فورين بوليسي: أوروبا تتراجع أمام نفوذ ترامب وتفقد دورها القيادي
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا للكاتب والصحفي جون كامبفنر، تناول فيه التحولات التي طرأت على علاقة أوروبا بالولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرا إلى أن استقلالية القارة العجوز باتت موضع شك، خصوصا بعد المظاهر العلنية لتودد قادة أوروبيين إلى واشنطن.
وقال الكاتب إن المشهد الذي جمع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ورئيس الوزراء الهولندي السابق مارك روته بالرئيس ترامب في الصيف الماضي، والذي أظهره وهو يعبّر عن تقدير مبالغ فيه له، شكّل رمزا لما وصفه بـ"تخلي أوروبا عن دورها"، موضحا أن العام الأول من الولاية الثانية لترامب شهد مواقف عدة مشابهة، خاصة مع تصاعد مخاوف الأوروبيين من انسحاب واشنطن من تحالف شكّل أساس الأمن الغربي على مدى نحو ثمانية عقود.
وأضاف كامبفنر أن هذا هو السبب الذي دفع "روته" إلى ما فعله، ودفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى وضع يده على ركبة ترامب في مشهد وُصف بالمبالغ فيه، وكذلك ما فعلته العائلة المالكة البريطانية خلال زيارة ترامب الرسمية الثانية إلى المملكة المتحدة.
وتساءل الكاتب عما إذا كانت هذه التصرفات مجرد بروتوكول سياسي أم أنها تعكس واقعا أعمق يتمثل في "تراجع أوروبا الحقيقي"، مستشهدا بأحداث الشرق الأوسط الأخيرة كمؤشر على ذلك.
وأوضح أن ترامب، خلال جولة نصره في شرم الشيخ بعد ساعات من إطلاق حماس سراح 20 أسيرا إسرائيليا ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وجّه انتقادات حادة لعدد من القادة الأوروبيين، وأحرج رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر برفض دعوته للصعود إلى المنصة، كما وصف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بأنها "جميلة"، وسخر من ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فيما تجاهل تماما المستشار الألماني فريدريش ميرز.
وبيّن الكاتب أن تصريحات ترامب العاطفية القصيرة في تلك الجولة أكدت أنه يحصل على ما يريد، مضيفا أن حصوله على جائزة نوبل للسلام، إن حدث، سيشكّل ذروة الإعجاب الذي يسعى إليه، إلى جانب الصفقات التجارية المحتملة.
وأشار كامبفنر إلى أن القادة الأوروبيين، مثل ستارمر وماكرون وميرز، يحاولون التعامل مع ترامب برباطة جأش، مدركين أنهم لن يحظوا بامتيازات خاصة من واشنطن أكثر مما تحظى به دول مثل السعودية وقطر وتركيا.
ولفت إلى أن إشادة ترامب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال قمة السلام في غزة، كانت لافتة، إذ قال له إن "الولايات المتحدة كانت معه طوال الطريق" في ما سماه "قمع الاضطرابات"، مشيرا إلى أن ترامب يبحث عن قادة يشبهونه في التفكير، سواء في السياسة أو الاقتصاد.
وأضاف الكاتب أنه شعر بالصدمة بعد استماعه إلى مقابلة بودكاست مع ماتياس دوبفنر، رئيس مجلس إدارة شركة "أكسل سبرينغر"، الذي يرى أن أوروبا تفقد أهميتها بسبب نهجها البيروقراطي المفرط، وتفضيلها التنظيم على الابتكار، وتخلفها في مجالات التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب انغماسها في "حروب ثقافية" ضد حرية التعبير.
وأوضح كامبفنر أنه، رغم رفضه لبعض آراء دوبفنر، يتفق جزئيا مع فكرة أن هذه البيروقراطية ساهمت في تراجع أوروبا، مشيرا إلى أن إدارة ترامب منحت قدرا كبيرا من اللامبالاة للمؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، مفضلة التعامل مباشرة مع الدول بصفاتها الفردية.
وبيّن الكاتب أن أوروبا تُركت لتتنافس داخليا على المهام في خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط المكونة من 20 نقطة، إذ يدّعي البريطانيون امتلاكهم خبرة في بناء السلام من تجربتهم مع أيرلندا الشمالية، بينما يسعى الفرنسيون والألمان إلى قيادة جهود إعادة إعمار غزة.
وأشار إلى أن الملف الأوكراني كان الساحة التي ظن الأوروبيون أنهم يمتلكون فيها أكبر تأثير، بعد تعهدهم برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما اعتبره ترامب مكسبا، قبل أن يخيب أمله من عدم تجاوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع مساعيه خلال قمة ألاسكا.
وأضاف أن ترامب بدا وكأنه بدأ يتفهم موقف الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكنه سرعان ما هاجم الأخير في مؤتمر بالبيت الأبيض، متبنيا مواقف قريبة من الكرملين، وأعلن عن قمة أمريكية روسية في المجر، الدولة الأوروبية الوحيدة التي تبدي انحيازا واضحا لموسكو، في مؤشر إلى أن نهجه لا يزال متذبذبا.
وأوضح الكاتب أن بعض التصريحات الغريبة التي صدرت عن ترامب، مثل رغبته في السيطرة على غرينلاند وكندا وقناة بنما، تم تأجيلها مؤقتا، مشيرا إلى أن الرد على مواقفه يجب أن يكون "بحزم وأدب".
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يُعد من القلائل الذين تحدوا ترامب علنا برفضه زيادة الإنفاق الدفاعي، واعتماده سياسة أكثر انفتاحا تجاه الهجرة، بينما رفض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فكرة أن تصبح بلاده الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، ما عرضه لانتقادات ورسوم جمركية إضافية.
وأوضح أن فرنسا والمملكة المتحدة، رغم غضب إسرائيل من قرارهما الاعتراف بدولة فلسطين، لم تواجه رد فعل حادا من ترامب، في إشارة إلى أن الصبر والتوازن قد يكونان السبيل للتعامل معه، قائلا: "اختر معاركك، وتجنب الإهانات الصارخة، وحافظ على رباطة جأشك، واستعد للمدى الطويل".
وأضاف أن الموقف الأوروبي التقليدي كان يقوم على الاعتقاد بأن ترامب سيفقد اهتمامه بإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته، لكن هذا الرأي تغيّر، إذ يبدو أنه تمكن من ترسيخ نهجه السياسي وشعاره "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، بفضل رموزه البارزين مثل نائبه جيه دي فانس.
واختتم كامبفنر مقاله بالتأكيد على أن الحقبة التي كان فيها الرئيس الأمريكي الجديد يتوجه أولا إلى لندن أو باريس أو برلين لطمأنة الحلفاء على حسن النية قد انتهت إلى غير رجعة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية أوروبا ترامب السعودية المصري مصر امريكا السعودية أوروبا ترامب صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة رئیس الوزراء مشیرا إلى أن الکاتب أن أن ترامب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..