الشرق الأوسط الجديد: إعلانه سهل وتحقيقه صعب
تاريخ النشر: 20th, October 2025 GMT
وصل الرئيس دونالد ترامب صباح يوم الاثنين 13 أكتوبر إلى مطار بن غوريون، في اللحظة نفسها التي كانت فيها حماس تُفرج عن آخر الأسرى الإسرائيليين الناجين، بعد عامين من الأسر، في الوقت الذي أوقفت إسرائيل فيه قصفها المدمر لغزة. منذ السابع من أكتوبر 2023، قُتل ألفا إسرائيلي وسبعة وستون ألف فلسطيني. وقد تحولت غزة إلى أرض يباب، لا ترى فيها إلا الفقر والخراب.
في القدس، استُقبل ترامب بلوحات إعلانية وفي الكنيست باعتباره «كورش الكبير» المعاصر، وهو الحاكم الفارسي الذي سمح لليهود عام 538 قبل الميلاد بالعودة إلى الأرض المقدسة بعد نفيهم في بابل، وإعادة بناء الهيكل. وخلال خطابه في الكنيست، رفع نائبان يساريان، أوفير كاسيف (يهودي إسرائيلي)، وأيمن عودة (فلسطيني إسرائيلي)، لافتتين صغيرتين كُتب عليهما: «اعترفوا بفلسطين». فما كان من الحراس إلا أن اقتادوهما بسرعة خارج القاعة. وقد امتدح ترامب سرعة قمع هذا الاحتجاج البسيط قائلًا بابتسامة: «كان ذلك فعالًا جدًا». وفي خطاب مملوء بالإعجاب الذاتي، لم ينس ترامب أن يشكر كبير مفاوضيه ستيف ويتكوف (الذي وصفه بـ «كيسنجر لا يسرب المعلومات»)، وأحد كبار مموليه مريم أديلسون «لديها ستون مليارًا في البنك!»، ثم انتقل إلى الهجوم على جو بايدن، الذي وصفه بأنه «أسوأ رئيس في تاريخ بلادنا، دون منازع، وأوباما ليس بعيدًا عنه».
من المستحيل ألا يشعر المرء بارتياح عميق لاحتمال انتهاء هذه الحرب الطويلة والمريرة أخيرًا، لكن يصعب أيضًا تجاهل حقيقة أن قرار الرئيس بالضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يكن نابعًا من استراتيجية مدروسة، أو تعاطف، أو قناعة، بل من حسابات مصلحية. فقد كانت تصريحاته الطائشة في وقت سابق من هذا العام حول تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» تصب الزيت على نار خيالات اليمين الإسرائيلي بإعادة توطين القطاع وضم الضفة الغربية. كما أججت غضب العالم.
اللحظة الحاسمة جاءت في التاسع من سبتمبر، حين أمر نتنياهو بتنفيذ غارة جوية على مبنى سكني في الدوحة، مستهدفًا أربعة من قادة حماس الذين كانوا يشاركون حينها في مفاوضات وقف إطلاق النار. الغارة أخطأت هدفها، لكنها أرعبت ترامب بوضوح. مثل رؤساء كُثر من قبله، دلّل ترامب نتنياهو، الذي اعتاد على اعتبار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي أمرًا مفروغًا منه. لكن ضربة الدوحة مسّت شيئًا يتجاوز المبادئ، مست المصالح المالية. فمشاريع عائلة ترامب التجارية أصبحت متشابكة بشكل متزايد مع رؤوس الأموال القطرية والخليجية. فما كان منه إلا أن أجبر نتنياهو على تقديم اعتذار مكتوب للقطريين، إذلال أعاد إليهم ثقتهم واعتزازهم، وطمأن تركيا ومصر، ودفع هذه الدول إلى ممارسة ضغوط على حماس لقبول اتفاق وقف إطلاق النار. وبذلك، كانت أهم غارة إسرائيلية في هذه الحرب، هي التي فشلت.
يعلن الرئيس الآن عن «الفجر التاريخي لشرق أوسط جديد». حين استخدم شمعون بيريز هذه العبارة خلال سنوات أوسلو المتفائلة، سخر منه كثيرون لاعتبارهم أنه واهم. أما نسخة ترامب، فهي أقرب إلى خطاب تسويق عقارات، تتبنى مبدأ «إذا صدّقت أنه حقيقي، فهو كذلك». وهو ذات المنطق الذي جعله يدّعي أن «برج ترامب» يتكوّن من 68 طابقًا، رغم أن العدد الحقيقي هو 58. وبالرغم من أن الرئيس يُفضل «رجال الصفقات» على الدبلوماسيين الرسميين، إلا أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط ليس كبيع كازينو خاسر. فالإدارة الأمريكية لا تستطيع ببساطة أن تعلن نهاية «صراع الثلاثة آلاف عام»، كما أسماه ترامب، ثم تلتفت لمهمتها الداخلية في تقويض سيادة القانون. فالتاريخ لا يسمح بالاختزال.
