شارك الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، في القمَّة العالميَّة التي تعقدها جمعية سانت إيجيديو بالعاصمة الإيطالية روما تحت عنوان “اللقاء العالمي من أجل السلام: إيجاد الشجاعة لتحقيق السلام”.

جاء ذلك بحضور الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، وجلالة الملكة ماتيلد ملكة بلجيكا، وأبرز القادة الدينيين والمفكِّرين من حول العالم.

 

شيخ الأزهر يشارك في افتتاح القمة العالمية "إيجاد الشجاعة لتحقيق السلام” بروما 

وفي كلمته، أكَّد شيخ الأزهر أنَّ مفهوم العدل المطلق هو القاعدة الذهبيَّة التي قامت عليها السَّموات والأرض، وجعلها الله ضامنةً لحقوق الإنسان في المساواة والحرية والكرامة والأمان والسلام، والإخاء الإنساني بين البشر على ما بينهم من فوارق العرق والجنسِ واللون والدين واللُّغة.

رئيس إيطاليا: نُقدّر جهود شيخ الأزهر في نشر السلام وتعزيز الحوار بين الأديانشيخ الأزهر: نشد على يد الرئيس السيسي ونقدر موقفه التاريخي لدعم فلسطين.. فيديو

وأوضح شيخ الأزهر، أنَّ إغفال الحضارة المعاصرة -وعن عمدٍ- لهذه القيم تسبَّب في الحروب العبثيَّة التي فرضت على شعوب فقيرة لا تملِك من العدة والعتاد ما ترد به أيدي المعتدينَ من قُساةِ القلوب ومتحجري الضَّمائر والسَّاخرين من كرامة الإنسان، ومن حرمته التي حذَّر الله من المساس بها في كتبه السماويَّة ووحيه المقدَّس. 

وتابع شيخ الأزهر أن الأزمات الاقتصادية كالفقر والبطالة والمجاعة، وتقسيم العالم إلى شمال ثري مترف، وجنوب فقير مُثقَل بالحروب والمجاعات، وبالديون والأمراض والأوبئة، وأزمات بيئيَّة ناتجة عن استنزاف الموارد الطبيعية، وغير ذلك من منغصات العيش، ومكاره الحياة.

وأضاف شيخ الأزهر أنَّ الأزمات الاجتماعيَّة التي تترصَّد الشعوب وتعبث بعقائدها ومقدَّساتها وثوابتها الدينية والأخلاقية، ولا تكفُّ عن تربصها بمؤسسة «الأسرة» وتصدير بدائل شاذة تنكرها الأديان والأخلاق، وتنفِّر منها الأذواق السليمة الصحيحة، وترفضها الفطرة الإنسانية التي توارثها الناس من عهد آدم عليه السلام وإلى يومهم هذا.

وبَيَّنَ فضيلته أن ما ينقص إنسان هذا العصر هو: «أخلاق العدل والعدالة»، التي أدى غيابها إلى اضطراب شديد في المفاهيم والمعايير الفارقة بين حدود الخير والشر، والحسن والقبح، والصواب والخطأ، حتى صار أمرًا مألوفًا أن نرى الظلم وقد تزيَّن بزي القانون، والتسلط والهيمنة وغطرسة القوة تفرض على الفقراء والضعفاء باسم النظام العالمي، والمآسي وانتهاك الحرمات يبرر بدعوى المصالح والأغراض. 

وتابع الإمام الأكبر إنَّ لنا في الحروب التي ابتلي بها شرقنا الآمن لعبرة، فهذه الحروب ما إن تبدأ شرارتها الأولى حتى تبدأ معها متواليات من الدواهي والفظائع، من هدم للدُّور على رؤوس قاطنيها، وتشريد لآلاف النساء والشيوخ والشباب، وتجويع للأطفال حتى الموت، وتمتع بانتهاك كرامة الإنسان، والتَّنكيل به على مرأى ومسمع من العالم المتحضِّر في قرنه الواحد والعشرين، وبئست حرية تصادر على الضعيف حقه المقدَّس في الحياة على أرضه، وبئست عدالة تسمح باقتراف هذه المنكرات وتسوغها.

