قصة "إيزيس".. رحلة البحث عن الذات في عالم الأسطورة
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
حين نقرأ "إيزيس"، من مجموعة "سرير فارغ"، للكاتبة سمية عبدالمنعم، نشعر أننا لا نقرأ قصة فحسب، بل نلج عالماً أسطورياً متجذرًا في وجدان الأنثى منذ فجر الحكاية الأولى.
هي ليست فقط امرأة في رحلة قطار، بل أنثى الكون كله في رحلة بحثها عن شريك الروح، عن النصف الغائب، عن الحياة ذاتها.
منذ الجملة الأولى، تضعنا الكاتبة في حالة غموض شفيف:
" لم يكن لصوت عجلات القطار على قضيبه ذاك الوقع المعتاد في نفسها
هنا تبدأ اللغة في نسج ستارٍ من الغرابة المألوفة، كأننا في حلمٍ بين النوم واليقظة.
يتحول القطار إلى مجازٍ للقدر، والعربة إلى فضاءٍ داخلي يختلط فيه الواقع بالذاكرة، والوعي باللاوعي.
إيزيس التي تغفو في القطار، ليست مجرد مسافرة، إنها الرمز الإنساني الأزلي للبحث والرجاء، تمامًا كما بحثت الإلهة المصرية القديمة إيزيس عن جسد حبيبها أوزوريس الممزق في الأسطورة.
إنها المرأة التي ترفض التصديق بالموت، التي تصرّ على الحبّ رغم الفقد، وتواصل السعي في وجه المستحيل.
الكاتبة لا تقدم لنا مأساةً عاطفيةً سطحية، بل تغوص بنا في طبقات الألم الإنساني العميق:
الوحدة، اليقين الداخلي الذي يتحدى منطق الآخرين، التعلق بالحياة رغم انطفاء ضوئها.
وحين يظهر ذلك الشاب الغامض، الهادئ، الذي يمدّ يده لمساعدتها، نشعر أننا أمام تجلٍّ رمزيّ لأوزوريس ذاته؛
الذكر المكمّل لأنوثتها، الحاضر الغائب، الذي لا يلمس الجسد بقدر ما يوقظ الروح.
تتفوق الكاتبة سمية عبد المنعم في استخدام الإيحاء الصوتي والظلال اللغوية لتوليد الإحساس بالعزلة المضيئة.
فأصوات النساء التي تهمس لها:
" استيقظي ياسيدة السلام ...يا إلهة الحياة "
هي صدى أسطوري لأصوات الجدّات والإلهات والأمهات، لنداء الخلود في قلب كل أنثى تقاوم الفناء
وفي البنية السردية، تسير القصة بإيقاعٍ دائريّ:
من الغفوة إلى اليقظة، ومن اللقاء إلى الفقد، ومن الحضور إلى الغياب.
لكنها لا تنتهي بالفقد التام، بل بطمأنينة خفية توحي بأن البحث لم يكن عبثًا، وأن اللقاء قد تم في مستوى آخر من الوجود.
تختم الكاتبة نصها بعبارة ترتفع بالقصة من الواقعي إلى الأسطوري، ومن الحزن إلى العشق الكوني:
"إيزيس ستعتني بك بعد أن وجدتك .."
إنها العودة إلى الأصل، إلى الأم الكبرى التي ترعى أبناءها في كل زمنٍ ومكان.
هكذا تتحول القصة من حكاية امرأة تبحث عن زوجها، إلى أنشودة خلاصٍ روحي تتغنّى بالحبّ بوصفه قوة بعثٍ لا تموت.
أسلوب الكاتبة ينهض على لغة شعرية شفيفة تتنفس بالرمز، دون أن تنفصل عن نبض الواقع.
فالقطار يسير في صعيد مصر، لكن روحه تعبر الزمن إلى معابد طيبة، وإلى ضفاف النيل القديمة، حيث وُلدت الأسطورة أول مرة.
"إيزيس" نصّ عن المرأة التي تبحث عن معناها في وجه الغياب،
عن الإيمان الذي يتحدى العدم،
عن الرحلة التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد في داخلنا.
إنه نصّ يذكّرنا بأن الحبّ، كالإلهة إيزيس، لا يموت،
بل يظلّ يجمع أشلاءنا المتناثرة ليعيدنا إلى الحياة كل مرةٍ من رمادنا.
تحية تقدير للأديبة سمية عبد المنعم، التي استطاعت أن تمزج الأسطورة بالواقع،
والوجدان بالفكر،
والأنوثة بالأبدية،
في قصةٍ قصيرةٍ تكشف عمق الروح، وتمدّ يدها إلينا جميعًا لتقول:
"لا يزال في القلب ما يستحق للحياة "
*******
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: إبداعات الشباب
إقرأ أيضاً:
"الطيبات" في عالم الشرور!
مدرين المكتومية
في خضم ما يعتري عالمنا من تطورات وأحداث، نجد أنفسنا نعيش في منظومة تقيس حياتك بالكم، مقاييس تختلف عن السابق، تقيس طريقتك في العيش، والروتين الذي تتبعه، والأطعمة والمطاعم التي ترتادها، واهتماماتك الشخصية التي قد تعجب فئة معينة وقد لا تعجب آخرين، ولأننا نحيا في عالم كبير وشاسع، فقد أصبح الناس -دون شعور- يتعاملون ويطبقون الكثير من الأنظمة الغذائية التي نجحت مع غيرهم، لكنها ربما تفشل معهم، إذ إن لكل شخص طريقته وطبيعة تفكير وحياة تختلف عن غيره، فما ستنجح فيه فئة، من المحتمل أن تفشل فيه فئة أخرى!
وفي السنوات الأخيرة ارتفعت الأصوات نحو اتباع أنظمة الحمية الغذائية التي شغلت المشهد بصورة كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فبمجرد انتشار نظام جديد يُصبح هو الحديث الأساسي والاهتمام الوحيد، ونبدأ سماع قصص وتجارب الآخرين الناجحة، التي لا تعدو أن تكون "شخصية"، ونضع خطين تحت كلمة شخصية، أي إنها قد تتلاءم مع شخص، وقد لا تناسب طبيعة وتكوين جسم شخص آخر.
ما دعاني لأكتب عن هذا الموضوع هو ما نراه اليوم، وما يمكن أن نطلق عليه الموجات المتلاحقة، فبعد أنظمة غذائية كثيرة، يظهر لنا نظام جديد ليكتسح الساحة يسمى بـ"نظام الطيبات"، الذي أصبح حديث الساعة ونال اهتمام شرائح مختلفة في المجتمعات، خاصة ممن يبحثون عن الرشاقة وتحسين جودة الحياة، إضافة إلى الصحة بطبيعة الحال. ولا يمكن أن نكون سلبيين ونُنكر أن بعض هذه الأنظمة قد تحمل أفكارًا إيجابية تستحق النظر إليها بعين الاعتبار، خصوصًا تلك التي تطلب منا الابتعاد عن الأغذية المصنعة وتقليل الاعتماد عليها لما تحتويه من إضافات كيميائية ومواد حافظة، خاصة أن كثرة التوسع في الطلب على الصناعات الغذائية جعلت هذه المصانع تنتج بصورة كبيرة وباستخدام مواد مختلفة ليتناسب ذلك مع حجم الطلب، وهو ما جعل مثل نظام الطيبات وغيره من الأنظمة الأخرى فرصة لإعادة النظر والتعرف على طريقة هذه الأغذية، وبالتالي خلقت وعيًا بمكونات ما يتناوله الناس، وأشغلتهم بالتفكير في الأطعمة الطبيعية والأقل معالجة وتدخلًا، وهذه النقطة تعد الأهم في كل ذلك، وهي أنها منحتنا التفكير في البحث عن بدائل طبيعية، لأن الأطعمة الصحية تظل أهم سبل الوقاية من الكثير من الأمراض والنكسات.
لكننا أيضًا نعيش تحت وطأة إشكالية صعبة، خاصة وأننا نتخذ من الكثير من هذه الأنظمة نمطًا للحياة، ونسير خلف ما يسمى بـ"الترند"، وهو ليس أمرًا سلبيًا في مجمله، لكنه أيضًا يحتاج إلى فهم علمي؛ فالجسم البشري ليس قالبًا أو شكلًا أو طبيعة واحدة، فكل شخص منا له ما يناسبه، وعليه ترك ما لا يتناسب معه، فالاحتياجات الغذائية لكل شخص تختلف بحسب الحالة الصحية والعمر، وأيضًا بحسب العوامل الوراثية والنشاط البدني الذي يتميز به، وبالتالي فإن تعميم نظام معين على أنه المناسب للجميع يعد تبسيطًا مفرطًا للمسألة. فمثلًا أوضح نظام الطيبات فكرة المواد المُعالَجة في الأطعمة، وأوضح أيضًا فكرة المواد الكيميائية والتصنيع، وهو أمر مقبول ومحمود بالطبع، ولكنه أيضًا جعل الكثير من الأشخاص يركزون على أنواع من السكريات التي يُنظر إليها على أنها طبيعية، ورغم أن ذلك قد يبدو مقبولًا في بعض الأحيان، إلا أن الإفراط في تناول السكر بكثرة يظل مصدر قلق صحي ومثبتًا علميًا بغض النظر عن مصادره الطبيعية، فالصحة تقوم بالدرجة الأولى على الوعي العلمي والتوازن والاعتدال في كل شيء.
لذلك تأتي الأهمية بعدم التسليم والرضوخ لكل ما يتم تداوله بأنه شيء مطلق وحقيقة لا خلاف عليها، فالنتائج الإيجابية التي يحققها شخص قد يرفضها جسم شخص آخر، وبالتالي قد تعود عليه بالسلب، وليس كل ما نراه ونسمع عنه ويظهر لنا عبر شاشات هواتفنا وفي مواقع التواصل الاجتماعي يستند بالضرورة إلى أسس علمية معمول بها، فما علينا العمل به هو أن نطّلع ويكون لدينا قراءة واعية وفهم لطبيعة أجسامنا وما تحتاج إليه قبل أن نخطو أي خطوة قد تغير نمط حياتنا بالفعل، ولكنها قد تسهم في تدهورها على المدى البعيد.
صحيحٌ أن السعي للصحة وامتلاك أجسام مثالية واتباع أنظمة حياتية يعد هدفًا مشروعًا، ولكن الطريق لا يأتي بتقليد الآخرين، أو الانخراط معهم في كل ما هو جديد يكتسح الساحة، فلكل منا خصوصيته الصحية، واتباع الأنظمة التي تتناسب مع طبيعة كل جسم وقدرته على التكيف مع نظام وروتين غذائي بعينه، لذلك تبقى القاعدة الفعلية والأساسية والأهم هي أن كل منا يعلم ويعرف ويمتلك الوعي الكامل بأهمية التوازن في كل شيء، فكما قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
رابط مختصر