الطواقم الطبية في غزة.. بين الموت البطيء والإنقاذ المستحيل
تاريخ النشر: 10th, August 2025 GMT
غزة «عمان» - د.حكمت المصري:
في أحد أروقة مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، يجلس الطبيب سعيد يحيى (35 عامًا) مستندًا إلى الحائط، بعد نوبة عمل استمرت لأكثر من 24 ساعة متواصلة. عيناه المثقلتان بالإرهاق ترفضان النوم، وأذناه ترقبان نداءات الإسعاف المتكررة، فيما معدته الخاوية لم تنل سوى قطعة خبز صغيرة محشوة بقرصين من الفلافل.
يقول الطبيب سعيد: «ما نعيشه فاق كل تصورات الطب والإغاثة الإنسانية؛ نخيط الجروح دون مخدر، ننعش القلوب بلا أجهزة، ونتناول ما يتوفر... وأحيانًا لا نتناول شيئًا». هكذا ينهي الطبيب يومه، تاركًا سطرًا موجعًا جديدًا في دفتره عن غزة، التي لا تسقط مرة واحدة، بل تسقط ألف مرة كل يوم... وتقف رغم الجوع، رغم الحصار، رغم كل شيء.
في غرفة عمليات ضيقة داخل مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، يقف الطبيب رائد مصلح (59 عامًا) يحاول إنقاذ أحد المصابين في قسم الكلى والمسالك البولية، يتصبب العرق من جبينه، وتبدأ الرؤية في التلاشي تدريجيًا من أمام عينيه. يقول: «وصلت بالأمس من غزة، ودوامي يستمر لثلاثة أيام متتالية بسبب بُعد المسافة وغلاء المواصلات. لا أذكر متى تناولت آخر وجبة، لكنني أعلم أنني مرهق جدًا.
ربما السبب هو قلّة الطعام وغياب القهوة التي اعتدت عليها. الإصابات لا تتوقف، لكن جسدي لم يعد يحتمل، وجبة واحدة من الأرز أو العدس يوميًا، وأحيانًا أقل. الجوع والإرهاق... كارثتان مزدوجتان تواجهان الطواقم الطبية في غزة، فالجسد الذي يُفترض أن يقود غرفة العمليات، بات عاجزًا عن الوقوف لساعات.
ويضيف الدكتور رائد بأسى: «أفكر في عائلتي أثناء وجودي في المستشفى: هل أكلوا؟ هل وجدوا طعامًا؟ يبقى قلبي مشغولًا. أقتنص الفرص للاتصال بهم، ويؤلمني عندما يخبرني طفلي الصغير بأنه جائع». في مستشفى ناصر نفسه، الذي يُعدّ المستشفى الحكومي الوحيد العامل في جنوب القطاع، يدير الطبيب أحمد الفرا (55 عامًا) قسم الأطفال، بينما تهتز جدران المستشفى على وقع الغارات المتواصلة.
صوت الانفجارات لا يغيب، لكنه ليس الأقسى. ففي الأيام السابقة، وأثناء جولة اعتيادية على المرضى، استهدفت غارة إسرائيلية غرفة داخل المستشفى. ركض الطبيب الفرا برفقة زملائه نحو مصدر الانفجار، ليجد الطفلة دنيا محسن، التي كانت ترمز للأمل، غارقة في دمائها وقد فقدت ساقيها.
يقول الطبيب الفرا بصوت متهدّج: «تأثرت نفسيًا جدًا. رأيت أحلام الطفلة تتبخر في لحظة، لكن الأصعب من الإصابة، هو أن ترى أطفالًا عالجتهم بأقصى جهد، يموتون لاحقًا جوعًا». يضيف وقد أنهكته الشهور الطويلة: «أعاني من صداع مزمن ونوبات نسيان. أتناول وجبة واحدة يوميًا منذ أربعة أشهر، بالكاد تكفي طفلًا صغيرًا. أحاول البقاء يقظًا لإنقاذ حياة الأطفال، لكن الجوع ينهشنا، والإرهاق بات أقوى منا». ما يعانيه الفرا هو واقع مئات الأطباء والممرضين، الذين يعملون في ظروف غير إنسانية داخل مستشفيات مدمرة، بأجهزة شبه معطلة، ونقص حاد في الأدوية والغذاء، تحت وطأة القصف المتواصل.
بات الطبيب، الذي اعتاد إجراء العمليات المعقّدة تحت الضغط، يخشى اليوم من انهياره الذاتي أكثر من أي مضاعفات جراحية. فالأعصاب مشدودة حدّ الانفجار، والماء شحيح، والطعام شبه مفقود.
في مستشفى القدس بمدينة غزة، أنهى الطبيب ناجي القرشلي (60 عامًا) عملية جراحية دقيقة استمرت لساعات. جلس بعدها على كرسي قرب غرفة العمليات، يلتقط أنفاسه الثقيلة. كان جسده يصرخ طلبًا لاستراحة لم تُمنح منذ شهور.
يقول الطبيب الذي يعمل في قسم النساء والتوليد: «أعاني من إرهاق شديد أثناء العمليات التي تتطلب تركيزًا عاليًا. أحيانًا أكاد لا أرى بوضوح. ورغم ذلك نواصل العمل، وسط القصف، في غرف مظلمة، وبدون تخدير كافٍ، ولا حتى قطعة خبز نسند بها أنفسنا. ومع ذلك نُكمل». منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر الماضي، فرض الاحتلال حصارًا خانقًا على أكثر من 2.3 مليون فلسطيني في القطاع، حارمًا إياهم من الغذاء والماء والدواء، ضمن سياسة أطلق عليها الغزيون «هندسة الجوع»، تهدف إلى كسر إرادة الناس عبر التجويع المتعمّد.
منظمة الصحة العالمية حذّرت من أن النظام الصحي في غزة على شفا الانهيار الكامل، حيث يعاني أكثر من نصف الأطفال من سوء تغذية حاد. ومع استمرار الحصار، توقفت خطوط الإمداد الإنساني بشكل شبه كامل، وفرغت الأسواق من السلع الأساسية.
يقول مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية: «لا طعام لدينا، لا ماء نظيف، لا كهرباء مستقرة، ولا حتى رواتب. نعيش فقط على الإرادة والصمود... لكن حتى الإرادة تحتاج إلى ما يُبقي الجسد واقفًا». وبحسب بيانات رسمية، فقد استشهد منذ بداية الحرب 1590 من أفراد الطواقم الطبية، وأُصيب المئات، واعتُقل أكثر من 360 طبيبًا وممرضًا.
ويؤكد الدكتور رأفت المجدلاوي، المدير العام لجمعية العودة الصحية، أن الاحتلال يتعمد استهداف القطاع الصحي ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل المولدات، ما أدى إلى تدمير أو توقف 94% من المرافق الصحية، فيما لا تغطي الإمدادات الطبية التي تدخل غزة سوى 5% من الاحتياجات العاجلة.
ويحذّر المجدلاوي: «الاحتلال يتعمد إخراج المنظومة الصحية عن الخدمة بهدف تأزيم الوضع الإنساني. أكثر من 15 ألف مريض وجريح توفّوا بعد منعهم من العلاج خارج القطاع». ورغم مناشدات منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الإغاثية، لا يزال الصمت الدولي يُخيّم، بينما تنهار أعمدة النظام الصحي واحدًا تلو الآخر. فحتى الطعام البسيط الذي كانت تُحضّره المشافي داخليًا للطواقم، لم يعد موجودًا.
اليوم، يواجه الأطباء في غزة خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يواصلوا أداء مهامهم الإنسانية حتى الإنهاك...أو يسقطوا جوعًا في ممرات المستشفيات، التي باتت تضم الموتى أكثر من الأحياء.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.