في تاريخ مصر الحديث، قلّ أن تجتمع في رجل واحد صفات العالم الرباني، والمفكر المستنير، والمصلح الوطني، كما اجتمعت في شخصية العارف بالله الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي، الذي جمع بين نقاء الروح وعمق الفكر وصدق العمل، فكان إمامًا للروح، ورائدًا للفكر، ورمزًا للوطنية الواعية، وعَلَمًا خفاقًا في سماء القرن الرابع عشر الهجري.

ولد الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1296هـ، الموافق 7 مايو 1879م بقرية دير السعادة بمحافظة قنا، في بيتٍ عريقٍ بالعلم والصلاح، ونشأ في ظلال والده العارف بالله الشيخ أحمد بن شرقاوي الشهير بأبي المعارف، فنهل من أنوار التربية الصوفية الأصيلة، وتشرب حب القرآن والسنة منذ نعومة أظفاره.

تلقى علومه في الأزهر الشريف على أيدي كبار العلماء، أمثال الشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ محمد شاكر، والشيخ سليم البشرى، وغيرهم من شيوخ الأزهر الأعلام، فكان عالمًا موسوعيًا، صوفيًا في قلبه، عقلانيًا في فكره، ووطنيًا في سلوكه ومواقفه

شخصية فذة شهد لها الأعلام

لم يكن الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي شخصيةً عادية في عصره، بل كان موضع إجماع من العلماء والمفكرين الذين رأوا فيه تجسيدًا نادرًا لصفاء القلب وعمق الفكر. قال عنه العلامة الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية الأسبق وصديقه المقرب:

“كان رضي الله عنه دائم التفكير فيما يهم المسلمين، عميق الفكر، بعيد النظر، قوي العزم، بعيد الهمة، جوادًا كريمًا، عطوفًا رحيمًا، وديعًا متواضعًا، لا يتحدث عن نفسه، ينزل الناس منازلهم، ويولي قاصديه من قلبه كل عطف ورعاية وحنان.

كما وصفه الشيخ محمد محمد المدني، عميد كلية الشريعة ورئيس تحرير مجلة رسالة الإسلام، بقوله:

“اختار الله إلى جواره قطبًا ربانيًا من أقطاب الدعوة إلى الله بالقدوة الصالحة، ومفكرًا من كبار ذوي العقول الثاقبة والبصائر النيرة.. .عاش روحًا هاديًا يرسل نوره إلى الناس من خلال نصحه وإرشاده، وما كان يظهر إلا ليُصلح أو ليأمر بخير.”

منهجه العلمي والفكري

آمن الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي بأن الإسلام ليس دين شعائر فحسب، بل منهج حياة شامل ينظم علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه. وقد تجلّى فكره التجديدي في أربعة محاور أساسية: الإسلام الشامل: رأى أن الإسلام دين يربط بين العبادة والعمل، وبين الروح والعقل، ويؤسس للكرامة الإنسانية. وكان يقول:“الإسلام ما كان يومًا دعوة روحية مجردة، بل نظامًا للحياة يرفع الإنسان إلى مقام العزة والكرامة.”، والقرآن الكريم محور النهضة: دعا إلى ما سماه “التلاوة الثانية للقرآن”، أي تلاوة الفهم والعمل، لا مجرد الترتيل. وقال:“لقد حان حين تلاوته التلاوة الثانية.. .فالقرآن كتاب الأبد الذي تتجدد معانيه بتجدد الزمان.”، و العقل في خدمة الإيمان: جمع بين نور الوحي وهداية العقل، فكان يدعو إلى التجديد الواعي، ويرى أن الدين والعقل لا يتعارضان، بل يتكاملان، و وحدة الأمة الإسلامية: دعا إلى وحدة الشعوب الإسلامية على أساس القرآن والعدل والعلم، لا على العصبية أو المذهب، مؤكدًا أن القرآن هو الحبل الجامع للأمة مهما اختلفت ألسنتها وأوطانها.

وطني غيور وشاعر مقاوم

حين وطئت أقدام الاحتلال البريطاني أرض مصر سنة 1882، لم يقف الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي موقف المتفرج، بل اتخذ من الكلمة سلاحًا ومن الشعر رايةً. نظم قصائد وطنية تفيض حماسةً وشجاعةً، منها قوله مخاطبًا مصر:

إذا جاء نصرُ الله والفتحُ يا مصرُ فما مثلُ هذا الفتحِ فتحٌ ولا نصرُ

وما العيشُ أن تحيا على الهونِ آكلاً كما تأكلُ الأنعامُ تُغذى وتُجترُّ

ولكنما العيشُ الحياةُ على هُدى إذا حاطها بالسؤددِ المجدُ والفخرُ

كان على صلة وثيقة بكبار رجال السياسة في عصره، مثل سعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومكرم عبيد، وعلى ماهر باشا، وكان صوتًا وطنيًا حرًا لا يخضع لحزب ولا جماعة، يجهر بالحق حيثما كان. وقد قال عنه الشيخ حسنين مخلوف:

“كانت مواقفه الوطنية نابعة من عقيدة حرة صافية، لا تلتمس رضا حزب ولا حاكم، بل تستمد قوتها من الإيمان بالله ومصلحة الوطن.”

ولم تقتصر وطنيته على المسلمين، بل امتدت بروح الإسلام السمحة إلى إخوانه المسيحيين، الذين أحبوه بصدق، حتى نعاه كثير منهم عند وفاته بكلمات تعبّر عن التقدير العميق والوفاء الإنساني الرفيع.

زهد وأخلاق وسمو روح

عُرف الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي بزهدٍ عظيم وتواضع نادر، كان يرى أن العزلة والخلوة سبيل لتزكية النفس، فيقول: “لكل من العزلة والاجتماع موطن يحسن فيه ويُحمد.”

كان مضرب المثل في الإيثار، يجود بماله وعلمه ووقته في صمت، ويعامل الناس لله لا لغرض، كما قال عنه تلاميذه “كان يعيش مع الله، ويعامل الخلق لله.”

كان القرآن إمامه، والسنة دليله، والرسول ﷺ حبيبه وأسْوته، وقد جسّد في حياته قول النبي الكريم: “الدين المعاملة.”

المصدر

المصدر: الأسبوع

إقرأ أيضاً:

الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد

واصل اسم الشيخ المنشاوى الصعود على موقع إكس عقب إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديدة للقارئ الشيخ محمد صديق المنشاوي.

الشيخ محمد صديق المنشاوي  لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي

وكانت إذاعة القرآن الكريم، من القاهرة قد بدأت الإثنين بث ختمة مرتلة جديدة تعود إلى ستينيات القرن العشرين لفضيلة القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوى.

ومن جانبه أشاد الكاتب أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالجهود التى تبذلها إذاعة القرآن الكريم ووجه الشكر لأسرة القارئ الكبير على دعمها المستمر لإذاعة القرآن الكريم.

وقال إسماعيل دويدار رئيس شبكة القرآن الكريم: تأتى ختمة الشيخ المنشاوى الجديدة فى إطار سعى إذاعة القرآن الكريم لإثراء الهواء بالجواهر الخالدة، والكشف عن جوانب مهنية وإنسانية عز أن تتكرر، وفى مفاجأة لجمهور مستمعى إذاعة القرآن الكريم تهدى الهيئة الوطنية للإعلام وإذاعة القرآن الكريم مصحفا مرتلاً جديداً لم يذع من قبل، بصوت أحد أعلام القراء من جيلها الذهبى فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى.

الشيخ محمد صديق المنشاوي 

وإذ تكشف إذاعة القرآن الكريم عن التسجيل النادر فإنها لا تعلن فقط عن متعة سمعية وروحية بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوى، وإنما تفصح أيضاً عن درس إنسانى ودينى ومهنى لفضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى، فوراء هذا التسجيل النادر رؤية وإخلاص وسعى للكمال فقد قام فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى بتسجيل المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم عام 1965 بإجازة لجنة مكونة من: الدكتور محمد عبد الله ماضى رئيساً، والشيخ سانوسى احمد يوسف عضواً، والشيخ إبراهيم على شحاتة عضواً، والشيخ عامر السيد عثمان عضواً، والشيخ محمود برانق عضواًالشيخ محمد سليمان صالح عضواً، والمهندس فاروق عامر. ولأن الشيخ الجليل كان دائم السعى للجودة والإتقان.. فبعد أن استمع إلى الختمة المسجلة على اثنين وثمانين شريطاً قرر إعادة اثنين وثلاثين شريطاً منها، من أجل المزيد من الدقة، فتقدم بطلب للإذاعة وقام بالتسجيل واستمعت اللجنة له وأجازته وأشادت به. وكان ذلك فى عام 1967. وأضاف دويدار: منذ ذلك التاريخ لم تذع هذه التسجيلات، إلى أن بدأت إذاعة القرآن الكريم إذاعتها اعتباراً من اليوم.

السيرة الذاتية للشيخ محمد صديق المنشاوي 

 

مولده ونشأته:
ولد القارئ محمد صديق المنشاوي في الـ 20 من يناير عام 1920 بقرية البواريك  بمدينة المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره؛ إذ نشأ في أسرة قرآنية عريقة توارثت تلاوة القرآن، فأبوه الشيخ صديق المنشاوي وجده تايب المنشاوي وجد والده كلهم قُراء للقرآن، وفي أسرته الكثير ممن يحفظون القرآن ويجيدون تلاوته منهم شقيقه محمود صديق المنشاوي، فتأثر بوالده الذي تعلم منه فن قراءة القرآن الكريم، فأصبحت هذه العائلة رائدة لمدرسة جميلة منفردة بذاتها في تلاوة القرآن.

في عام 1927 رحل إلى القاهرة مع عمه القارئ الشيخ أحمد السيد فحفظ هناك ربع القرآن، ثم عاد إلى بلدته المنشاة وأتم حفظ القرآن ودراسته على مشايخ مثل محمد النمكي ومحمد أبو العلا ورشوان أبو مسلم الذي كان لا يتقاضى أجرًا على التعليم.

بدأت رحلة الشيخ محمد صديق المنشاوي مع التلاوة بتجواله مع أبيه وعمه بين السهرات المختلفة، وفي عام 1952 سنحت له الفرصة أن يقرأ منفردًا في ليلة بمحافظة سوهاج، ومن هنا صار اسمه مترددًا في الأنحاء.

سجل المنشاوي القرآن الكريم كاملًا في ختمة مرتلة، كما سجل ختمة قرآنية مجودة بالإذاعة المصرية، وله كذلك قراءة مشتركة برواية الدوري مع القارئين كامل البهتيمي وفؤاد العروسي، وله أيضًا العديد من التسجيلات في المسجد الأقصى والكويت وسوريا وليبيا وتلا القرآن في المساجد الرئيسية في العالم الإسلامي كالمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس، وزار عددًا من الدول الإسلامية كالعراق وإندونيسيا وسوريا والكويت وليبيا وفلسطين والمملكة العربية السعودية

.عميد مملكة التلاوة:
سيطر الشيخ محمد صديق المنشاوى على مملكة تلاوة القرآن الكريم في مصر والعالم العربي، وذاع صيته ولقي قبولًا حسنًا لعذوبة صوته وجماله وانفراده بذلك، إضافة إلى إتقانه لمقامات القراءة، وتأثره العميق بالمعاني والألفاظ القرآنية.

 

المنشاوي والشعراوي:

وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.
التكريمات والجوائز :

حصل الشيخ المنشاوي على أوسمة عدة من دول مختلفة، كإندونيسيا وسوريا ولبنان وباكستان، وكان على رأس قراء مصر في حقبة الخمسينيات مع القراء أمثال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وغيرهم من القراء وما زالوا إلى يومنا هذا على رأس القراء لما كان عندهم من رونق في صوتهم جعلهم يحرزون المراتب الأولى بين القراء.
وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.


وفاته:

في عام 1966 أصيب الشيخ محمد صديق المنشاوي  بمرض دوالي المريء ورغم مرضه ظل يقرأ القرآن حتى رحل عن الدنيا في يوم الجمعة 5 ربيع الثاني 1389 هـ، الموافق 20 يونيو 1969م تاركًا خلفه إرثًا خالدًا من الخشوع والإتقان، لا يزال يُلهب القلوب ويُبكي العيون حتى يومنا هذا عبر أثير إذاعة القرآن الكريم والإذاعات المختلفة.

مقالات مشابهة

  • محمد فاروق: إمام عاشور يخطر الأهلي بانتظار عروض من فرنسا وامريكا بعد المونديال
  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم أسد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم "أسد"
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • محمد الساعدي يحصد جائزة الروح الرياضية في بطولة BAL 2026
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • تركي آل الشيخ يشيد بفيلم "أسد" ومحمد رمضان يرد
  • محمد إمام يكشف مواعيد العرض الثاني لمسلسل "الكينج"