رؤية «الشرق الأوسط الجديد» من منظور نتنياهو المنتشي بالنصر، هي تلك التي تتراجع فيها تهديدات حماس، وحزب الله، وسوريا، واليمن، وإيران، بفضل قيادته «التشرشلّية». أمّا عن فشله في حماية إسرائيل يوم 7 أكتوبر؟ فكل ذلك يُنسى. هذه الرؤية المتعمدة التجاهل، أو بشكل أدق برنامج إعادة انتخاب، تتجاهل الرأي العام العالمي، والانقسامات الأخلاقية والسياسية داخل إسرائيل نفسها. كما أنها تغفل الغضب المتأصل في نفوس الشباب الفلسطينيين، الذين فقدوا أسرهم وأصدقاءهم، دون أن يفقدوا إصرارهم على الكرامة والوطن. التقدم الحقيقي في المنطقة، العدالة والاستقرار الحقيقيان، يتطلبان شفاءً، وثباتًا، وخيالًا، وصبرًا... يومًا بعد يوم، عامًا بعد عام، أطول من عمر أي إدارة سياسية واحدة.
الأسئلة المطروحة الآن كثيرة: من سيدفع لإعادة إعمار غزة؟ ومن سيحكمها؟ وهل ستبقى القوات الإسرائيلية في القطاع؟ وقبل كل شيء، ما مصير «المسار الموثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة» الذي يلمّح إليه اتفاق وقف إطلاق النار بصيغة مبهمة؟ لطالما اعتُبر الحديث عن حل، سواء دولتين، أو كونفدرالية، أو أي صيغة من صيغ التعايش الآمن والحُر، إما تعبيرًا ساذجًا عن الإيمان، أو تمثيلية ساخرة، أو لفتة فارغة نحو مستقبل لا يؤمن أحد برؤيته.
لكن مثل هذا الاستسلام، رغم قابليته للفهم، غير مقبول. وأنت تراقب ترامب ونتنياهو في الكنيست، تتوق إلى مشهد أكثر إلهامًا، مثل ذلك الذي وقع في القاعة نفسها في 20 نوفمبر 1977. فبعد ثلاثين عامًا من العداء، حلّق الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس، ومد يده لمناحيم بيغن، وخاطب النواب الإسرائيليين قائلًا: «جئت إليكم كي نبني معًا سلامًا دائمًا قائمًا على العدالة، لتجنب إراقة قطرة دم واحدة من كلا الطرفين. ولهذا السبب أعلنت استعدادي للذهاب إلى أبعد ركن في العالم. وبكل صدق أقول لكم: نحن نرحب بكم بيننا بأمان وسلام».
لم يكن السادات ولا بيغن بريئين أو حمائم سلام. فالسادات كان يحتقر الاستعمار البريطاني إلى درجة أنه كتب رسالة إلى هتلر (وكأنه ما يزال حيًا)، بدأها بعبارة: «أُعجب بك من أعماق قلبي». أما بيغن، فكان من مقاتلي الجماعات الصهيونية المسلحة، ونعته دافيد بن غوريون بـالعنصري ونموذج هتلري بامتياز. ومع ذلك، وبوساطة مستمرة من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، تمكّن الرجلان من التوصل إلى اتفاق سلام لا يزال قائمًا حتى اليوم.
كانت مبادرة السادات تنتمي إلى زمن آخر، حيث كانت الشجاعة تعني تحمُّل المخاطر، لا استعراض القوة. أما ما جرى في القدس الأسبوع الماضي، فكان تكرارًا لأقدم أنماط المنطقة، وهو غرور القادة الذين يخلطون بين إعلان النصر والحل الحقيقي، وصبر الشعوب التي تتحمل العواقب. فالعدالة، كما هو الحال دائمًا، لا يصنعها أولئك الذين يعلنون «فجر التاريخ» ويمضون، بل أولئك الذين يكدحون عبر يومه الطويل والشاق.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: وقف إطلاق النار الشرق الأوسط کان من
إقرأ أيضاً:
عن النمو في لبنان.. توقعٌ للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار
قال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، اليوم الأربعاء، إن النمو سيتباطأ هذا العام في عدد من الأسواق النامية، بفعل الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وأشار البنك إلى تباطؤ النمو في دول رئيسية، بينها تركيا وأوكرانيا ومصر، فيما جاءت أكبر التعديلات على توقعاته الصادرة في شباط في لبنان والعراق.
وخفض البنك توقعاته للبنان بمقدار 6 نقاط مئوية، وللعراق بمقدار 5.1 نقطة مئوية.
ومن المتوقع أن ينكمش اقتصاد البلدين هذا العام، بنسبة 2% في لبنان و1.5% في العراق. مواضيع ذات صلة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يهدف إلى ضخ 5 مليارات يورو في الاقتصادات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط في 2026 Lebanon 24 البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يهدف إلى ضخ 5 مليارات يورو في الاقتصادات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط في 2026
03/06/2026 08:45:54 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 رويترز عن رئيس البنك الدولي: حرب الشرق الأوسط سترفع التضخم وتقلص النمو Lebanon 24 رويترز عن رئيس البنك الدولي: حرب الشرق الأوسط سترفع التضخم وتقلص النمو
03/06/2026 08:45:54 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 اقتصاد لبنان بعد الحرب: اكثر من 20 إلى 25 مليار دولار لإعادة الإعمار Lebanon 24 اقتصاد لبنان بعد الحرب: اكثر من 20 إلى 25 مليار دولار لإعادة الإعمار
03/06/2026 08:45:54 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 سلام: الاستقرار الدائم هو بانسحاب إسرائيل وإعادة الاسرى وإعادة إعمار لبنان Lebanon 24 سلام: الاستقرار الدائم هو بانسحاب إسرائيل وإعادة الاسرى وإعادة إعمار لبنان
03/06/2026 08:45:54 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 لبنان إقتصاد عربي-دولي قد يعجبك أيضاً
إجتماع لبناني- سوري لوضع التعريفات الجمركية
Lebanon 24 إجتماع لبناني- سوري لوضع التعريفات الجمركية
09:03 | 2026-06-03 03/06/2026 09:03:00 Lebanon 24 Lebanon 24 "الهلال الأحمر الفلسطيني" - لبنان دان استهداف المرافق الصحية
Lebanon 24 "الهلال الأحمر الفلسطيني" - لبنان دان استهداف المرافق الصحية
08:50 | 2026-06-03 03/06/2026 08:50:50 Lebanon 24 Lebanon 24 انزعاج داخل "التيار" من "التذبذب"
Lebanon 24 انزعاج داخل "التيار" من "التذبذب"
08:48 | 2026-06-03 03/06/2026 08:48:00 Lebanon 24 Lebanon 24 استشهاد مسعف من جمعية الرسالة جراء الغارة الإسرائيلية على عربصاليم
Lebanon 24 استشهاد مسعف من جمعية الرسالة جراء الغارة الإسرائيلية على عربصاليم
08:41 | 2026-06-03 03/06/2026 08:41:54 Lebanon 24 Lebanon 24 نقاش لبناني بعد التهديد الايراني
Lebanon 24 نقاش لبناني بعد التهديد الايراني
08:33 | 2026-06-03 03/06/2026 08:33:00 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة
السينودس الماروني سيلغي "المناولة الاولى"
Lebanon 24 السينودس الماروني سيلغي "المناولة الاولى"
12:48 | 2026-06-02 02/06/2026 12:48:00 Lebanon 24 Lebanon 24 بعد صراع مع مرض السرطان... رحيل مذيعة الـ"أم تي في" باميلا فنّون
Lebanon 24 بعد صراع مع مرض السرطان... رحيل مذيعة الـ"أم تي في" باميلا فنّون
18:18 | 2026-06-02 02/06/2026 06:18:00 Lebanon 24 Lebanon 24 تهديد إسرائيلي جديد للضاحية الجنوبية: ردنا سيكون قويا
Lebanon 24 تهديد إسرائيلي جديد للضاحية الجنوبية: ردنا سيكون قويا
13:38 | 2026-06-02 02/06/2026 01:38:40 Lebanon 24 Lebanon 24 بعد تهديد نتنياهو.. هذا ما فعله قادة "حزب الله" الموجودون في الضاحية الجنوبية
Lebanon 24 بعد تهديد نتنياهو.. هذا ما فعله قادة "حزب الله" الموجودون في الضاحية الجنوبية
15:18 | 2026-06-02 02/06/2026 03:18:00 Lebanon 24 Lebanon 24 صحيفة بريطانية: هكذا يعرقل نتنياهو نزع سلاح "حزب الله"
Lebanon 24 صحيفة بريطانية: هكذا يعرقل نتنياهو نزع سلاح "حزب الله"
16:48 | 2026-06-02 02/06/2026 04:48:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان
09:03 | 2026-06-03 إجتماع لبناني- سوري لوضع التعريفات الجمركية
08:50 | 2026-06-03 "الهلال الأحمر الفلسطيني" - لبنان دان استهداف المرافق الصحية
08:48 | 2026-06-03 انزعاج داخل "التيار" من "التذبذب"
08:41 | 2026-06-03 استشهاد مسعف من جمعية الرسالة جراء الغارة الإسرائيلية على عربصاليم
08:33 | 2026-06-03 نقاش لبناني بعد التهديد الايراني
08:18 | 2026-06-03 جولة حاسمة من المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية اليوم ولا اتفاق نهائيا ينهي المواجهة المفتوحة فيديو انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر)
Lebanon 24 انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر)
11:20 | 2026-06-02 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 "خفت على جسمي".. نجمة عربية شهيرة تكشف سبب عدم إنجابها (فيديو)
Lebanon 24 "خفت على جسمي".. نجمة عربية شهيرة تكشف سبب عدم إنجابها (فيديو)
11:23 | 2026-05-30 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24 ليفربول يودّع صلاح بفيديو خاص.. 257 هدفاً بقميص "الريدز"
Lebanon 24 ليفربول يودّع صلاح بفيديو خاص.. 257 هدفاً بقميص "الريدز"
23:01 | 2026-05-26 03/06/2026 08:45:54 Lebanon 24 Lebanon 24
Download our application
مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي مونديال 2026 متفرقات
Download our application
Follow Us
Download our application
بريد إلكتروني غير صالح Softimpact
Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24