من المرج والهرج إلى الفرح السياسي
تاريخ النشر: 15th, August 2025 GMT
1 هناك ثلاثة زوايا نظرتُ من خلالها لرحلة الرئيس البرهان إلى زيورخ: المرج، والهرج، والفرح. أمّا المَرَج فهو اختلاط الأمر واضطرابه، وهذا ما حدث.
منذ أن نشر الأستاذ محمد عثمان إبراهيم خبر مغادرة الرئيس البرهان إلى جنيف، ضجّت الأسافير كعادتها، وتبارى الصحفيون والناشطون في نفي وإثبات الخبر. واحتار الناس في كنه أمر هذه السفرية وطبيعة اللقاء الذي سيجري هناك… أطرافه… أجندته… هل هو لقاء مع بولس مستشار ترمب لتوضيح المواقف، أم لقاء مع آخرين لم يظهروا بعد على المسرح، أم هو تفاوض مع كفيل الجنجويد؟ ثم ظهرت في الرادار الطائرة القطرية!! إذن ما دور قطر؟ هل هي منسّق الرحلة أم وسيط، أم مجرد مسهّل ومساعد في الجانب اللوجستي؟ أم أن الدوحة هي مهندسة اللقاء من الألف إلى الياء؟
2
حدث الهرج لأن الدولة ترفض أن تتكرم ببضعة أسطر على الشعب تقول فيها مثلاً:
بناء على طلب الرئيس الأمريكي، سيغادر السيد الرئيس البرهان إلى زيورخ للقاء مستشار الرئيس الأمريكي بولس لتوضيح وجهة نظر الدولة في الحرب التي تشنها المليشيات المتمردة، والسبل لإنهائها.
وحينها سيقول الشعب: “توكّل على بركة الله”، وسيغادر الرئيس في وضح النهار ويعود كذلك. وبعد عودته، سيصدر خبر من مجلس السيادة: عاد الرئيس إلى البلاد سالمًا بعد زيارة قصيرة التقى خلالها مبعوث الرئيس الأمريكي وأكد موقف السودان الثابت في البحث عن السلام الذي يضمن وحدة البلاد. لو حدث ذلك، لقال الشعب: “شكرًا سيدي الرئيس، عبّرت عنا تمامًا، ونحن خلفك… وإلى نصر وفتح قريب”.
3
أمّا الفرح الذي أحدثته تلك الزيارة فهو مستحق للذكر، إذ إن ضبط ساعة الزلزلة لم يعد بأيدي الآخرين بل بأيدينا. كان السؤال الذي طغى على الميديا هو: ما موقف البرهان؟ وماذا قال؟
في زمنٍ مضى، كان السؤال مقلوبًا: ماذا قال الأمريكان للرئيس البرهان؟ وماذا سيفعل البرهان؟
لقد عرفوا تصريحات الرئيس من خلال خطاباته حتى الأسبوع الماضي حين قال: “سنقاتل حتى ندحر المليشيا”، ورأوا مواقفه حين أرسل وفد أبو نمو إلى جدة ورفض عرض الأمريكان، وسفّه أحلامهم. ثم انتظروه في جنيف ليأتي مهرولًا ولم يفعل، وطال انتظارهم عشرة أيام في ذلك الحين. ومرة أخرى في مؤتمر لندن لم يعبأ بتهديداتهم، فذهبت كلها أدراج الرياح.
4
ما يبعث أيضا على السعادة أن ثبات موقف السودان أدى إلى زعزعة معسكر الرباعية وإضعافه، ما استدعى الاستعانة بمصر وقطر، وعزّز في الوقت ذاته موقف الاتحاد الأفريقي الذي أعلن مؤخرًا رفضه لأي حكومة موازية، معترفًا فقط بشرعية حكومة واحدة على رأسها السيد كامل إدريس، وهو ما رحّب به في بيانه الأخير.
وبالأمس، أصدر مجلس الأمن موقفًا مماثلًا، رافضًا أي حكومة موازية، ومطالبًا بفك الحصار عن المدن، وعلى رأسها الفاشر. وفي الوقت نفسه، توالت الإدانات الدولية لجرائم المليشيا في معسكري زمزم وأبو شوك، وكان آخرها إدانة مستشار الرئيس الأمريكي بولس أمس.
كل ذلك تحقق بصمود الشعب وتضحياته، لا كهبة أو منحة من المجتمع الدولي.
5
أمّا الفرح الأكبر، فقد جاء حين اتفقت كل الروايات على مقولة واحدة قالها الرئيس البرهان لمستشار الرئيس الأمريكي: “لا مستقبل للجنجويد في السودان”. وهذا هو المطلب الجوهري للشعب ولا شيء سواه.
الرئيس، الذي يقرأ نبض شعبه، عبّر عن إرادة أمة بكلمات حاسمة ومواقف واضحة، ولن يستطيع أن يحيد عن هذا المسار. الواهمون يظنون أنه سيخضع يومًا لضغوط الأمريكان ويعيد الجنجويد وحلفاءهم إلى الساحة السياسية.
يا هولاكو… الزمن تغيّر. نساء الفاشر، وهن في قلب الجوع والموت، حملن الكلاشينكوف، وهنادي قاتلت بالسكين حتى آخر رمق من حياتها. نساء الفاشر وهن يواجهن الجوع والموت بالسلاح الأبيض أثبتن أنهن أقوى من جيوش المرتزقة المدفوعة الأجر. فكيف يخضع البرهان والجيش، والشعب من خلفه، والقوات المشتركة بجانبه، لابتزاز أي طرف خارجي …. هيهات.
6
اليوم، وبينما يحتفل السودان بذكرى مئوية جيشه، تتجدد البيعة على المضي في طريق الدفاع عن الوطن وحفظ سيادته، بات واضحًا أن قرار رفض عودة المليشيا هو موقف استراتيجي راسخ، يستند إلى إرادة شعب قدّم تضحيات جسام ورفض أن تُختطف دولته. ومع تنامي الدعم الإقليمي والدولي لموقف السودان، وانكسار رهانات خصومه، تمضي معركة الكرامة بثقة نحو خواتيمها.
الجيش الذي صاغه الأجداد بدمائهم، والشعب الذي يلتف حوله اليوم، لن يسمحا بانتكاسة تعيد القتلة إلى جسد السلطة. والرسالة التي أطلقها البرهان من قلب احتفال الجيش جاءت قاطعة: لن نخون دماء الشهداء، ولن نفرّط في وحدة السودان، ولن نساوم على كرامته.
عادل الباز
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: الرئیس الأمریکی الرئیس البرهان موقف ا
إقرأ أيضاً:
الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
أكد الناطق الرسمي باسم الكتلة الديمقراطية، الدكتور محمد زكريا، أن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، شدد على تمسك الدولة بحل سوداني خالص للأزمة، يقوم على مسارين متوازيين ومتكاملين.
الخرطوم ــ التغيير
وأوضح زكريا أن المسار الأول سياسي يضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وثانيهما مسار للترتيبات الأمنية يشمل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، استنادًا إلى مبادئ إعلان جدة، بما يقود إلى تفكيك قوات الدعم السريع وإنهاء التمرد.
وقال زكريا في تصريحات بجسب “المحقق الإخباري”، إن البرهان أكد أن ما يُعرف بـ«تأسيس» يمثل الواجهة السياسية لقوات الدعم السريع، مشددًا على أنه لا مكان لأي جسم ذي توجهات انفصالية ضمن العملية السياسية أو الحوار الوطني.
وأوضح أن قيادة الكتلة الديمقراطية التقت البرهان، حيث بحث الجانبان تطورات الأوضاع السياسية والأمنية، ومستجدات الحرب، والجهود المبذولة لتحقيق السلام وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة.
وأضاف أن رئيس مجلس السيادة جدد التزام الدولة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، داعيًا القوى السياسية والوطنية إلى اتخاذ خطوات عملية تمهد لانطلاق الحوار السوداني–السوداني، مع مواصلة تهيئة المناخ الملائم لإنجاح العملية السياسية.
ونقل زكريا عن البرهان تقديره للدور الذي يقوم به أصدقاء السودان على المستويين الإقليمي والدولي في دعم جهود إنهاء الأزمة ومساندة المتضررين من الحرب، مؤكدًا في الوقت نفسه أن القوات المسلحة تواصل عملياتها لاستكمال تحرير الأراضي السودانية من التمرد.
كما أشاد البرهان، بحسب زكريا، بالدور الذي تؤديه الكتلة الديمقراطية والقوى الوطنية وموقفها الداعم لمؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب، داعيًا مكونات الكتلة إلى تجاوز خلافاتها الداخلية عبر الحوار والتوافق.
من جانبه، أكد زكريا أن الكتلة الديمقراطية جددت خلال اللقاء دعمها الكامل للقوات المسلحة، ورحبت باستعداد رئيس مجلس السيادة لإطلاق حوار سوداني–سوداني وتوطين الحل السياسي، بما يضمن مشاركة جميع السودانيين، ويحافظ على وحدة البلاد وسيادتها ووحدة مؤسساتها.
الوسوماستمرار البرهان العمليات العسكرية الكتلة الديمقراطية محمد زكريا مسارين للحل