يرى محللون وخبراء أن إسرائيل تواجه تداعيات إستراتيجية عميقة أفرزتها حرب غزة، من بينها تراجع تأثير السردية الإسرائيلية في الغرب، وتصاعد الضغوط القانونية والدبلوماسية، واتساع العزلة الدولية، إلى جانب بروز انقسام داخلي حاد بين المستويين السياسي والأمني.

ويؤكد المحللون -في مقابلات مع الجزيرة نت- أن الحرب التي راهن عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحقيق "نصر حاسم" انتهت إلى نتائج عكسية، تمثلت في فقدان المكانة الدولية، وتفكك الثقة بالمؤسسة الحاكمة، وتحول المزاج العالمي لصالح القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4استطلاع إسرائيلي يكشف تراجع معسكر نتنياهو أمام المعارضةlist 2 of 4بينيت: إسرائيل خسرت الغرب وتدهورت مكانتها بفعل سياسات نتنياهوlist 3 of 4بينيت يتقدم على نتنياهو في استطلاع للرأيlist 4 of 4بينيت يدعو يهود العالم لهجرات جماعية إلى إسرائيلend of list

ويؤكد ذلك ما جاء في تصريحات السياسيين الإسرائيليين أنفسهم بشأن الأضرار التي لحقت بإسرائيل نتيجة عدوانها على غزة لمدة عامين، وراح ضحيتها أكثر من 70 ألف شهيد ونحو 170 ألف مصاب.

ومن ذلك ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت -أمس السبت- إن إسرائيل فقدت دعم معظم العالم الغربي بسبب السياسات التي تتبعها حكومة نتنياهو. في حين اعتبر زعيم المعارضة يائير لبيد -خلال تصريحات الاثنين الماضي في أثناء جلسة برلمانية- أن البلاد تمرّ بأخطر أزمة سياسية في تاريخها، مع توسع الاعترافات بدولة فلسطين وسحب الاستثمارات الأوروبية.

أزمة داخلية

وقال الكاتب والباحث السياسي ماهر حجازي للجزيرة نت إن الأزمة داخل إسرائيل ذات شقين: أزمة سياسية بين الحكومة والمعارضة، وأزمة بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية، نتيجة مباشرة لفشل نتنياهو في إدارة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأوضح أن نتنياهو أقصى المعارضة ولم يستمع لأصواتها، بينما راكم الجيش إخفاقات طوال عامين من حرب الإبادة من دون تحقيق أهداف إنهاء المقاومة أو تحرير الأسرى أو إسقاط حكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وأضاف الباحث السياسي -للجزيرة نت- أن وزيرا في الحكومة أقر بأن 60% من أنفاق حماس لا تزال فعالة، في حين قتل عشرات الأسرى الإسرائيليين خلال العمليات.

إعلان

ويرى حجازي أن هذه الإخفاقات فجرت أزمة سياسية داخلية ترافقها عزلة دولية متصاعدة واعترافات بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى التصعيد مع إيران ولبنان وهجمات الحوثيين من اليمن، مما عمق تفتيت الجبهة الداخلية والأزمة السياسية الأمنية في إسرائيل.

الرواية الإسرائيلية

وعلى الصعيد الخارجي، انعكست الحرب على صورة إسرائيل في العالم، إذ أدت مشاهد الإبادة والتهجير إلى تراجع النفوذ السياسي والأخلاقي للرواية الإسرائيلية، وفي المقابل كان هناك صعود للتضامن العالمي مع الفلسطينيين، وتُرجم ذلك إلى موجة اعترافات بدولة فلسطين وقرارات مقاطعة وملاحقات قانونية في المحافل الدولية.

وفي هذا السياق، قال رئيس المجلس الفلسطيني الأوروبي للعلاقات السياسية ماجد الزير إن سياسة القتل الممنهج والتطهير العرقي مقرونة باستعلاء إسرائيل في السياسة الدولية أدت إلى "انقلاب عالمي على سياسة دولة الاحتلال"، وكشف حقيقتها الإحلالية حيث لا ترى للشعب الفلسطيني وجودا على أرضه.

وأوضح الزير -في تصريحاته للجزيرة نت- أن طول أمد الجرائم ولّد حالة تضامن شعبية واسعة في أوروبا والأميركتين أعادت استحضار نكبة 1948، وأن استمرار الإبادة وقتل المدنيين أدى إلى تحولات سياسية غربية تمثلت في العقوبات وسحب السفراء والاعتراف بفلسطين وملاحقة قادة الاحتلال والدول الداعمة له، مبينا أن هذا يشكل "زمنا فلسطينيا إيجابيا" يجب استثماره من جميع الأطراف الفلسطينية.

عزلة سياسية

ومن منظور عسكري، تتعامل إسرائيل مع نتائج الحرب من موقع مختلف، فهي تسعى لإعادة تأهيل قوتها الميدانية رغم العزلة السياسية والضغط الدولي، وتتحرك ضمن معادلة تجمع بين استمرار الجاهزية العسكرية وفقدان العمق السياسي الداعم، حسب ما قاله الخبراء.

ولذلك يقول الخبير الأمني والعسكري أسامة خالد إن وجود قيادة أميركية عسكرية في إسرائيل يؤثر على المسار العملياتي من دون أن يسلب الجيش استقلال قراره، إذ تبقى العلاقة قائمة في شكل تنسيق إستراتيجي مع القيادة الوسطى الأميركية.

وأوضح خالد -في تصريحاته للجزيرة نت- أن الجيش أعاد ترميم وحداته ولديه القدرة على شن حملة جديدة في غزة، بينما تعاني المقاومة من ضعف بسبب الخسائر والحصار، مشيرًا إلى أن الداخل الإسرائيلي لم يحسم بعد مصير الحرب بين إنهائها أو المضي نحو "النصر المطلق"، مرجحا اتباع نموذج يشبه الساحة اللبنانية عبر خروقات واغتيالات محدودة.

وأضاف الخبير العسكري أن خطورة اللحظة التي تمر بها الحكومة الإسرائيلية حاليا وبعد حرب غزة تتمثل في أن الجيش الإسرائيلي يعمل اليوم وسط قيود ثقيلة جدا، وأصبح قرار الحرب مرتبطا بصراع سياسي داخلي، فضلا عن أنه أصبح تحت الرقابة الأميركية.

وكما يجمع المحللون على أن المسألة لا تتعلق بحجم الخسائر السياسية والاقتصادية فقط، بل بطبيعة تموضع الجيش نفسه، فهو يتحرك لأول مرة منذ عقود من موقع دفاعي وتحت عزلة دولية وتراجع في الردع، وفضلا عن ذلك، فهو لم يعد يعمل وفق مسار عسكري واضح، مما يعني أن إسرائيل تعيش أزمة عسكرية مستمرة، وليست مجرد مرحلة إعادة ترتيب ما بعد العدوان على غزة.

إعلان

وخلال الشهر الجاري، وعبر ضغط أميركي ووساطة عربية وتركية، توصلت حماس وإسرائيل لاتفاق لوقف إطلاق النار، ضمن عدة مراحل، على أن تتضمن المرحلة الأولى منه تسليم الأسرى الإسرائيليين في غزة، مقابل الإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات للجزیرة نت

إقرأ أيضاً:

جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة

قال الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إن تل أبيب لا تفتقر إلى خطة لليوم التالي للحرب في قطاع غزة كما يعتقد كثيرون، بل تمضي، بحسب تقديره، في تنفيذ استراتيجية متدرجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع داخل القطاع عبر تدمير مقومات الحياة والمجتمع، وصولا إلى خلق ظروف تجعل تهجير السكان أمرا أكثر سهولة في المستقبل.

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس تعكس ملامح هذه الخطة، معتبرا أن "إسرائيل تسعى إلى منع قيام أي سلطة أو إدارة قادرة على حكم غزة، وإبقاء القطاع في حالة من التفكك والفوضى وانهيار المؤسسات، بما يخدم في نهاية المطاف مشروع التهجير الذي يقول إنه لم يغب عن أجندة الحكومة الإسرائيلية".

وتاليا الترجمة الكاملة للمقال:
تملك إسرائيل خطة لما بعد الحرب في غزة، والاعتقاد السائد بأنها تفتقر إلى مثل هذه الخطة هي فكرة خاطئة تمامًا. كنت أتمنى لو أن هذه الخطة لم توجد أساسا.

بعيدًا عن أنظار الرأي العام العالمي والإسرائيلي، يتم حاليا تنفيذ المرحلة التالية من استراتيجية إسرائيل التدريجية.

الآن، بعد أن انتهت الإبادة الجماعية وانتهى تدمير القطاع بشكل شبه كامل، تتقدم إسرائيل بثقة نحو المرحلة التالية من الخطة: تحويل جميع سكان غزة إلى معاقين ومصابين ومرضى وجائعين ومشردين وعاطلين عن العمل بشكل دائم.

وبمجرد أن يتحول سكان غزة إلى كتلة متناثرة بلا مجتمع منظم، ولا خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبلا قيادة، فإن التفكك الكامل للنسيج الاجتماعي سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخلّ عنها قط، وهي مرحلة التهجير. عندها ستُحل مشكلة غزة نهائيًا. بهذه الطريقة فقط.

تردد صدى هذه الخطة بوضوح الأسبوع الماضي في تصريحات أدلى بها اثنان من مهندسيها ومنفذيها. قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن “توجيهاته” تتمثل في توسيع المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل في القطاع من 60 إلى 70 بالمائة.

وكتب وزير الدفاع إسرائيل كاتس على منصة إكس: “لقد تعهدنا بأن لا تحكم حماس غزة مدنيًا أو عسكريًا، وهذا ما سيحدث. كما سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية، كل ذلك في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة”. بعبارة أخرى، سيُحوّل سكان غزة إلى “قطيع” يسهل تهجيره “في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة”. ففي النهاية، لا بد من الحفاظ على النظام.



“القضاء على نظام حماس” في غزة يخدم أكثر من هدف. بما أن إسرائيل تعارض بشكل قاطع أن تحكم غزة أي جهة فلسطينية – لا السلطة الفلسطينية، ولا أي منظمة دولية، ولا أي جهة أخرى، كما أنها غير مستعدة لحكم القطاع – فقد بات الأمر واضحا: إسرائيل لا تريد لأي طرف أن يحكم غزة. هي تريد مليوني إنسان يعيشون في خيام. هذا الأمر سيسهّل عليها طردهم.

فلسطيني يحمل طفلاً صغيراً وسط مخيم مؤقت في خان يونس جنوب قطاع غزة، مايو/ أيار.
عندما يقول كاتس إن حماس لن تحكم القطاع بشكل مدني، فإنه يدرك جيدًا أنه لا يوجد من يحكم غزة سوى حماس، ولن يكون هناك من يستطيع ذلك على الأقل في المستقبل المنظور. البديل الوحيد لحكم حماس في الوقت الحالي هو الفوضى، وهذه الفوضى تخدم مصلحة إسرائيل وتساعدها على تنفيذ خطتها.

يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تستمر بالادعاء أن غزة هي حماس، وأن حماس إرهابية. هذه كذبة بالطبع. ليس كلّ من في غزة ينتمي لحماس، وليس كلّ من ينتمي لحماس إرهابي.

تعلم إسرائيل جيدًا أن عشرات الآلاف من المدرسين والأطباء وضباط الشرطة والمسؤولين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا إرهابيين. تعريفهم على هذا النحو سمح لإسرائيل بقتل الآلاف منهم.

شرطة المرور والمحاسبون والمعلمون ليسوا إرهابيين، ولا يمكن وضعهم على قائمة الموت، وقد كان قتلهم ولا يزال جريمة حرب. كذلك الصحفيون الذين يحملون بطاقات صحفية صادرة عن حماس ليسوا إرهابيين. ربما يروّجون دعايتها، مثلما يروّج العديد من الصحفيين الإسرائيليين للرواية الرسمية، لكنهم ليسوا إرهابيين.

ضربت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: منحت الشرعية للقتل العشوائي، وإن كانت شرعية زائفة، وتقدمت خطوة إضافية نحو تنفيذ خطتها الكبرى. لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر دون مدرسين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين. دون مجتمع فاعل، يسهل طرد سكان غزة إلى شتى بقاع الأرض.

بُثت يوم الخميس الماضي حلقة جديدة من برنامج “تاكر كارلسون شو”، وقد تضمنت مقابلة مدتها ساعتان مع الدكتور نيك ماينارد، وهو جراح بريطاني تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، وتطوع في غزة لمدة 17 عامًا تقريبًا بشكل متقطع. 

تحدث في شهادته على الفظائع التي عايشها في غزة عن جثث مقيدة بالأصفاد، ومراهقين تم إحضارهم لإجراء عمليات جراحية بعد إصابتهم بطلقات نارية في الخصيتين، وأطفال رضع ماتوا جوعًا، وأطفال خدج تُركوا في الحاضنات بناءً على أوامر الجيش الإسرائيلي عند إخلاء المستشفيات، وعُثر عليهم أمواتا بعد بضعة أسابيع.

يجب على كل إسرائيلي، بل على كل إنسان في العالم، أن يشاهد هذه المقابلة. هناك هدف واحد وراء كل هذه الفظائع: تنفيذ “الحل” الإسرائيلي لمشكلة غزة.

مقالات مشابهة

  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • بحضور نتنياهو... جلسة للحكومة الإسرائيليّة للبحث في التطورات مع لبنان
  • نتنياهو: النظام الإيراني لن يعود لتهديد وجود إسرائيل
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • نتنياهو: لن يعود النظام الإيراني لتهديد وجود إسرائيل
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • نتنياهو: نظام إيران سيسقط في النهاية
  • خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو
  • نتنياهو: أولويتنا تقويض قدرة حزب الله على تهديد شمال إسرائيل