شيخ الأزهر من المؤتمر العالمي للسلام بروما: ولا سلام بدون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة 

وأكَّد شيخ الأزهر تقديره للدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة، حيث قال فضيلته: “لا يفوتني في هذا المقام أنْ أُعرِبَ عن خالصِ التَّقدير للدولِ التي بادَرتْ إلى الاعترافِ بدولةِ فلسطين، وأحييها على هذه الشُّجاعة التي تُجسِّدُ صحوة الضَّمير الإنساني وانتصاره للحَقِّ الفلسطيني المسلوب، وكُلُّنا أمل أنْ يكون هذا الاعتراف خطوةً عمليَّةً على طريقِ تمكين الشَّعب الفلسطيني من نَيْلِ حقوقه المشروعة، وفي مُقدِّمتها إقامة دولته المستقلَّة وعاصمتُها القُدس الشَّريف”. 

وأشار إلى أنَّ المجتمعَ الدولي اليوم مجمع على أنَّ حَلَّ الدَّولَتين هو الطَّريقُ الأوحَد لتحقيقِ السَّلام بالمنطقةِ والعالم، ولا سلام في الشرق الأوسط بدون إقامة الدولة الفلسطينية. 

ونوه شيخ الأزهر كذلك بتقديره لمواقف الشرفاء من أحرار العالم: نساء ورجالًا، وأطفالًا وشيوخًا في كثيرٍ من أقطار العالم، الذين اهتزَّت أصواتهم لاستنكار مجازر غزَّة التي أبكت قلبَ الإنسان، وذبحت ضميرَه، وسوَّدت صفحة التاريخ الحديث.

وأكَّد فضيلته أن هذا المشهد الذي يجثم على صدورنا منذ أكثر من عامين - ليكشف عن خلل خطير في بنية النظام الدولي، واضطراب بالغ في سياساته، وأنَّ «السلام الدولي» بات أمره رهنًا بموازين القوة وعنفوانها، وتجارة الأسلحة ومكاسبها، والحروب واقتصاداتها، وكل ذلك في معزلٍ تامٍّ عن ميزان الحق والإنصاف، وعن صوت الواجب ونداء الضمير، وتوجهات الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومنطق العقل الذي جعله الله أعدل الأشياء قسمة بين الناس.

وشدَّد شيخ الأزهر على أن هذه «الأزمات المركبة» إن دلَّت على شيء فإنما تدل على اضطراب شديد أصاب النظام العالمي، وأفقده الاتجاه الصحيح، وجرَّأه على الكيل بمكيالين، بل بمئة مكيال إن لزم الأمر، وإن هذه العلة، أو هذا المرض الخلقي الذي أصاب العدالة الدولية في مقتل لا يمكن تفسيره إلا على أساس العنصرية البغيضة، والطغيان في الأرض، وهو ما يتنافى جذريًّا مع قوانين «العدل المطلق» الذي أرسى قواعده الإسلام الذي أومن به، بل أرسَتْه جميع الرسالات الإلهية من قبله، وآمن به كبار الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو مرورًا بالفارابي وابن رشد، ووصولًا إلى فلاسفة أوروبيين معاصرين، آمنوا بأخلاق الواجب والضمير الإنساني الخالد. 

وتابع فضيلته: "علينا أن نعلم أنَّه عندما يغيب العدل فإنَّ الظلم يحل محلَّه، ومع مظالم الناس تغيب القيم وتتلاشى، ويفقد الإنسان إنسانيته تحت أقدام المصالح والأطماع الماديَّة الهابطة والاستقواء والاستئساد الكاذب، وحين يسلب الضعيف حقه، ويكرم الظالم على استلاب هذا الحق، وحين يغدو الإنسان رقمًا تافهًا في حسابات السياسة وسلعة رخيصة في اقتصاد السُّوق، عند ذلك ندركُ أنَّ الحقَّ قد غربت شمسه، وأنَّ العالم يهوي في فراغ أخلاقي ينذر بانهيار الأنظمة قبل انهيار قيمها وأخلاقها".

وأضاف شيخ الأزهر قائلًا: ولأجل ذلك تحرك الأزهر الشريف، ومجلس حكماء المسلمين، وحاضرة الفاتيكان، لإطلاق وثيقة «الأخوة الإنسانية» التاريخية، التي وقعتها مع أخي الراحل، قداسة البابا فرنسيس، في أبو ظبي عام 2019م. وقد أوضحنا فيها أن السلام ليس أمرًا سلبيًا يتمثل في غياب السلاح، فهذا مما لا سبيل إليه بحال، بل هو أمر إيجابي ووجودي يتمثل في حضور العدل، وبينّا أن العدل ليس انتصارًا لطرف على آخر، وإنما هو انتصار للإنسان على نوازع الأنانية والهيمنة والأطماع المادية التي تسيطر على مسرح حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية.

ولفت فضيلته إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي قد أصبح إحدى القوى المحرِّكة التي تحدث فارقًا كبيرًا في المجتمعات، ولذا فإنَّ علينا دورًا أخلاقيًّا يتمثل في تسخير هذه التقنية لبناء مستقبل أكثر إنصافًا وعدالة للبشرية، وعلينا أن ندرك أنَّ حراسة قيمنا ومواريثنا الروحية والدينية في استعمالات هذه التقنية الجديدة ليس خيارًا ترفيهيًّا، بل هو التزام أخلاقي، ومسؤولية إنسانية كبرى. ولا أبالغ لو قلت: إنَّنا اليوم نقف أمام مفترق طرق حضاري: إمَّا أن نترك هذا الاختراع الجديد يكرِّس التقهقر الحضاري والأخلاقي، أو أن نستخدمه كقوَّةٍ دافعة لتصحيح المسار الإنساني.

وتابع فضيلته: "كنتُ قد بدأت مع أخي الراحل البابا فرنسيس، في صياغة «ميثاق» لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ولكن، وقبل أن يكتمل أمرها، شاءت الأقدار وظروف مرضه ووفاته بأن يتأخر إصدار هذه الوثيقة المهمة، واليوم؛ تعمل فرق مشتركة من الأزهر الشريف والفاتيكان ومجلس حكماء المسلمين من أجل إكمال هذه الوثيقة؛ لتكون مرجعًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا عالميًّا ينظم العلاقة الصحيحة بين الإنسان وما تنتجه يداه من تقنيات حديثة، ويضمن أن يظلَّ الذكاء الاصطناعي خادمًا للإنسان لا سيفًا مصلتًا عليه".

واختتم شيخ الأزهر بتأكيد أنَّ العالم اليوم أحوج ما يكون إلى عدالة تعيد إليه سكينته، وإلى إحياء ضمير إنساني يدرك أن الظلم -وإن صغر- شرارة قادرة على إحراق السلم في أي مكان، وأنَّ كل إنسان يُظلم في هذا العالم، هو جرح لا يندمل في جسد الإنسانية كلها، وأنَّ هذا العالم لن ينهض من كبواته إلا إذا آمن بأن العدالة هي القانون الأعلى للحياة، وأنَّ السلام هو ثمرتها الطبيعية، مضيفًا أنَّ سبب الفساد اليوم؛ الفصل بين الأخلاق والإيمان، ومحاولة الإبقاء على الأخلاق واستبعاد الإيمان، وحين يفقد الدين الإلهي توجيهه للأخلاق، تصبح الأخلاق في مهبِّ الريح، كما تصبح أداة للصراع وللجشع وسحق الفقير والضعيف.

طباعة شارك الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر شيخ الأزهر يشارك في افتتاح القمة العالمية إيجاد الشجاعة لتحقيق السلام” افتتاح القمة العالمية إيجاد الشجاعة لتحقيق السلام”

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر د شیخ الأزهر ة العالمی التی ت ة التی

إقرأ أيضاً:

الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى

من أعظم المآسي الفكرية التي ابتُلي بها الإنسان أنه قد يعرف الله خالقًا، ولا يعرفه وليًّا.
يعرف أن الله خلق السماوات والأرض، وأنزل المطر، وأجرى الأنهار، وبسط الأرض، وأحيا وأمات، لكنه لا يدرك أن الذي خلق هو أولى بالطاعة، وأحق بالتسليم وَالاتباع، وأجدر بالحب، وأوجب بالولاء، وهنا تبدأ المشكلة.
فالقرآن الكريم لا يقدم الله للبشر على أنه مُجَـرّد خالق عظيم يدير الكون من بعيد فقط، بل يقدمه بوصفه الولي المطلق الذي لا تنفصل عنه الحياة في أي شأن من شؤونها يقول الله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱستَوَى عَلَى ٱلعَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير} (الحديد:٤)، والذي لا تستقيم إنسانية الإنسان إلا بالانضواء تحت ولايته.
وحين يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، فإنها ليست جملة خبرية فحسب، بل إعلان إلهي يهز وجدان المؤمن، ويختبر إيمانه ويعيد ترتيب علاقته بكل شيء من حوله.
إنها تعني أن الله هو الأقرب إليك من كُـلّ قريب قال الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لِي وَليُؤمِنُواْ بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ} (البقرة:١٨٦)، والأحق بك من نفسك، والأولى بك من هواك، والأعلم بمصلحتك منك، والأرحم بك من والديك.
لماذا الله هو الولي؟
لأن الولاية ليست امتيَازا يُمنح، بل حق يثبت لصاحبه، ومن الذي يملك حق الولاية أكثر ممن خلق؟ من الذي يستحق أن يُطاع أكثر ممن أوجدك من العدم؟ من الذي يستحق أن يُتبع أكثر ممن يعلم السر وأخفى؟ من الذي يستحق أن يُسلَّم له الأمر أكثر ممن بيده ملكوت كُـلّ شيء؟ لا أحد، ولكي نفهم أبعاد هذا الحق الإلهي، لا بد أن ندرك أن (الولاية) في لغة العرب تدور حول معاني القرب والتسليم والنصرة والمحبة والتولية.
فحين يتولى اللهُ عبدَه، فإنه يقتربُ منه برحمته، ويحيطه برعايته، وينصره على مخاوفه ونفسه.
وهي ولاية ذات اتّجاهين في حياة المؤمن؛ ولاية من اللهِ لعبده بالهداية والتوفيق والتسديد، وولاية من العبد لربه بالانقياد والحب والتعظيم.
فلا يكونُ العبدُ وليًّا لله إلا إذَا ارتضى الله ربًا، والإسلام دينًا، والمنهج الإلهي دليلًا وقائدًا وبأمره مسلمًا.
إن الله لا يطالب عباده بولايته لأنه يحتاج إليهم؛ بل لأنهم هم المحتاجون إليه.
ولا يدعوهم إلى طاعته لأنه ينتفع بطاعتهم؛ بل لأن سعادتهم ونجاتهم وعزتهم لا تكون إلا في ظل هذه الولاية.
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فالذي خلق الإنسان هو وحده الذي يعلم حقيقة هذا الإنسان، ويعلم ما يصلحه وما يفسده، وما يرفعه وما يهوي به.
ولاية لا تنقطع لحظة واحدة.
قد يغيب عنك الأب، وقد تفارقك الأم، وقد يخذلك الصديق، وقد يتخلى عنك الناس جميعًا. أما الله فلا يغيب عنك لحظة واحدة، منذ أن كنت نطفة في ظلمات الرحم وهو يتولاك، كان يخلق أعضاءك وأنت لا تشعر، وكان يهيئ رزقك وأنت لا تعلم، وكان يحفظك وأنت لا تملك لنفسك شيئًا، ثم خرجت إلى الدنيا، فوجدت الهواء جاهزًا لتتنفسه، والماء جاهزًا لتشربه، والأرض ممهدة لتعيش عليها، والشمس تشرق عليك دون أن تدفع لها ثمنًا.
أي ولاية أعظم من هذه الولاية؟ وأي رعاية أوسع من هذه الرعاية؟
ومن أسرار هذه الولاية الدائمة أنها تتجلى في أوقات المحن والأزمات أكثر مما تتجلى في أوقات الرخاء.
فحين تضيق بالمرء السبل، وتغلق في وجهه الأبواب، تتدخل الولاية الربانية لتمنح القلب سكينةً لا مبرّر مادي لها، ورضًا يربط على القلوب الوجلة.
إن حرمان الله لعبده في بعض الأحيان ليس تخلّيًا، بل هو عين الولاية؛ لأنه سبحانه يمنع بحكمته ما يضر العبد، ويعطي برحمته ما يصلحه، فالمنع منه سبحانه هو عين العطاء.
كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، وقال سبحانه:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، إن الإنسان يعيش غارقًا في ولاية الله قبل أن يعرفها، ومحاطًا بعناية الله قبل أن يدركها.
الولاية ليست مُجَـرّد محبة
يختزل البعضُ الولاية في مُجَـرّد مشاعر الحب، والحب جزء منها، لكنه ليس كُـلّ حقيقتها، فالولاية تعني التسليم لله، وتعني الثقة المطلقة بالله، وتعني تقديم أمر الله على كُـلّ أمر، وتعني أن يكون حكم الله فوق كُـلّ حكم، وهدي الله فوق كُـلّ هدى، ورضا الله فوق كُـلّ رغبة، فالذي يتولى الله حقًا لا يجعل هواه قائدًا له، ولا يجعل شهوته حاكمة عليه، ولا يجعل الناس ميزانًا للحق والباطل، بل يجعل الله هو المرجع الأعلى في حياته كلها.
ولهذا قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أنفسهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، فالإيمان الحقيقي هو ثمرة الولاية الحقيقية، وحين تتحول الولاية إلى واقع معاش، فإنها تثمر في النفس التحرّر الكامل من عبودية الخلق، فالذي يتولى الله حقًا لا يذل لغيره، ولا يرجو رزقًا من سواه، ولا يخشى في الحق لومة لائم؛ لأنه يأوي إلى ركن شديد.
الولاية تجعل للمؤمن بوصلة أخلاقية ثابتة لا تتأثر بتقلبات المصالح ولا بضغط المجتمعات، فيصبح معيار الخطأ والصواب عنده مستمدًّا من وحي الولي الخبير، لا من أهواء البشر المتقلبة.
الله ولي المؤمنين، ولم يقل القرآن إن الله ولي المؤمنين بمعنى الحماية فقط، فقد قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}.
إنها ولاية بناء وصناعة وتغيير، ولاية تنقل الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى الحرية، ومن الضياع إلى الهداية، ومن الخوف إلى الطمأنينة.
فالإنسان بلا ولاية الله يعيش تائهًا مهما امتلك من أسباب القوة، ويعيش فقيرًا مهما ملك من الأموال، ويعيش مظلمًا مهما أحاط نفسه بالأضواء؛ لأن النور الحقيقي هو نور الله، والهداية الحقيقية هي هداية الله.
لماذا يجب أن نتولى الله؟
لأن كُـلّ شيء منه،  وجودك منه، وحياتك منه، ورزقك منه، وقوتك منه، وعلمك منه، وهدايتك منه، ومصيرك إليه.
فأي جحود أعظم من أن ينتفع الإنسان بكل ما أعطاه الله، ثم يجعل ولاءه وطاعته وخضوعه لغير الله؟
وأي ظلم أكبر من أن يأكل من رزق الله، ويتنفس هواء الله، ويعيش في ملك الله، ثم لا يرى لله حق الولاية عليه؟
ولهذا كان أعظم نداء في القرآن هو العودة إلى الله وليًّا وقائدًا وهاديًا ومعبودًا.
خطورة اتِّخاذ أولياء من دون الله
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن الإنسان إذَا تخلّى عن ولاية الله، أَو غفل عنها، فلن يعيش في فراغ، بل سيبحث غريزيًّا عن «أولياء» آخرين يتولاهم ويسلّم لهم زمام أمره.
قد يتولى الإنسان ماله، أَو منصبه، أَو رجلًا قويًّا يرجو حمايته، أَو حتى يتولى هواه ونظريات بشرية قاصرة.
وهنا يقع في فخ الخِذلان؛ لأن كُـلّ ولاية غير ولاية الله هي ولاية هشة، واهية كبيت العنكبوت.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
فكل مستند إلى غير الله ساقط، وكل معتز بغير الله ذليل، وكل من طلب النصرة والشفاء والهداية من غير وليه الحق، فقد ضل ضلالًا بعيدًا ووضع نفسه في موطن الضياع.
إذن.. حين يفهم الإنسان معنى ولاية الله، يدرك أنه لا يوجد في هذا الوجود من هو أولى به من الله.
لا أحد أعلم به من الله، ولا أحد أرحم به من الله، ولا أحد أصدق منه وعدًا، ولا أحد أكمل منه حكمة، ولا أحد أعظم منه قدرة.
لذلك كانت ولاية الله ليست خيارًا من بين خيارات متعددة، بل هي الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن تُتبع، والطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
فالله سبحانه ليس وليَّنا لأنه الأقوى فقط، ولا لأنه الخالق فقط، بل لأنه الكامل المطلق الذي لا يأتي من ولايته إلا الخير، ولا يأتي من هدايته إلا النور، ولا يأتي من القرب منه إلا العزة والكرامة والفلاح.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • صبري عبدالمنعم باكيًا: أصدقائي الذين بقوا بجانبي لا يتجاوزون أصابع اليد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • حرية النباح!
  • مرصد الأزهر يبحث مع مستشار رئيس رومانيا جهود مكافحة التطرف وبناء السلام
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • ضبط موظف بأحد مواقف القاهرة لممارسته البلطجة وتحصيل أموال دون وجه حق
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش