سواليف:
2026-06-02@20:53:34 GMT

ممارسة الإدارة الراشدة

تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT

#ممارسة_الإدارة_الراشدة

الأستاذ الدكتور #أمجد_الفاهوم

الإدارة ليست مجرد سلسلة من القرارات اليومية أو تنفيذ إجراءات روتينية، بل هي ممارسة متكاملة تتطلب رؤية اقتصادية واعية وروحًا قيادية تجمع بين الفن والعلم. في جوهرها، تبدأ الإدارة من مبدأ بسيط بأن الأداء الاقتصادي والاستدامة المالية هما الأساس الذي تُبنى عليه المؤسسة.

فالمطعم الصغير الذي يقدم أطباقًا ذات جودة عالية وبأسعار معقولة يضمن استمراريته قبل أي توسع أو شهرة. إن التركيز على الربحية دون المساس بالجودة هو حجر الزاوية في بناء الثقة بين المؤسسة وزبائنها.

لكن الإدارة لا تُقاس بالنتائج المالية فقط، بل بشموليتها وقدرتها على التكامل بين مختلف الجوانب. ففي متجرٍ صغير للأدوات المكتبية، على سبيل المثال، لا يمكن تحقيق النجاح إن لم يكن هناك انسجام بين المبيعات، والمشتريات، والحسابات، والتسويق. فكل قسم هو عصب من أعصاب الكيان الإداري الكبير، وأي خلل في أحدها ينعكس على الأداء العام. وبذلك فان الإدارة الناجحة ترى الصورة الكاملة وتتعامل مع التفاصيل بوعي شمولي.

مقالات ذات صلة المبدعون الشباب: بين وزارة الثقافة، والمجلس العربي للموهوبين والمتفوقين 2025/10/26

أما الربح، فليس غاية نهائية بل وسيلة لتحقيق رؤية أوسع. فصاحب شركة الديكور الذي يعيد استثمار جزء من أرباحه في تطوير مهارات فريقه وتجديد تقنياته إنما يبني مؤسسة تتعلم وتنمو. فالفكر الإداري الحديث لم يعد يقيس النجاح بالمكاسب اللحظية، بل بقدرة المؤسسة على التطور المستدام والابتكار المستمر.

ولأن الخبرة لا تُكتسب فقط من التجارب الشخصية، فإن دراسة قصص النجاح والفشل في المؤسسات الأخرى تشكل مدرسة قائمة بذاتها. فصاحب الشركة الذكي لا ينتظر أن يقع في الخطأ ليتعلم، بل يتأمل في تجارب غيره، يستخلص منها الدروس، ويتجنب الطرق المأزومة. فالعبرة ليست بتكرار التجارب، بل بتطويرها بما يتلاءم مع خصوصية كل مؤسسة وسوقها.

ولا يمكن الحديث عن ممارسة الإدارة دون الإشارة إلى ثقافة المؤسسة وروح الفريق. فالشركة التي تغرس قيم التعاون، والانتماء، والابتكار في موظفيها، تخلق بيئة خصبة للإبداع. ولنا ان نتخيّل شركة تقنية تشجع موظفيها على طرح أفكار جديدة دون خوف من الفشل، فتتحول الاجتماعات إلى ورش تفكير جماعي تولّد حلولًا ذكية وتضع المؤسسة في مقدمة المنافسين.

أما المديرون أنفسهم، فهم المحرك الأساسي لأي منظومة ناجحة. إن الاستثمار في تدريبهم وتطويرهم ليس ترفًا، بل ضرورة. في وكالة تسويق حديثة، مثلًا، يحتاج المدير إلى متابعة أحدث الاتجاهات في التحليل الرقمي وسلوك المستهلكين ليستطيع قيادة فريقه بثقة واقعية وبصيرة مهنية. وبذلك فان المدير غير المتجدد يُجمّد النمو، بينما المدير المتعلم يدفع بالمؤسسة إلى الأمام.

وأخيرًا، تظل الإدارة فنًا وعلمًا في آنٍ واحد. هي فنّ لأنها تحتاج إلى حسّ إنساني وذكاء في التعامل مع الناس، وعلم لأنها تستند إلى أدوات تحليل وتخطيط واستشراف. فصاحب المطعم الذي يستخدم بيانات الزبائن لفهم تفضيلاتهم، ويبتكر وجبات جديدة وفقًا لذلك، يمارس الإدارة كعلمٍ قائم على التحليل، وكفنٍّ يعتمد على الإبداع.

وإذا ما وسّعنا النظرة نحو مؤسسات الدولة، سنجد أن مبادئ الإدارة الناجحة لا تقل أهمية في القطاع العام عنها في القطاع الخاص. فالمؤسسات الحكومية التي تتبنى ممارسات إدارية حديثة — كقياس الأداء، والتحفيز المبني على الكفاءة، وتبسيط الإجراءات، وتمكين القيادات الوسطى — تستطيع أن تتحول من بيروقراطية مثقلة بالروتين إلى أجهزة ديناميكية قادرة على الابتكار وتحقيق الكفاءة في تقديم الخدمات. إن تجذير ثقافة الإدارة المهنية في مؤسسات الدولة يعني ترسيخ مفهوم “الدولة المتعلمة”، التي تُحسن استخدام مواردها، وتستثمر في موظفيها، وتستفيد من تجارب النجاح المحلية والعالمية. هكذا فقط يصبح العمل العام ممارسة إدارية راشدة، تحقق التنمية وتعيد ثقة المواطن بمؤسساته.

المصدر

المصدر: سواليف

إقرأ أيضاً:

العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي

سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟

الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.

وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.

الاقتصاد كمشروع جماعي

تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.

في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.

وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.

وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.

خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد

يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".

ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.

أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.

ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.

أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.

نقد للنمو التقليدي

من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.

وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.

وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.

وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.

إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟

يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.

فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.

ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.

كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.

تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال

ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.

فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.

وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.

ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.

ما بعد منطق السوق

في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.

ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".

وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.

ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.

مقالات مشابهة

  • “التنمية الأسرية” تستقبل حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • عبدالله بن زايد يستقبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • دراسة : ساعة ونصف من هذه التمارين يوميًا ضرورية لحماية القلب
  • كيف بدأ علي سالم رحلته التجارية؟.. قصة كفاح من سوق الجملة إلى النجاح | فيديو
  • لمتابعة سير العمل.. قيادات المؤسسة العلاجية في زيارة تفقدية لمستشفى هليوبوليس
  • رئيس المؤسسة العلاجية يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية يستقبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي