سواليف:
2026-06-03@06:40:27 GMT

شهادة الجودة… وغياب المعنى الحقيقي!

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

#شهادة_الجودة… وغياب المعنى الحقيقي!

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة

قرأتُ قبل أيام خبراً “احتفالياً” على أحد المواقع الإعلامية، يفيد بأن إحدى #الجامعات_الأردنية العريقة قد نالت #شهادة_ضمان_الجودة المؤسسية من هيئة الاعتماد لمدة أربع سنوات، وكأنها فازت بجائزة نوبل في التعليم العالي! الخبر مكتوب بلغةٍ منمقة ومليئة بالعبارات الرنانة: “إنجاز وطني، تميز مؤسسي، فخر أكاديمي، خطوة نحو العالمية”… كلمات تلمع أكثر من الحقيقة نفسها.

ولأننا تعودنا أن نقرأ ما بين السطور، لا بد أن نسأل: ما قيمة هذه الشهادة فعلاً؟ هل هي دليل على جودة حقيقية في التعليم والبحث العلمي والمخرجات؟ أم هي مجرد ورقة تُعلّق في المكاتب الفخمة وتُرفع في المؤتمرات الصحفية لتزيين الصورة؟

مقالات ذات صلة ملتقى الصُنّاع الثاني… حين يتحوّل الإبداع إلى وطن يُصنع بالأيدي والأفكار 2025/10/28

إذا كانت الجودة تُقاس بالتصفيق والتصريحات، فكل جامعاتنا “جيدة جداً”. لكن لو قيست بمعايير الحقيقة، لوجدنا أن واقع الحال مختلف تماماً: مدرجات شبه فارغة، مناهج متكررة منذ عقدين، مخرجات تعليمية لا تجد طريقها إلى سوق العمل، وأبحاث لا تتجاوز رفوف المكاتب. أليس من الغريب أن جامعة عريقة بتاريخها وأساتذتها وخريجيها تنشغل بالاحتفاء بشهادةٍ مؤقتة صادرة من جهةٍ محلية، بينما كان الأجدر بها أن تنشغل بالمعنى الحقيقي للجودة؟ هل الجودة شهادة تُمنح على الورق، أم ممارسة تُترجم في القاعات والمختبرات والمجتمع؟

الجودة لا تُقاس بعدد اللافتات ولا بحجم الحفلات، بل تُقاس عندما يجد الخريج نفسه قادراً على العمل، وعندما يشعر الأستاذ أنه جزء من منظومةٍ محترمة، وعندما يرى المجتمع في الجامعة بيتاً للعقل والابتكار لا مؤسسة لتوزيع الأوراق.

المؤسف أن بعض الجامعات تحوّلت إلى مؤسسات علاقات عامة أكثر منها مؤسسات أكاديمية. تُصدر البيانات، وتُعدّ التقارير، وتلتقط الصور، وتنسى السؤال الجوهري: ماذا تغيّر فعلاً؟ كم بحثًا علميًا نُشر في مجلات مرموقة؟ كم مشروعًا ابتكاريًا خرج من قاعاتها ليخدم المجتمع؟ كم خريجًا وجد عملًا بفضل ما تعلّمه فيها؟

شهادة الجودة، في جوهرها، ليست هدفًا بحدّ ذاتها، بل نتيجة لمسار طويل من العمل والإصلاح. لكن حين تتحوّل النتيجة إلى هدف، يفقد الطريق معناه. فنحن لا نحتاج إلى من “يضمن” لنا جودةً شكلية، بل إلى من يصنع الجودة فعلاً من خلال إصلاح البرامج، وتحديث المناهج، وتمكين أعضاء هيئة التدريس، وتوجيه البحث العلمي نحو مشكلات الوطن الحقيقية.

الجامعة التي تركض وراء الشهادات مثل من يسعى لالتقاط صورٍ جميلة في مرآةٍ مشروخة. تلمّع وجهها أمام الكاميرا، لكنها تنسى أن الواقع يرى ما وراء الصورة. ما فائدة شهادة جودة إذا كانت مكتبة الجامعة خاوية، والمختبرات قديمة، والطالب لا يتقن لغة ثانية، ولا يمتلك مهارات التفكير النقدي والعمل الجماعي؟ ما قيمة هذه الشهادة إن كان الخريج بحاجة إلى تدريبٍ جديد قبل أن يُسمح له بالوظيفة الأولى؟

نحن لا نقلّل من أهمية التقويم والاعتماد، بل ننتقد طريقة التعامل مع الفكرة. فالاعتماد والجودة وسيلتان لتقويم الذات وتحسين الأداء، لا مناسبات بروتوكولية للمباركة والتصوير. وما لم ندرك هذا الفرق، فسنظل نُبدّل الأوسمة دون أن نُغيّر الواقع.

حين تصبح الجودة ثقافةً حيةً داخل الجامعة، لن نحتاج إلى شهاداتٍ تُخبرنا أننا جيدون. حين نرى الأستاذَ الباحثَ المنتج، والطالبَ المتعلّمَ الناقد، والإدارةَ التي تُحاسب وتُخطّط بوعي، عندها فقط نستحق أن نُوصف بأننا جامعة “ذات جودة”.

أما الآن، فإننا نعيش زمن “الجودة الورقية” — جامعاتٌ تلهث وراء الألقاب، بينما يفقد التعليم روحه شيئًا فشيئًا. الجامعة التي كانت تصنع القادة والعلماء، صارت تصنع البيانات الصحفية.

في النهاية، أقولها بمرارةٍ ممزوجةٍ بالسخرية: ما أكثر شهاداتنا… وما أقلَّ جودتنا! فالجودة ليست توقيعًا على ورقة، بل عقلًا يُفكّر، وضميرًا يُحاسب، ومؤسسةً تُؤمن بأن رسالتها ليست في الشهادة… بل في الإنسان الذي تُخرّجه إلى الحياة.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: الجامعات الأردنية شهادة ضمان الجودة

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • أفضل شهادة ادخار متاحة بالبنوك اليوم .. وأعلى عائد في 2026
  • جامعة قنا تتصدر الجامعات المصرية في جودة بيانات المعامل والأجهزة العلمية
  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • كعب العمل الإلكتروني 2026..استخراج شهادة القيد في 24 ساعة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • عيوب التصميم وغياب المصدات الخرسانية.. خبراء يكشفون أسباب حادث ترعة المريوطية المأساوي
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • رئيس جامعة كفر الشيخ يتابع امتحانات الفصل الدراسي الثاني بالجامعة الأهلية ويؤكد الالتزام بأعلى معايير الجودة الأكاديمية
  • انتخابات إثيوبيا تنطلق في ظل تمردات مسلحة وغياب التصويت في إقليم تيغراي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش