أطلقت وزارة التعليم، ممثلةً في وكالة الوزارة للموارد البشرية، النسخة الثانية من برنامج «المعلم الجديد باتجاه التخصص»، الذي يُعد أحد البرامج النوعية الهادفة إلى بناء مجتمعات مهنية معرفية متخصصة تجمع بين المعلمين الجدد ونظرائهم من ذوي الخبرة، بما يتيح تبادل الخبرات التربوية ومناقشة التحديات الصفية ضمن بيئة تعليمية محفزة ومتكاملة، تسهم في تحسين نواتج التعلم وتعزيز ثقافة التطوير المهني المستمر.

أخبار متعلقة ”تقويم التعليم“ تشترط الاعتماد المؤسسي للموافقة على الاعتمادات الدولية-عاجلمتى يتوقف صرف معاش الضمان الاجتماعي؟ .. إليك 9 حالات

ويأتي إطلاق النسخة الثانية من البرنامج بعد النجاح اللافت الذي حققته النسخة الأولى خلال العام الدراسي 1446هـ، إذ أظهرت نتائجها أثرًا ملموسًا في رفع جودة التعليم وتعزيز بيئة العمل التشاركية بين المعلمين، إلى جانب بناء ثقافة مهنية قائمة على الدعم المتبادل وتبادل الخبرات التخصصية.
وانطلاقًا من تلك النتائج الإيجابية، عملت وزارة التعليم على تطوير النسخة الثانية للعام 1447هـ لتكون أكثر شمولية واستجابة لاحتياجات المعلمين الجدد والمستجدات الميدانية، بما يعزز التنمية المهنية المستدامة، ويسهم في إعداد كوادر تعليمية قادرة على الإبداع والتأثير الإيجابي داخل الفصول الدراسية.

دمج المعلمين الجدد مع ذوي الخبرات

ويُعد برنامج «المعلم الجديد باتجاه التخصص» منصة مهنية تعليمية متكاملة، تجمع بين المعلمين الجدد وذوي الخبرة في مجتمعات معرفية فاعلة، يتم من خلالها تبادل الخبرات والأفكار ومناقشة التحديات اليومية التي يواجهها الميدان التعليمي، بهدف تطوير الممارسات الصفية ورفع كفاءة الأداء التعليمي بما يتواءم مع متطلبات التطوير المهني الحديث.

ويشتمل البرنامج على حزمة متنوعة من الأنشطة والفعاليات المهنية، من أبرزها عقد لقاءات تأسيسية وتعريفية لشرح فكرة البرنامج وأهدافه وآليات تنفيذه، وتنظيم اجتماعات رقمية دورية لمناقشة القضايا التربوية وتبادل الموارد التعليمية، وإقامة ورش عمل تخصصية تركز على تنمية المهارات التربوية والتعليمية، إلى جانب زيارات صفية تبادلية بين المعلمين الجدد ونظرائهم من ذوي الخبرة لتبادل الممارسات الفاعلة داخل البيئة الصفية.
كما يتضمن البرنامج جلسات دعم فردية للمعلمين الجدد يقدمها قادة المجتمعات المهنية، واستبانات تقييمية لقياس أثر البرنامج وتحليل الاحتياجات، وتقارير دورية توثق الجهود المبذولة والنتائج المحققة، بالإضافة إلى لقاءات نوعية بعنوان «ساعة قهوة» تجمع بين المعلمين الجدد والمعلمين المتميزين في أجواء مهنية ودّية، يتم خلالها تبادل التجارب والخبرات الميدانية ومناقشة الحلول المبتكرة للتحديات التعليمية.

خطة ومراحل البرنامج

ويستهدف البرنامج المعلمين والمعلمات الجدد في عامهم الأول أو الثاني من الخدمة في مختلف التخصصات والمراحل الدراسية، حيث يمتد تنفيذه على مدار عام دراسي كامل وفق خطة تشغيلية معتمدة، وتحت إشراف إدارات التعليم بالتنسيق مع إدارات شؤون المعلمين والموارد البشرية، بما يضمن جودة التنفيذ وتحقيق الأثر المطلوب.
وتتضمن مراحل البرنامج أربع مراحل رئيسة تتمثل في مرحلة الإعداد والتخطيط التي تشمل تشكيل فرق العمل وتحديد الفئات المستهدفة واختيار قادة المجتمعات التخصصية وإعداد الخطط التشغيلية؛ تليها مرحلة الإطلاق التي تتضمن تنفيذ الحملة التعريفية وعقد اللقاءات التعريفية وتوزيع استبانات تحديد الاحتياج؛ ثم مرحلة التنفيذ التي تشمل إقامة ورش العمل واللقاءات التفاعلية والزيارات الصفية التبادلية وتفعيل المجتمعات المهنية داخل المدارس؛ وأخيرًا مرحلة المتابعة والتقييم التي يتم خلالها جمع التغذية الراجعة من المشاركين وتحليل نتائج التقييم وإعداد التقارير الدورية النهائية ورفع التوصيات لتطوير البرنامج في الأعوام القادمة.

معايير اختيار القادة وتحديد المسؤوليات

كما وضعت الوزارة معايير دقيقة لاختيار قادة المجتمعات المهنية من المعلمين ذوي الخبرة، بحيث تتوافر لديهم صفات قيادية ومهارات تواصل فعالة ورؤية واضحة لتطوير الممارسات التعليمية، إلى جانب امتلاكهم مهارات تخصصية وتربوية عالية وقدرتهم على إدارة النقاشات المهنية وبناء علاقات تشاركية إيجابية مع الزملاء الجدد.
ويُسند إليهم تنفيذ اللقاءات التخصصية وتقديم الدعم المهني والإثرائي للمعلمين الجدد وتوثيق الممارسات المتميزة، إلى جانب إعداد التقارير الدورية حول أثر البرنامج على المشاركين.

كما حددت الوزارة الأدوار والمسؤوليات بدقة لضمان فاعلية التنفيذ، حيث يتولى منسق البرنامج الإشراف العام وإعداد الخطط والتقارير والتنسيق بين الجهات المعنية، فيما يتولى المعلم القائد قيادة المجتمع المهني داخل تخصصه من خلال تقديم المحتوى الإثرائي وتنظيم اللقاءات والورش التفاعلية، ويشارك المعلم الجديد بفاعلية في جميع الأنشطة واللقاءات ويطبق ما يكتسبه من خبرات داخل فصله الدراسي، بينما يقوم المشرف التربوي بتقديم الدعم والمتابعة وقياس الأثر في الميدان، بما يضمن استدامة التحسين المهني.

ويعتمد البرنامج على آليات علمية ومنهجية دقيقة لقياس أثره، من خلال أدوات تقييم واستبانات دورية تتيح تحليل مدى تحقق الأهداف ورضا الفئة المستهدفة، لضمان جودة التنفيذ واستمرارية التطوير المهني بما ينعكس إيجابًا على أداء المعلمين وتحسين نواتج التعلم لدى الطلبة.

تطوير الممارسات المهنية

وأكدت وزارة التعليم أن برنامج «المعلم الجديد باتجاه التخصص» يمثل إحدى الركائز الرئيسة في تطوير الممارسات المهنية داخل المدارس، ويعكس التزام الوزارة بتمكين المعلمين الجدد من الاندماج الفاعل في بيئة العمل التعليمية منذ عامهم الأول، وتعزيز قدراتهم على الابتكار والإسهام في رفع كفاءة العملية التعليمية. كما أكدت أن البرنامج يسهم في ترسيخ ثقافة التعلم المستمر والعمل الجماعي داخل المدارس، ويدعم تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير التعليم وتعزيز تنافسية الإنسان السعودي من خلال نظام تعليمي حديث قائم على المعرفة والإبداع والمهارة.


المصدر

المصدر: صحيفة اليوم

كلمات دلالية: عبدالعزيز العمري جدة وزارة التعليم التعليم المعلمين الجدد الخبرات التربوية تحسين نواتج التعلم الدعم المتبادل الأنشطة والفعاليات التحديات التعليمية نواتج التعليم تطویر الممارسات المعلم الجدید ذوی الخبرة إلى جانب من خلال

إقرأ أيضاً:

تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان

المقدمة العامة – الإطار والمنهجية

لا يمكن لتقييم سياسة تربوية أن يختزل في مجرّد تعداد مكوّناتها، بل يتطلّب مقاربة صارمة تستند إلى مرجعية قادرة على تجاوز الوصف إلى إصدار حكم تحليلي حول فعالية الإجراءات المتخذة وأثرها.

وانطلاقاً من هذا المنظور، يستعين هذا التقرير بـ « الإطار المتكامل لتقييم الجودة التربوية »، الذي وضعته مؤسسة أماكن لجودة التعليم. وهو إطار يستلهم أفضل الممارسات الدولية – لاسيما تلك المعتمدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – مع تكييف دقيق مع خصوصيات المنظومة التربوية المغربية، ليوفر بذلك شبكة قراءة صارمة، جامعة في مرجعيتها، محلية في سياقها.

يتشكّل هذا الإطار من أربعة معايير كبرى تضبط مسار تقييمنا. الأوّل، « الملاءمة والمواءمة »، يختبر قدرة السياسة العمومية على الاستجابة لحاجات المواطنين الفعلية والانضباط إلى الأهداف الاستراتيجية الوطنية. والثاني، « الفعالية والنجاعة »، يقيس مدى بلوغ النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المسخّرة. أمّا الثالث، « جودة المسارات والتنفيذ »، فيفحص الحكامة والتنسيق وتمكين الفاعلين. ويأتي الرابع، « الاستدامة وقابلية التعميم »، ليقيّم قدرة السياسة على إحداث آثار دائمة والامتداد إلى مجالات ترابية أخرى.

تتفرّع بنية الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية كبرى: الرؤية والتخطيط؛ والإنتاج البيداغوجي والتنظيمي؛ والتتبّع والتقييم وضمان الجودة؛ والتكيّف الاستراتيجي والتحوّل. وتنقسم هذه الأبعاد إلى ستة عشر مجالاً، تضم كلٌّ منها معاييرَ ومبادئَ توجيهيةً ومؤشراتٍ محدَّدة، تشكّل مجتمعةً الهيكل المعياري لعملية التدقيق.

تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متعاقبة. تقوم الأولى على االتحكم في لإطار المرجعي، بتفكيك كل مؤشر لتحديد الأدلة المنتظرة، ثم رسم خريطة للسياسة العمومية لاستجلاء آليات اشتغالها. أمّا المرحلة الثانية فهي جمع الأدلة، باستخدام تقنيات التثليث الصارم: تحليل وثائقي معمّق للنصوص التشريعية والأدلة والتقارير؛ ومقابلات شبه موجّهة مع المصمّمين والفاعلين الميدانيين؛ وملاحظات مباشرة للمشاريع قيد التنفيذ. وتخضع المرحلة الثالثة الأدلة المجمّعة لحكم المطابقة، بمقارنتها بمقتضيات الإطار وفق سلم واضح وعملي: مطابق، مطابق جزئياً، غير مطابق، أو غير قابل للتطبيق. وأخيراً، تخلّص المرحلة الرابعة، وهي صياغة التقرير، هذه الوقائع في تحليل مفصّل، مزوّد بجداول قيادية، وتُفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ، محددة الأولويات، وموجّهة بدقة.

يغطي التقييم العقد الممتد بين 2015 و2025، وهي فترة محورية شهدت تزويد المنظومة التربوية المغربية بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تمثل ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. وطموحنا، من خلال هذا المسعى المنهجي الشفاف، هو تجاوز مجرّد الرصد إلى توفير بوصلة موثوقة لصنّاع القرار، تمكنهم من تحديد فجوات المطابقة، واستثمار نقاط القوة، وتصحيح المسارات. والرهان كبير: إنه ليس سوى الإسهام في بناء مدرسة أكثر إنصافاً، وأكثر فعالية، وماضية قدماً نحو المستقبل بكل ثبات.

المعيار الأول: الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم

تمرّ المدرسة المغربية اليوم بمرحلة دقيقة، بل حرجة. فقلّما شهد نظامٌ تربويٌّ هذا الكمَّ من الإصلاحات، أو نظّم هذا العددَ من الندوات، أو حشدَ هذا الفيضَ من الخبراء لإعادة هندسته. غير أن المفارقة التي تجرح في الصميم هي أن الهوّة بين طموح النصوص وإيقاع الواقع لم تكن بهذا الاتساع من قبل. إن تقييم المعيار الأوّل من سياستنا التربوية ــ معيار « الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم » ــ يلقي الضوء على معضلة جوهرية: كيف نوفّق بين الكمال الشكلي لوثائقنا وفوضى الميدان المركّبة؟ والإجابة، مهما بدت قاسية، تفضي إلى حصيلة رمادية تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الإصلاح.

إغراء النجاح الشكلي

من باب الإنصاف أن نعترف بالجهد المبذول. فقد زوّد المغرب نفسه، خلال العقد الأخير، بهندسة استراتيجية استثنائية. فلم تكن رؤية 2015-2030 نتاج غرفة مغلقة، بل خرجت إلى الوجود عقب مسلسل استشاري غير مسبوق: أكثر من أربعة وستين ألف مشارك، وندوات عمّت جهات المملكة الاثنتي عشرة، واستماع رسمي إلى ستٍ وعشرين هيئة نقابية وجمعوية. على الصعيد الإجرائي، كان الجهد باهراً، وأثبت المغرب من خلاله أنه قادر على كسر جدران الإدارة المنغلقة نحو فضاء تشاركي أرحب.

وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في النصوص القانونية. فالقانون الإطار 51.17، الذي يُعدّ الذراع التنفيذية للرؤية، ليس مجرد تصريح نوايا عابر. لقد تكررت فيه مفردات « الإنصاف » و »المواطنة » و »العدالة الاجتماعية » أكثر من أربعين مرّة. بل إن المادة الثالثة تنص صراحة على أن المنظومة التربوية مؤسّسة على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. أما الكتب المدرسية، لاسيما في التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، فقد أعيد بناؤها لتحتضن مفاهيم التسامح والعيش المشترك. وبدورها، جعلت خارطة الطريق 2022-2026 من « الكفايات العرضية » ركيزةً أساسية، واضعة استقلالية المتعلم وشعوره بالانتماء في صميم أهدافها.

على الورق، إذن، تبدو المنظومة عصية على النقد. بل إن المغرب زوّدها بآليات تتبع مذهلة، من نظام « مسار » المعلوماتي، إلى تقارير المجلس الأعلى للتربية، مروراً بـ »المؤشر الوطني لتنمية التعليم » الذي يضم مئةً وسبعةً وخمسين مؤشراً مركباً لقيادة مسار الإصلاح. لقد غيّرنا البرمجيات النظرية، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أننا لم نُحدث بعدُ برمجيات الفاعلين في الميدان.

سراب المشاركة الحقيقية

غير أن المطبّ الأول، وهو من أكثرها خطراً، يكمن في طبيعة هذه « الاستشارة » ذاتها. ذلك أن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطار عمل كمنخل سياسي. فإذا كانت المبادئ الكبرى للإنصاف محلّ إجماع، فإن الملفات الشائكة ــ من لغات التدريس إلى مجانية التعليم العالي، مروراً بوضعية هيئة التدريس ــ أبرزت صدوعاً عميقة بين القمة والقاعدة. لقد أُصغِي إلى مساهمات الفاعلين المحليين، لكنها لم تلقَ، في مواضع كثيرة، الأثر المنشود. وينقصنا بشدة ذلك « السجل التتبعي للمساهمات » الذي يوضح مصير كل اقتراح، ويُبقي النقاش شفافاً.

وغياب هذه الشفافية يترك آثاراً ملموسة. فالاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات الواسعة في عامي 2023 و2024 حول « النظام الأساسي الموحّد » للأساتذة، ليست مجرد بوادر عابرة، بل هي مقياس حرارة لتوتر متراكم. فقرابة 45% من المدرّسين، بحسب استقصاءات الهيئة الوطنية للتقييم، يرون أن المناخ المدرسي لم يعد صالحاً لنقل القيم. لقد استوفينا الشكل الاستشاري، لكن الشعور بـ »الملكية المشتركة » للإصلاح ظلّ سراباً. استشرنا، لكننا لم نبني معاً، والفارق شاسع، وثمنه باهظ على صعيد السلم الاجتماعي.

فجوة الممارسة والإدراك

لكن الجرح الأعمق يكمن في طبقة الإدراك والممارسة. فالمؤشر الثالث من تقييمنا، والمتعلق برضا الفاعلين، لا يحتمل الجدل. فبينما تعلن النصوص الإدماج والمساواة، يعيش الفاعلون واقعاً متعدّد السرعات. الأرقام هنا تحكي القصة. فبحسب نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لسنة 2022، يصرح ربع التلاميذ المغاربة (25%) بأنهم يشعرون بأنهم « غرباء » أو منبوذون في مدارسهم، مقابل متوسط 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة ناقوس خطر.

ويقترن ذلك بهجرة صامتة لكنها جارفة نحو القطاع الخاص، الذي يستقطب الآن أكثر من 17% من المتمدرسين، مع نسب تتجاوز 70% في المدن الكبرى. هذه ليست مجرد خيارات بيداغوجية، بل هي تصويتٌ بالرفض من طرف الأسر، التي لم تعد تثق في قدرة المدرسة العمومية على النهوض بوظيفتها الاجتماعية. أما فيما يخص التربية الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة، ورغم جمالية خططها، فإن الواقع يبقى قاسياً: النقص الفادح في المرافقين والمعدّات المعمارية يحول دون تجسيد الإدماج على أرض الواقع.

هناك إذن هُوّة سحيقة بين خطاب « السلطة » وممارسة « الميدان ». فخطاب القيم، في كثير من الأحيان، يُقرأ من طرف المدرسين كعبء إضافي لا تصحبه وسائل مرافقة. نقيس المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نغفل الممارسة المدنية الفعلية؛ نغرق الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة، لكننا لا نقيس الأثر السلوكي على المتعلمين.

قيادة بعوائق مؤسسية

كيف نفسّر هذا الانفصال المزمن؟ هنا يأتي دور المؤشر الرابع، المتعلق بالتتبّع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادة من الطراز الأول، لكن استخدامها معطّل بعوائق مؤسسية. تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، التي من المفترض أن ترشد القرار في الزمن الفعلي، غالباً ما تُنشر بتأخر سنتين، مما يجردها من قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك، أنه منذ 2023، أصبح حياد التقييم موضع تشكيك من الفاعل الحكومي، إذ أُسندت مهمة تقييم « المدارس الرائدة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز حكومي، عوض الهيئة المستقلة. فكيف يمكن القيادة بثقة حين يكون المراقب في قارب الملاح نفسه؟

النتائج تتحدث بوضوح. هدف تعميم التعليم الأولي بنسبة 100% بحلول 2028 يبدو بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70,4% في 2024. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، ارتفع بأكثر من 56 ألف تلميذ بين 2021 و2024. وفي مجال إتقان المهارات الأساسية، فإن التشخيص مذهل: أقل من 40% من التلاميذ يبلغون العتبة المطلوبة في القراءة، بينما كانت الخارطة تطمح إلى 82% بحلول 2026. نتقدم بثبات على مستوى المدخلات ــ البنايات، التوظيفات، الميزانيات ــ لكننا نفشل فشلاً ذريعاً في بلوغ الأثر الحقيقي على جودة التعلّمات.

الخروج من تضخم النصوص

في نهاية هذا التحليل، لا مفر من حكم قاس ولكن صادق: المعيار الأوّل هو، في مجمله، مُحقَّقٌ جزئياً. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والإعلان، أما نقطة ضعفه الكبرى فتكمن في تعثره أمام تحويل الأقوال إلى أفعال، وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.

إننا نعاني من « تضخم نصي » مفرط. ظننا أن التصريح بالعدالة الاجتماعية يكفي لجعلها واقعاً ملموساً. ونسينا أن الثقة لا تنتصب بالمراسيم، بل تُربح بالاستمرارية في الفعل، وبالإنصات الصادق، وبالتقييم النزيه. إن مدرسة تتبنى المواطنة وتعامل أساتذتها بارتياب، وتعلن الإنصاف وتتسامح مع نظام ثنائي السرعات، هي مدرسة تحكم على نفسها بالريبة من طرف مستعمليها.

إن علاج هذا الجرح لا يتطلب تقريراً جديداً أو فصلاً إضافياً في القانون، بل يستوجب انتفاضة سياسية شجاعة: إعادة الاعتبار لحياد التقييم، ومنح الفاعلين الميدانيين وسائلهم الحقيقية، وقبل كل شيء، الإقرار بأن القيم لا تدرّس في الكتب وحدها، بل تُعاش في ساحات المدارس، وفي العلاقة التربوية، وفي اتساق الخطاب مع السلوك.

إن إصلاح مدرستنا ليس مهمةً للخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في مسائل معيارية جافة. إنه مرهون بمستقبل عقدنا الاجتماعي. فإذا كنا نريد للمدرسة المغربية أن تستعيد مكانتها بوتقة للإنصاف والنهوض، فعلينا أن نتعلم الإنصات مجدداً، وأن نقيم بنزاهة، وأن نصحح مسارنا استناداً إلى حقائق الميدان لا إلى أوهام المكاتب. الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح.

 

 

مقالات مشابهة

  • المؤسسة الاتحادية للشباب تطلق “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف”
  • اختتام برنامج ” موهبة” الإثرائي الأكاديمي 2026 في جامعة الملك عبدالعزيز
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • حظك اليوم وتوقعات الأبراج الجمعة 24 يوليو 2026 على الصعيد المهني والعاطفي والصحي
  • تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
  • البرلمان العربي يدين اقتحام وزير إسرائيلي للمسجد الأقصى
  • موعد ظهور نتيجة الثانوية العامة 2026 .. التعليم تحسم الجدل
  • برنامج قسمة ونصيب العروس والحماة الحلقة 19 كاملة: مفاجآت جديدة
  • مصطفى بكري: عبد الناصر لم يكن معصوما من الخطأ وثورة يوليو فتحت أبواب التعليم لأبناء الفلاحين
  • إطلاق قنابل وغاز سام باقتحام مخيم الدهيشة في بيت لحم