عطر الأثرياء الذي لا يشيخ.. رحلة الباتشولي من طارد للحشرات إلى ملابس النبلاء
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
من رائحة أرضية دافئة تحمل عبق الغابات الرطبة، انطلقت رحلة الباتشولي (Patchouli)، تلك النبتة التي تحولت من أوراق تُخفى بين طيّات الأقمشة إلى قاعدة أساسية في العطور الفاخرة.
يُعرف اسمها في اللغة التاميلية بـ"باتشاي إيلاي" أي "الورقة الخضراء"، وهي بالفعل ورقة غيّرت تاريخ الرائحة في العالم. من أسواق الهند القديمة إلى صالونات النبلاء في باريس، ومن رمزية الحرية في الستينيات إلى عودة الفخامة في القرن الحادي والعشرين، ظل الباتشولي رمزا للغموض والجاذبية التي لا تزول.
ينتمي نبات الباتشولي إلى عائلة النعناع، ويحمل الاسم العلمي بوغوستيمون كابلين. ووفقا لما أورده موقع بريتانيكا، فإن موطنه الأصلي يقع في جنوب شرق آسيا، ولا سيما في الهند والصين وماليزيا، حيث استخدمه شعب التاميل منذ القدم في الطب الشعبي وتحضير الشاي العشبي وطرد الحشرات.
وكانت أوراق الباتشولي المجففة تُوضع بين طيّات الأقمشة الفاخرة مثل الحرير والكشمير لحمايتها من العثّ، ومع مرور الوقت اكتسبت تلك الأقمشة عبيرا مميزا أصبح رمزًا للفخامة الشرقية، لينتقل بذلك الباتشولي من البيوت الآسيوية البسيطة إلى قصور النبلاء حول العالم.
توضح جمعية العطور البريطانية أن هذا الاستخدام العملي كان البداية الحقيقية لانتشار رائحة الباتشولي في أوروبا؛ إذ كانت الأقمشة الهندية المعطّرة بأوراق الباتشولي تُباع بأسعار مرتفعة في الموانئ الفرنسية والإيطالية، حتى أصبح العطر هو العلامة التي تميّز الأقمشة الأصلية عن المقلد.
تشير روايات تاريخية إلى أن نابليون بونابرت نفسه كان من أوائل من جلبوا أوراق الباتشولي إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، بعد حملته في مصر. فقد كان يضع أوراق الباتشولي داخل أقمشة الحرير والكشمير لحمايتها من التلف أثناء الرحلة. وما إن وصلت تلك الأقمشة إلى فرنسا حتى فُتن الأرستقراطيون برائحتها الغامضة والدافئة، فأُدرج الباتشولي سريعًا في صناعة العطور.
إعلانفي القرن التاسع عشر، صار الباتشولي بمثابة ختم الأصالة للمنسوجات الشرقية، ثم تحوّل في نهاية القرن إلى مكوّن عطري فاخر في باريس ولندن، حيث دخل في تركيبات عطور شهيرة مثل "مِيزيا من غيرلان" لاحقا، رمزا للترف والغموض الشرقي.
كيف يُستخرج هذا العطر الغني؟تقطف أوراق الباتشولي يدويا بعد نضجها، ثم تُجفف في الظل للحفاظ على زيوتها العطرية. بعد ذلك تُنقع الأوراق وتُقطّر بالبخار لاستخراج الزيت العطري الكثيف ذي اللون الذهبي الداكن.
كل 100 كيلوغرام من الأوراق تنتج فقط كيلوغراما واحدا من الزيت، ما يفسّر قيمته العالية.
أما أجود أنواع الزيت فتُستخلص من الأوراق العليا للنبتة وتُترك لتُعتّق لسنوات، حيث تصبح الرائحة أكثر عمقا ودفئا.
تحتوي التركيبة الكيميائية لعطر الباتشولي على مركّبات مميزة مثل باتشولول ونورباتشولنول، وهما المسؤولان عن الرائحة الترابية الحلوة التي تجمع بين الدفء ونفحات المسك والأخشاب، مما يمنح العطر طابعا شرقيا دافئا وفاخرا.
في القرن التاسع عشر، كانت رائحة الباتشولي دلالة على الثراء، إذ ارتبطت بالأقمشة الهندية المستوردة. غير أن تحوّله الحقيقي إلى عنصر عطري حدث في أوروبا حين أُعيد تقطيره ودمجه مع الزهور والعود والفانيليا.
يصفه موقع إيرث بأنه "رائحة الثراء الخفي"؛ فبينما كان العطارون يستخدمونه كمكوّن أساسي في العطور الشرقية، أصبح في أوروبا مرادفا للغموض والترف.
الستينيات: من عطر النبلاء إلى رمز الثورةشهدت الحقبة الهيبية في الستينيات والسبعينيات ولادة جديدة للباتشولي، لكن هذه المرة على أنغام الغيتار لا في قصور باريس.
في تلك الفترة، استخدم شباب الثقافة المضادة في أميركا وأوروبا زيت الباتشولي كرمز لـ"الحرية" و"الطبيعة" و"التمرد على القيم الاستهلاكية". كانوا يحرقونه في البخور أو يدهنونه على البشرة، فغدت الرائحة علامة على الروح الحرة، بل واستخدمها البعض لإخفاء روائح الأعشاب المخدّرة.
يعلّق موقع بأن هذه العودة العاطفية جعلت الباتشولي "رائحة هوية ثقافية" لا مجرد عطر شخص.
العصر الحديث: من الهيبي إلى بيوت الأزياء الراقيةبعد أن ارتبط الباتشولي لعقود طويلة بثقافة الهيبيز والذوق الشعبي، عاد اليوم ليستعيد مكانته المرموقة في عالم العطور الفاخرة.
ووفقًا لما ذكرته جمعية العطور البريطانية، أصبح الباتشولي ركيزة أساسية في العطور الراقية، خصوصا في مجموعات الشيبر (Chypre) والشرقية (Oriental)، إذ يُستخدم لتثبيت المكونات العليا وإضفاء عمق دافئ وحسي على الرائحة.
ومن أبرز دور العطور التي أعادت اكتشاف هذا المكوّن الكلاسيكي بأساليب معاصرة: شانيل، ديور، توم فورد، وذا ميرشنت أوف فينيس، حيث تمزج هذه الدور بين الأصالة الشرقية والتقنيات الحديثة في الاستخلاص.
كما امتد استخدام الباتشولي إلى صناعة الشموع والزيوت العطرية ومستحضرات العناية بالبشرة، لما يتمتع به من خصائص مهدّئة ومجدّدة للبشرة، إضافة إلى قدرته على تنشيط الحواس وتعزيز الشعور بالاسترخاء.
سحر الأرض في زجاجةمن معابد الهند القديمة إلى المختبرات الفرنسية، ومن تجار الحرير إلى مصمّمي العطور، لم يفقد الباتشولي سحره ولا قدرته على إثارة الحواس.
إعلانإنه العطر الذي عبَر القرون والطبقات الاجتماعية، ونجا من التحوّلات الثقافية، ليبقى شاهدًا على شغف الإنسان بالبحث عن الجمال في تفاصيل الطبيعة.
ولعل سرّ بقائه يكمن في تلك المفارقة التي تجمعه: بساطة الورقة وروح الأبدية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات فی القرن
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.