كاتب بهآرتس: إسرائيل تتعرض لنكبة داخلية يسميها نتنياهو خلاصا
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
في مقال تحليلي نشرته صحيفة هآرتس، يرى المحلل السياسي تسفي برئيل، أن إسرائيل التي دمّرت قطاع غزة، تعرضت هي نفسها لانهيار داخلي، يمكن تسميته "النكبة الإسرائيلية" من الداخل.
ويستعيد برئيل، في مستهل مقاله، تصريحا أدلى به وزير الزراعة الإسرائيلي آفي ديختر عام 2023، وصف فيه الدمار الذي حلَّ بالقطاع الفلسطيني، أنه "نكبة غزة" رغم توبيخ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– له، معتبرا المصطلح الذي اجترحه "ضارا".
ويشير الكاتب إلى أن ديختر برّر لاحقا استخدامه المصطلح، "إنّ الإسرائيليين يمكنهم تبنّي نفس المصطلحات التي يصوغها العرب"، مضيفا "ليس لدينا ما يدعو لاختراع كلمات عبرية".
ويوافقه برئيل الرأي "إن الوزير كان محقاً في الذي ذهب إليه، لأن مصطلح النكبة الفلسطينية، الذي لطالما سعت إسرائيل إلى محوه من معجمها اللغوي، ليس كلمة تحتاج إلى تعريف قاموسي".
وللمفارقة، فإن الكاتب ينفي أن تكون غزة قد شهدت نكبة بالمعنى التاريخي للكلمة، إذ يدّعي أن سكان القطاع لم يُطرَدوا من وطنهم.
وفي تعليله للنفي، يقول المحلل السياسي "إن الفلسطينيين بقوا في غزة، ورغم الخسائر الهائلة التي طالتهم في الأرواح واضطرارهم إلى النزوح من منازلهم ازداد تمسّكهم بطموحاتهم الوطنية لإقامة دولتهم المستقلة التي حصلت على اعتراف دولي أوسع من أي وقت مضى".
وفي المقابل، تشهد إسرائيل شكلا من الدمار الداخلي أعمق مما تعرض له قطاع غزة، حسب زعمه.
وأوضح منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استغلّ قادة إسرائيل الحرب غطاءً لتفكيك الأسس الديمقراطية للدولة، فكان أن سُحقت الحرية الأكاديمية بأيدي السياسيين، وتحولت المحكمة العليا إلى "عدوّ للنظام"، وتواجه المؤسسات الثقافية والفنية تهديدات بالرقابة والخنق المالي إن لم تلتزم بخط النظام.
المحكمة العليا تحولت إلى "عدوّ للنظام"، وتواجه المؤسسات الثقافية والفنية تهديدات بالرقابة والخنق المالي إن لم تلتزم بخط النظام
أما القيم الديمقراطية الجوهرية -كالمساواة والعدالة وحرية التعبير وحقوق الأقليات وفصل السلطات وتحديد صلاحيات الحكومة- فقد قوضتها "عصابة لا تعرف القيود".
إعلانويعتبر الكاتب أن الحكومة تسعى إلى إعادة صياغة السرد الوطني لإخفاء مسؤوليتها عن كارثة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا سيما مسؤولية نتنياهو، بخلق وعي زائف يُقنع الإسرائيليين بأنهم يعيشون مرحلة "الخلاص" لا الانهيار.
بهذه الطريقة -يقول برئيل- تبيع الحكومة الإسرائيلية لشعبها الوهم ذاته الذي باعته للفلسطينيين، أن الوطن الذي تحلمون به لم يوجد يوماً، وإن لم تندمجوا في "الدولة الجديدة"، فستظلون لاجئين إلى الأبد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..