جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:24:24 GMT

العقل في ميزان الشرع

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

العقل في ميزان الشرع

 

 

بدر بن خميس الظفري

@waladjameel

 

العقل في الإسلام أصل الوعي ومصدر النور، وهو القوة التي تفتح للإنسان أبواب المعرفة والتمييز. بهذا العقل يسمو الإنسان على الغريزة، ويتصل بالعالم اتصال فهمٍ وتأملٍ واكتشاف. وكل نداءٍ في القرآن إلى الذين يعقلون ويتفكرون ويتدبرون هو إعلانٌ لقيمة الفكر، ودعوةٌ إلى النظر في آيات الكون والإنسان.

فالإيمان الذي لا يقوم على العقل إيمانٌ ناقص، والعقل الذي لا يستضيء بالهداية عقلٌ تائه، وبينهما تتكوَّن إنسانية المسلم الكاملة.

في ضوء هذا الفهم نشأ علم أصول الفقه، الذي جمع بين صفاء العقيدة ودقة الاستنباط. فالعلماء الذين قرأوا النصوص التشريعية اكتشفوا من خلالها نظامًا مقصودًا يقوم على المقاصد الكبرى التي لخَّصها الإمام الشاطبي في خمسة مبادئ هي: حفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ المال. هذه المبادئ رسمت خريطةً واضحة للعمران الإنساني، لأنها جعلت التشريع في خدمة الحياة، وربطت العبادة بالسلوك، وقرنت الواجب بالكرامة. ومن خلالها يتضح أن الدين وُضع لتقويم الحياة لا لتقييدها، ولإطلاق الطاقات لا لإخمادها.

العقل عند المسلم أداةٌ لفهم سنن الله في الخلق، ومفتاحٌ لمعرفة النظام الذي أودعه الخالق في الوجود. وكلما تعمَّق الإنسان في التأمل ازداد يقينًا بحكمة هذا النظام وعدله. فالفكر الصادق طريقٌ إلى الإيمان، والإيمان الواعي سبيلٌ إلى مزيدٍ من التفكير. وهكذا تتحد المعرفة الدينية والمعرفة الكونية في غايةٍ واحدة، وهي بناء الإنسان على صورةٍ من التوازن والانسجام.

إن المقاصد الكبرى للشريعة تقوم على فهمٍ تفاعلي بين الجزئيات والكليات. والنصوص تتكامل في بيان المعنى، ويستمد بعضها من بعض قوته ودلالته. وما أُجمِل في موضع فُصِّل في موضعٍ آخر، وما تدرج في التشريع يعبّر عن مرونةٍ أصيلةٍ تراعي تغيّر الأحوال والظروف. وهنا تتجلّى عبقرية المنهج الإسلامي الذي يجمع بين الثبات والمرونة، فيبقى صالحًا لكل زمانٍ ومكان.

العقل في هذا الإطار شريكٌ للدين في صناعة الفهم، يكمّله كما يكمل الضوء البصر، ويمنحه عمق الرؤية في دروب الحياة. العقل الديني متصل بالواقع، متفاعلٌ مع أحداثه، يوجّهها نحو المقاصد العليا ويمنحها معناها الأخلاقي والروحي. ومن هذه الحركة المتبادلة نشأت المبادئ الثلاثة التي تُكوِّن جوهر المشروع الإسلامي وهي: العقل والحرية والعدل. هذه المبادئ هي أركان البناء الحضاري، وهي الطريق إلى استعادة التوازن بين الإيمان والعمل.

العقل هو ميزان الفكر ومرشد السلوك؛ فالجاهلية القديمة قامت على العصبية والانفعال، فجاء الإسلام ليقيم سلوكًا جديدًا أساسه الحلم والرزانة وضبط الغريزة بالعقل. فالمجتمع الراشد هو الذي يحتكم إلى التفكير لا إلى التفاخر، ويقيم روابطه على المساواة لا على النسب أو القبيلة. ومن هذا المبدأ انطلقت رسالة الإسلام إلى الإنسانية كلها، تدعو إلى وحدة الأصل الإنساني وتكامل العقول في سبيل الخير العام.

ومن العقل تنشأ الحرية، لأنها خاصية الوعي الإنساني؛ فالإنسان المكلَّف حرٌّ في اختياره، مسؤولٌ عن فعله، وهو في ذلك شريكٌ في إعمار الأرض. الدعوة إلى الإيمان في الإسلام دعوةٌ إلى الاختيار الطوعي، والعبادة في جوهرها محبةٌ تُعبِّر عن رضا القلب وصفاء الإرادة. وكل نظامٍ اجتماعيٍّ عادلٍ يقوم على تحرير الإنسان من كل قيدٍ يحول بينه وبين وعيه الكامل. الحرية أساس الكرامة الإنسانية، ومن جوهرها تنبثق القدرة على الاختيار والمسؤولية.

وأما العدل فهو المبدأ الذي يربط الأرض بالسماء. عدل الله هو الأساس الذي تنتظم به الحياة، ومنه تستمد الشريعة معناها الإنساني. فالحاكم العادل ظلٌّ للرحمة الإلهية في الأرض، والمجتمع العادل امتدادٌ لقيم السماء في السلوك البشري. بالعدل يحيا العقل والحرية معًا، وبه تزدهر الأمم وتتحقق مقاصد الدين في واقع الناس.

تُشكِّل هذه المبادئ الثلاثة، العقل والحرية والعدل، منظومةً واحدة تُوحِّد مقاصد الشريعة ومناهج التفكير، تنبثق منها القواعد الكبرى كالاستحسان والمصلحة والاستصحاب، ومنها تُستمد روح الاجتهاد في مواجهة قضايا العصر؛ إذ إنَّ كل تطورٍ في العلم والاجتماع والتقنية يظل امتدادًا للعقل، وكل توسعٍ في الحرية يُثري التجربة الإنسانية، وكل عدلٍ يتحقق في الأرض يعمّق صلة الإنسان بربه.

وحين يسير المسلم على هدي هذه المبادئ، يصبح الدين قوةً للبناء والتجديد؛ فالإسلام الذي يفتح للعقل أبوابه، ويكرّم الحرية، ويقيم العدل بين الناس، هو الإسلام الذي يصنع الحضارة. ومن يُفعِّل هذه القيم في واقعه يشارك في تحقيق مراد الوحي في التاريخ؛ إذ إنَّ المعرفة في الإسلام ليست حكرًا على زمن، والاجتهاد لا يتوقف عند عصر. وكل قراءةٍ واعيةٍ للنصّ تُعيد للأمة قدرتها على النهوض؛ لأن النور الذي أشرق أول مرة ما زال في النفس البشرية قابلًا للازدياد.

 

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • ما حكم البيع بالتقسيط؟.. تعرف على رأي الشرع وشروط جوازه
  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • جنبلاط اتّصل بشيخ العقل مهنئًا إياه بنجاح القمة الروحية
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • اتصال هاتفي بين الشرع وترامب.. ودمشق تطالب برفع العقوبات