذلك، لم تكن الأبحاث الأكاديمية وحدها هي التي شكلت الرؤية الفكرية لإسبوزيتو، بل كانت أمريكا نفسها.

تبدو قائمة مؤلفاته وكأنها تاريخ بديل للسياسة الأمريكية على مدار نصف القرن الماضي.

ومع تغير العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بفعل الأحداث السياسية، عاد إسبوزيتو مرارا وتكرارا إلى الساحة العامة، مقدما أبحاثه كترياق للخوف.

أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تغييرا جذريا في تصورات الأمريكيين عن الإسلام، فقد أدت صور آية الله الخميني، والاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران، وأزمة الرهائن التي طال أمدها، إلى ربط الإسلام بالتطرف السياسي في المخيلة العامة الأمريكية.

وفجأة، بدأ الكثير من الأمريكيين ينظرون إلى دين يتبعه أكثر من مليار شخص من منظور الثورة والمشاعر المعادية للغرب في المقام الأول.

قاوم إسبوزيتو هذا التبسيط منذ البداية.

وبدلا من استبعاد الإسلام السياسي باعتباره تعصبا غير عقلاني، أصر على أن النهضة الدينية يجب فهمها في سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية.

وعلى غرار لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية أو اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، عكست الحركات السياسية الإسلامية استجابات معقدة للتحديث والحكم والهوية، وليست مجرد تعصب ديني.

إعلان

وأصبح هذا الإصرار على التعقيد السمة المميزة لأبحاثه.

مع تغير العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بفعل الأحداث السياسية، عاد إسبوزيتو مرارا وتكرارا إلى الساحة العامة، مقدما أبحاثه كترياق للخوف

طوال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، نشر إسبوزيتو سلسلة من الأعمال التي تدرس النهضة الإسلامية دون تجميلها.

فقد أقر بوجود الاستبداد حيثما وجد، وانتقد التطرف الديني حيثما ظهر، وحلل الإسلام السياسي دون اختزاله في العنف.

وتحدى عمله كلا من الروايات التبريرية التي كانت تثمن المجتمعات الإسلامية بشكل مثالي، والروايات الجدلية التي صورت الإسلام على أنه متعارض بطبيعته مع الديمقراطية.

كان هذا الالتزام بالتفاصيل الدقيقة هو ما توج بما يمكن اعتباره الآن أحد أكثر كتبه استشرافا للمستقبل.

في عام 1992، نشر إسبوزيتو كتاب "التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟"، وقد جسد العنوان بحد ذاته السؤال المركزي الذي واجه الغرب بعد الحرب الباردة.

ومع زوال الشيوعية كخصم أيديولوجي رئيسي لأمريكا، بدأ العديد من المعلقين في تصوير الإسلام بشكل متزايد على أنه التهديد العالمي الكبير التالي.

رد إسبوزيتو على هذا الادعاء بالوضوح الذي يميزه.

فقد جادل بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإسلام نفسه، بل في معاملة 1.5 مليار مسلم ككيان سياسي واحد.

فالإسلام يضم ديمقراطيين ودكتاتوريين، وإصلاحيين ومحافظين، وعلمانيين وإحيائيين. والحديث عن "الإسلام" كما لو كان يمتلك أجندة سياسية واحدة ليس عملا علميا، بل هو تشويه للحقائق.

لكن التاريخ كان له رأي آخر.

في عام 1992، نشر إسبوزيتو كتاب "التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟"، وقد جسد العنوان بحد ذاته السؤال المركزي الذي واجه الغرب بعد الحرب الباردة

بعد عام واحد فقط، نشر صامويل هنتنغتون مقالته المؤثرة "صراع الحضارات؟"، التي تم توسيعها لاحقا لتصبح الكتاب الأكثر مبيعا "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي".

جادل هنتنغتون بأن الصراعات المستقبلية ستدور بشكل متزايد بين الحضارات، مع احتلال الإسلام مكانة مركزية في المواجهة العالمية.

لم يكن من الممكن أن يكون التباين بين الكتابين أكثر حدة من ذلك.

فبينما ركز هنتنغتون على الكتل الحضارية، ركز إسبوزيتو على التنوع الداخلي.

وبينما توقع هنتنغتون صراعا ثقافيا لا مفر منه، سلط إسبوزيتو الضوء على الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية.

وبينما اكتسبت أطروحة هنتنغتون تأثيرا ملحوظا بين صانعي السياسات والمعلقين، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أمضى إسبوزيتو معظم ربع القرن التالي في توضيح الأسباب التي تجعل مثل هذه الروايات الحضارية الشاملة تحجب الحقائق أكثر مما تفسرها.

ومن المثير للاهتمام للغاية أن أطروحة هنتنغتون لا تزال تلقى صدى أقوى بكثير في المخيلة الغربية، وبشكل متزايد، مقارنة بما واصل إسبوزيتو القيام به.

أحدثت هجمات 11 سبتمبر/أيلول تحولا في كل من أمريكا، والدور العام لإسبوزيتو.

فجأة تقريبا، تحولت الأسئلة التي كانت تشغل المتخصصين في الدراسات الدينية إلى مسائل تتعلق بالأمن القومي.

ودخل الإسلام الخطاب السياسي اليومي بكثافة غير مسبوقة، غالبا ما كان مصحوبا بالشك تجاه المجتمعات المسلمة نفسها.

بالنسبة للعديد من الباحثين، شجعت هذه الأجواء على توخي الحذر. أما بالنسبة لإسبوزيتو، فقد تطلبت هذه الأجواء الانخراط الفعال.

فقد ظهر بشكل متكرر في وسائل الإعلام، وقدم المشورة للحكومات والمؤسسات الدولية، وكتب كتبا سهلة الفهم لجمهور أوسع، وأسس "مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم بين المسلمين والمسيحيين" في جامعة جورج تاون.

كان يؤمن بأن العمل الأكاديمي ينطوي على مسؤوليات عامة، خاصة عندما يهدد سوء الفهم بأن يتحول إلى سياسة عامة.

بينما اكتسبت أطروحة هنتنغتون تأثيرا ملحوظا بين صانعي السياسات والمعلقين، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أمضى إسبوزيتو معظم ربع القرن التالي في توضيح الأسباب التي تجعل مثل هذه الروايات الحضارية الشاملة تحجب الحقائق أكثر مما تفسرها

عمله بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول تحدى -باستمرار- جنوح كثيرين إلى مساواة أفعال المتطرفين العنيفين بمعتقدات تقاليد دينية بأكملها.

إعلان

ورفض فكرة أن الإرهاب يمكن تفسيره باللاهوت وحده، مجادلا بدلا من ذلك بأن المظالم السياسية، وفشل الحوكمة، والتدخل الأجنبي، والإقصاء الاجتماعي، والتلاعب الأيديولوجي، كلها عوامل ساهمت في التطرف العنيف.

كان للدين أهميته، لكنه لم يكن أبدا بمعزل عن العوامل الأخرى.

غالبا ما وضعته هذه الحجج في خلاف مع التيارات السياسية السائدة، وخلال الفترات التي أصبح فيها الخوف من الإسلام أمرا ملائما سياسيا، واصل إسبوزيتو الدفاع عن الأدلة بدلا من الأيديولوجيا، وعن التعقيد بدلا من التبسيط، وعن البحث العلمي بدلا من الشعارات.

ولهذا السبب بالذات، أصبح المسلمون في جميع أنحاء العالم -والمسلمون الأمريكيون على وجه الخصوص- يكنون له احتراما استثنائيا.

ولم يكن إعجابهم به قائما أبدا على مجرد حقيقة أنه كتب عن الإسلام بروح متعاطفة.

في الواقع، لم يكن إسبوزيتو مدافعا غير ناقد، فقد كتب بصراحة عن الحكومات الاستبدادية، وانتقد التطرف الديني، واعترف بالانقسامات الداخلية داخل المجتمعات الإسلامية، وأصر على أنه لا ينبغي إعفاء أي دين من التدقيق العلمي.

ما أدركه المسلمون بدلا من ذلك كان شيئا أكثر غرابة بكثير، فقد عاملهم كبشر كاملين.

لم يغرب المجتمعات المسلمة ولم يعاملها من منظور أمني، ورفض اختزال المسلمين إلى مجرد مشتبه بهم دائمين في السياسة العالمية، أو تقديم الإسلام كتفسير ثابت لكل حدث سياسي يتعلق بالمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة.

كان يستمع قبل أن يفسر، وكان يميز بين الدين واستغلاله سياسيا.

والأهم من ذلك، كان يؤمن بأن المسلمين يستحقون أن يمثلوا وفقا لنفس المعايير الفكرية المطبقة على كل تقاليد دينية أخرى.

بعد أحداث 11 سبتمبر، أعطت كتبه العديد من الطلاب المسلمين تجربة مطمئنة، حيث رأوا أنفسهم موصوفين ليس كمشاكل يجب حلها ولا كصور نمطية يجب الخوف منها، بل كمشاركين في القصة المعقدة والمتطورة للتعددية الأمريكية

بالنسبة للمسلمين الأمريكيين، الذين غالبا ما تغيرت حياتهم بعد أحداث 11 سبتمبر وتشكلت في المراقبة والشكوك والمطالبات المستمرة بإثبات ولائهم، لم تمثل أبحاث إسبوزيتو مجرد تميز أكاديمي فحسب، بل منحتهم الكرامة.

أعطت كتبه العديد من الطلاب المسلمين تجربة مطمئنة، حيث رأوا أنفسهم موصوفين ليس كمشاكل يجب حلها ولا كصور نمطية يجب الخوف منها، بل كمشاركين في القصة المعقدة والمتطورة للتعددية الأمريكية.

قد تثبت هذه المساهمة في نهاية المطاف أنها أكثر ديمومة من أي منشور فردي.

وبالنظر إلى الوراء عبر 5 عقود، نرى أن مسيرة إسبوزيتو تعكس العلاقة المتغيرة بين أمريكا والإسلام نفسه.

عندما كانت أمريكا تخشى الثورة، كان يشرح إيران.

وعندما كانت أمريكا تخشى الإسلام السياسي، كان يشرح الحركات الإسلامية.

وعندما كانت أمريكا تخشى المسلمين بعد 11 سبتمبر، كان يشرح المسلمين.

وعندما دخلت رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى الخطاب السياسي السائد، كان يوثق التحيز بينما يواصل الدفاع عن مبادئ البحث العلمي الدقيق.

وعندما تم تهميش بعض المسلمين في مؤسساتهم بسبب هويتهم وما كانوا يعملون من أجله، تدخل للدفاع عنهم ودعمهم والوقوف إلى جانب عملهم، وأقول هذا من تجربة شخصية.

تذكرنا حياة جون إسبوزيتو بأن الجامعات ليست مجرد مستودعات للمعرفة، ففي أفضل حالاتها، تنتج مواطنين قادرين على مقاومة إغراءات اليقين.

إن وفاته تمثل أكثر من مجرد خسارة لباحث بارز في الإسلام، إنها تمثل خسارة لضمير فكري كانت أعماله تذكر أمريكا باستمرار بأن الخوف بديل رديء عن المعرفة، وأنه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تزدهر إذا سمحت للروايات السياسية بأن تحجب الحقيقة التاريخية، وإذا أصبحت المجالات العامة حصرية وتمييزية

في عصر يتسم بشكل متزايد بالاستقطاب الأيديولوجي، أظهر جون إسبوزيتو أن البحث العلمي بحد ذاته يمكن أن يصبح شكلا من أشكال الخدمة العامة.

وربما يكون هذا هو أعظم إرثه.

قبل وقت طويل من أن يصبح التنوع موضة، وقبل وقت طويل من دخول الحوار بين الأديان إلى قاموس المؤسسات، كان إسبوزيتو يؤمن بأن فهم تقاليد الآخرين يتطلب تواضعا فكريا بدلا من الثقة الحضارية.

وقد أظهر أن البحث العلمي الحقيقي لا يقضي على الخلاف، بل يجعل الخلاف أكثر صدقا، وأكثر استنارة، وأكثر إنسانية في نهاية المطاف.

لذلك، فإن وفاته تمثل أكثر من مجرد خسارة لباحث بارز في الإسلام، إنها تمثل خسارة لضمير فكري كانت أعماله تذكر أمريكا باستمرار بأن الخوف بديل رديء عن المعرفة، وأنه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تزدهر إذا سمحت للروايات السياسية بأن تحجب الحقيقة التاريخية، وإذا أصبحت المجالات العامة حصرية وتمييزية.

إعلان

عندما نتذكر جون إسبوزيتو، فإننا نتذكر باحثا اختار الفهم على الأيديولوجيا، والتعقيد على الشعارات، والحوار على الانقسام.

في لحظة تبدو فيها تلك الفضائل هشة بشكل متزايد، لا تقدم حياته إرثا أكاديميا فحسب، بل إرثا مدنيا أيضا.

قليلون هم الباحثون الذين يصبحون خداما للشعب دون أن يسعوا أبدا إلى تولي منصب عام، وهذا بالضبط ما فعله جون إسبوزيتو.

وبما أنني أتذكر مدى سرعة استجابته لطلباتي من وقته، وحكمته، ودعمه في العديد من المنتديات العامة التي عقدتها على مر السنين، آمل أن يلهم إرثه المزيد من الأكاديميين اليوم ليظهروا الشجاعة للدخول في النقاشات العامة بنفس النزاهة الفكرية التي أظهرها إسبوزيتو.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • ماذا خسرت أمريكا بعد وفاة من كان يحدثها عن الإسلام؟
  • أمريكا تستدعي سفير ماليزيا بشأن سياسة بلاده تجاه إسرائيل
  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • البرادعي يعلق على ربط أمريكا تطبيق الاتفاق النووي السعودي بالتطبيع مع إسرائيل
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • سيناريوهات التصعيد بين أمريكا وإيران.. هل تنضم إسرائيل إلى المواجهة أم تبقى خارجها؟
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار