ندوة لـ«تريندز» تحلل «دور الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الرقابية» بين الفرص والمخاطر
تاريخ النشر: 19th, October 2025 GMT
أبوظبي – الوطن:
نظم مركز تريندز للبحوث والاستشارات، عبر مكتبه الافتراضي في ألمانيا، ندوة «دور الذكاء الاصطناعي في الأمن.. الموازنة بين حدود التكنولوجيا والمسؤولية البشرية»، وذلك على هامش مشاركته في النسخة الـ77 من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2025، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجالات الأمن والدفاع والاستخبارات ومكافحة الإرهاب.
وأكد المشاركون في الندوة، التي أدارها هزاع سيف الحمادي، الباحث في «تريندز»، أن العالم يواجه تحدياً مزدوجاً بفعل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي واندماجها في البنى التحتية الأمنية والأنظمة الرقابية ومكافحة الإرهاب وتحليل المعلومات الاستخباراتية والدفاع العسكري، وذلك يزيد من مخاطر تأثير الذكاء الاصطناعي على المشهد الأمني العالمي.
الذكاء الاصطناعي العكسي
واستهل الندوة الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، قائلاً إن مجال الأمن الوطني والدولي يشهد تحولاً سريعاً بفضل الذكاء الاصطناعي، حيث يُستخدم في مكافحة الإرهاب وتأمين الأمن السيبراني والمراقبة والتنبؤ بالجريمة، وضبط الحدود وتطوير الاستراتيجيات العسكرية، كما تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي زيادة الكفاءة والكشف المبكر عن التهديدات.
وذكر أنه مع الانتشار المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي برزت العديد من المخاطر، منها «الذكاء الاصطناعي العكسي»، حيث يمكن استغلال الأنظمة الذكية نفسها أو التلاعب بها لخداعها، مما قد يؤثر سلباً على أنظمة الطوارئ والأمن، ويعرض حياة البشر والمجتمعات للخطر، كما يمكن استخدام التكنولوجيا كسلاح غير مرئي يهدد الشفافية والعدالة في إدارة الطوارئ.
مخاطر التحيز والانتهاك
وأشار العلي إلى الذكاء الاصطناعي، رغم قوة وفاعلية أدواته، فإنه يطرح مخاطر، مثل التحيّز الخوارزمي، وسوء الاستخدام في المراقبة، والتعدي على الخصوصية، والاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية، ومن دون إشراف مناسب، قد يؤدي توظيفه إلى تصنيفات خاطئة، وانتهاكات للقانون الدولي.
وأضاف أن دور الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مساعداً في اتخاذ القرارات الأمنية الحساسة، وليس بديلاً عن التقدير البشري، ولا يمكن لأي دولة مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي بمفردها، فهناك حاجة ملحّة للتعاون الدولي، وتطوير السياسات، ووضع معايير أخلاقية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن.
مكافحة الإرهاب
بدوره، أكد يان سان بيير، الرئيس التنفيذي لشركة موسيكون، ومستشار مكافحة الإرهاب – برلين، أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً محورياً في مكافحة الإرهاب وفي تطوير أساليبه، فبينما يمنح قدرات تحليلية واستخباراتية متقدمة، يحمل أيضاً مخاطر إساءة الاستخدام، فطبيعته المزدوجة تجعله أداة يمكنها تعزيز الأمن أو تمكين المجرمين، مما يستدعي إشرافاً بشرياً مسؤولاً ومتواصلاً.
وأوضح أن التنظيمات المتطرفة تستغل الذكاء الاصطناعي في ثلاثة مجالات رئيسية «الدعاية والتجنيد، الهجمات السيبرانية، والتخطيط لهجمات ميدانية»، هذا الاستخدام يمنحها قدرة على الانتشار السريع والتأثير في الرأي العام، وتنفيذ عمليات رقمية وواقعية معقدة تفوق قدرات المراقبة التقليدية.
وبين بيير أن أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد الإرهابيين على تنفيذ هجمات رقمية مثل برامج الفدية، والتصيد الإلكتروني، وهجمات حجب الخدمة، كما تُستخدم في تحليل البنى التحتية وجمع بيانات لتخطيط هجمات ميدانية، مضيفاً أنه في المقابل توظف الجهات الأمنية الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات المفتوحة ومكافحة التضليل، كما يسهم في تحليل البيانات وتعقب الأنشطة المالية، ورصد المحتوى المتطرف.
وأضاف أنه رغم تطور الذكاء الاصطناعي، لا يمكنه استبدال الفهم البشري للسياقات الأمنية، لأن الاعتماد المفرط عليه قد يوسع الفجوة بين الإرهابيين والأجهزة الأمنية، وتبقى الحاجة ضرورية لوضع أطر أخلاقية وقانونية وضمان الشفافية والمساءلة، لأن القرار النهائي يجب أن يظل بيد الإنسان.
تعزيز الدفاع السيبراني
من جانبه، قال مصطفى العمار، عضو الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، إن الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للأمن والقضاء، تسهم في تسريع الإجراءات وتحليل البيانات بدقة وكفاءة، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر حقيقية، أبرزها التزييف العميق والتضليل الإعلامي، اللذان قد يستخدمان لزعزعة الاستقرار والتأثير في الرأي العام، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة للحماية أو أداة للتدمير تبعاً لمن يستخدمها.
وشدد على ضرورة بناء أنظمة أمنية رقمية حديثة تتيح تبادلاً سريعاً وآمناً للمعلومات بين الجهات الأمنية على المستويين الوطني والأوروبي، مع تعزيز الدفاع السيبراني بأنظمة ذكية قادرة على التنبؤ بالتهديدات، محذراً من أن حماية البيانات لا يجب أن تتحول إلى حماية للمجرمين.
ودعا العمار إلى تحقيق التوازن بين الخصوصية ومتطلبات الأمن، ضمن منظومة شفافة وخاضعة للمساءلة، إلى جانب توحيد المعايير الأوروبية في الدفاع السيبراني، وتطوير وكالة «يوروبول» لتصبح جهازاً أوروبياً متكاملاً يستخدم الذكاء الاصطناعي في مواجهة التهديدات.
القرار النهائي للإنسان
أما الدكتور جاسم محمد، مدير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات «ECCI»، فيرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة محورية في العمل الاستخباري، حيث يُستخدم لتحليل كميات ضخمة من البيانات واكتشاف التهديدات بسرعة، لكن يجب أن يبقى القرار النهائي بيد الإنسان، فالذكاء الاصطناعي لا يفهم السياق الأخلاقي أو المعنوي، مما يجعل الاعتماد الكلي عليه خطراً جسيماً.
وبين أنه من أبرز مخاطر الذكاء الاصطناعي، التحيز الناتج عن البيانات غير المتوازنة، والثقة المفرطة بنتائج الأنظمة الآلية، إضافة إلى إمكانية إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل والتزييف العميق، كما تثير استخداماته تساؤلات قانونية وأخلاقية تتطلب رقابة صارمة.
وذكر أن العامل البشري يظل الأساس، ويجب أن يكون الإنسان في الحلقة، يراجع ويصادق على القرارات، مع توفير التدريب المستمر في التحليل والأخلاقيات والتفكير النقدي والشفافية والمساءلة، موصياً بوضع حدود واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنشاء هيئات رقابية، وتنظيم الوصول للتقنيات الحساسة، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لتطوير أُطر قانونية تحمي القيم الديمقراطية.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تحليلاً اقتصادياً يحذر من أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تحمل أعباءً أكثر مما يعترف به المستثمرون، مشيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ودورة الأرباح وسردية السوق تستند جميعها إلى ركيزة ضيقة واحدة.
وأوضح التحليل أن المؤشرات الرئيسية لصحة الاقتصاد لم تعد متوافقة، حيث يتركز النمو والأرباح في قطاع تكنولوجي محدود، مما يجعل القوة الظاهرية للاقتصاد هشة وتعتمد بشكل كبير على ثقة المستثمرين في عوائد الذكاء الاصطناعي.
تحذيرات من وصول أسعار النفط إلى 160 دولاراً مع تضاؤل الاحتياطيhttps://t.co/5rtzJNeAg7 pic.twitter.com/ObNpJsEaKz
— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026وبحسب "فايننشال تايمز"، يكمن اللغز في الاقتصاد الأمريكي في أن الإنفاق الاستهلاكي لا يزال متماسكاً، وأرباح الشركات تقترب من مستويات قياسية، بينما تراجعت وتيرة نمو الدخل الحقيقي المتاح، وبدا خلق فرص العمل ضعيفاً بشكل غير معتاد بالنسبة لاقتصاد يُفترض أنه لا يزال يتوسع بقوة.
وأوضحت الصحيفة أن التفسير الأوضح لهذا التناقض هو "التركز"، حيث انحصرت مكاسب الأرباح وهوامشها والإنفاق الرأسمالي والقيمة السوقية في نظام بيئي ضيق للذكاء الاصطناعي، يضم صانعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات ومجموعات البنية التحتية المحيطة بهم، بينما تبدو الصورة أقل إقناعاً خارج هذه الدائرة.
أرباح استثنائية لأقلية تكنولوجيةوأشارت الصحيفة إلى أن أجزاءً كبيرة من الشركات الأمريكية لم تحقق سوى نمو متواضع في الأرباح أو واجهت ضغوطاً على الهوامش، إلا أن أداء السوق تهيمن عليه "أقلية استثنائية" بدلاً من الأغلبية المتوسطة، مما جعل الاقتصاد يبدو أقوى، وسوق الأسهم أوسع نطاقاً مما هما عليه في الواقع.
ولفتت إلى أن حصة أرباح الشركات الأمريكية ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تركزت قيادة السوق بشكل غير معتاد، حيث تستحوذ حفنة من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الآن على نحو 40% من القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، وفقاً لبيانات "بنك أوف أمريكا".
وحذرت "فايننشال تايمز" من أن المستثمرين قد يدفعون مضاعفات أسعار مرتفعة لأرباح لا تمثل القطاع الأوسع للشركات، مؤكدة أن مخاطر التقييم لا تكمن فقط في أسهم التكنولوجيا باهظة الثمن، بل في احتمالية أن تكون خلفية الأرباح للسوق بأكمله أقل قوة مما تشير إليه البيانات الإجمالية.
سوق العمل والإنفاق الاستهلاكيوفيما يتعلق بسوق العمل، أوضحت الصحيفة أن الشركات التي تحقق أكبر الأرباح حالياً هي الأقل كثافة في استخدام العمالة، وسجل نمو الوظائف في شهر أبريل (نيسان) نسبة 0.43% فقط مقارنة بالعام السابق، وهو أقل بكثير من الوتيرة السنوية المعتادة التي تتراوح بين 1% و1.5%.
وأضافت أن مجموعات التكنولوجيا الكبرى حققت إيرادات ضخمة مع نمو محدود في عدد الموظفين، مما يضعف نمو الدخل الإجمالي ويجعل التوسع الاقتصادي أكثر هشاشة.
ويفسر هذا، وفقاً للتحليل، سبب ظهور الاستهلاك بشكل أقوى مما توحي به بيانات الدخل، حيث تأتي قوة الإنفاق بشكل متزايد من الأسر ذات الدخل المرتفع التي ترتبط ثرواتها بالأسهم أكثر من الأجور، وبحسب الصحيفة، أصبحت سوق الأسهم جزءاً من نموذج النمو، حيث إن ارتفاع أرباح الذكاء الاصطناعي يرفع أسعار الأسهم، مما يدعم القوة الشرائية للأثرياء، بينما تظل الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة لضغوط الدخل الحقيقي وضعف سوق العمل.
طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم إلى مستويات تاريخيةhttps://t.co/TlEP7rO4Tm pic.twitter.com/ycTSR9KaJO
— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 ركيزة هشة ومخاطر مستقبليةوترى "فايننشال تايمز" أن هذا النطاق الضيق لا يعني بالضرورة إنهاء التوسع الاقتصادي حالياً، طالما أن المستثمرين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيحقق عوائد طويلة الأجل، لكنها حذرت من أن الهيكل ذاته الذي جعل الولايات المتحدة تبدو مرنة، يجعلها أيضاً تعتمد بشكل غير معتاد على "الثقة"، فكلما تدفقت المزيد من رؤوس الأموال نحو هذا القطاع، بدت الأرقام الإجمالية أكثر إقناعاً.
وتختتم الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي يكمن في استناد الاقتصاد ودورة الأرباح وسردية السوق إلى نفس الركيزة الضيقة، محذرة من أنه إذا تم التشكيك في العوائد المتوقعة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولفتت إلى أن التداعيات لن تتوقف عند بعض أسهم التكنولوجيا، بل قد تمتد لتشمل ضعف الاستهلاك، وإعادة تقييم أوسع للقوة الاستثنائية الأمريكية، مشددة على أن أسس هذه القوة أضيق بكثير مما يود العديد من المستثمرين الاعتراف به.