القاضي الفاضل.. رجل حرر صلاح الدين القدس بقلمه
تاريخ النشر: 31st, October 2025 GMT
القاضي الفاضل هو الرجل الثاني في دولة صلاح الدين الأيوبي، ولد عام 1135م وتوفي عام 1200م، تميزت شخصيته بالذكاء الحاد والدهاء، مما مكّنه من الوصول إلى أعلى المراتب الإدارية في الدولة عندما فتح صلاح الدين القدس.
وعندما حرر صلاح الدين فلسطين من الاحتلال الصليبي قال لجيشه "لا تظنوا أني فتحت القدس بسيوفكم، بل فتحتها بقلم القاضي الفاضل".
اعتمد عليه صلاح الدين في تدبير دولته وتجهيز جيوشه وتأمين رعاياه، وفي مفاوضاته مع رجالات عصره، وتربية أبنائه وتدريسهم، وتعيين موظفي دولته.
المولد والنشأةهو عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي الشامي، المكنى بـ"أبو علي" والمعروف "بالقاضي الفاضل"، ولد في مدينة عسقلان شمال غزة في فلسطين عام 529هـ/ 1135م.
أطلق عليه المؤرخون لقبين يمثلان دوره في دولة صلاح الدين، فأشار البعض إليه بمحيي الدين لأنه ساعد صلاح الدين في القضاء على الدولة الفاطمية وإحياء السنة في مصر، كما لقب بـ"مجير الدين" لوقوفه إلى جانب صلاح الدين في تحرير الأراضي المقدسة، وقد حصل أيضا على لقب "القاضي الفاضل" لعلمه في الإدارة المصرية.
الدراسة والتكويننشأ القاضي الفاضل في بيئة راسخة في العلم، وهو سليل عائلة توارثت القضاء أبا عن جد، فكان واسع الاطلاع منذ صغره، ودرس القرآن والحديث وديوان الحماسة، وغيرها من العلوم، في جوامع مدينة عسقلان، التي كانت موئلا للفقهاء من فلسطين ومن خارجها.
درس فنون الأدب وتفسير القرآن، وكان يحفظ الكثير من أشعار العرب وأقوالهم، ولا سيما أشعار المتنبي. وكان في كل عمل من أعماله الأدبية يبتكر شيئا جديدا من مخزونه الثقافي الواسع.
الوظائف والمسؤولياتعمل القاضي الفاضل في الإدارة المصرية بالإسكندرية والقاهرة في الفترة 1154-1169م، ولأنه كان يحب الكتابة، فقد قصد مصر ليشتغل بالأدب، وقد برع فيه ونظم الشعر وكتب المراسلات، ثم عمل في ديوان الإنشاء وظل يتدرج فيه إلى أن تولى رئاسته.
عاصر القاضي الفاضل فترة حكم الدولة الفاطمية، فخدم في ديوان الجيش وأصبح المشرف الإداري لجيوش الوزير.
ولما ملك أسد الدين شيركوه وزارة مصر أعجب به وبدينه فجعله كاتبا له، ثم بعد ذلك استخلصه السلطان صلاح الدين لنفسه، إلى أن أصبح وزيرا مرموقا في دولته عام 567هـ/1171م.
دور القاضي الفاضل في دولة صلاح الدينعمل القاضي الفاضل كاتبا ووزيرا للسلطان الناصر صلاح الدين، وترقى في منزلته عنده، حتى إنه كان صاحبه ومشيره ونائبا عنه في الحكم، وبعد وفاة صلاح الدين استمر على ما كان عليه في المكانة والرفعة عند سلاطين الدولة الأيوبية حتى وفاته.
إعلانوقد شهد صلاح الدين بالتأثير الفكري والإداري البارز للقاضي الفاضل عليه، وبدوره في استرداد الأراضي المقدسة.
كما كان للقاضي الفاضل دورٌ بالغ الأهمية أثناء حصار الصليبيين مدينة عكَّا، فقد كان موجودا بمصر آنذاك يدبِّر شؤونها نيابة عن صلاح الدين، وكان من خلال موقعه هذا يرتّب للسلطان أموره من تجهيز العساكر وتعمير الأسطول وحمل المال، وكان السلطان يكاتبه في مهماته.
وتواصلت مكاتباته إلى صلاح الدين أثناء حصار الصليبيين عكَّا، وحاول التخفيف من صعوبة هذا الحصار، ومشاركة صلاح الدين أحزانه وآماله، فكان يشجّعه ويحثّه على الصبر، ويقوّي من عزيمته لمواصلة الجهاد وعدم اليأس ويدعوه إلى التمسّك بالأمل في نصر الله.
وقد شهد المؤرخون أيضا بدور القاضي الفاضل في الجهاد وطرد الغزاة، إذ كان يلم بكل صغيرة وكبيرة في الجيش بحكم علاقة ديوان الإنشاء بديوان الجيش، وكان يسهم في إعداد الخطط الحربية، ويشرف على تمويل الجيش والأسطول وتزويدهما وتجهيزهما.
إعادة التنظيم الإداري بمصرشرع القاضي الفاضل في تنفيذ مخطط قلب نظام الحكم الفاطمي بالتخلص من أصحاب الدواوين والكتاب الموالين للفاطميين، وكان بحكم عمله في الدواوين على علم برجالات الدولة وكتابها، وبولاءاتهم السياسية وميولهم المذهبية.
وقد صاحب بعضا منهم وعادى أو نافس آخرين، وواتته الفرصة للتخلص ممن يستطيع التخلص منه، فأنهى خدمات عدد كبير من الكتاب الإسماعيليين والمسيحيين واليهود وغيرهم، خوفا من أن يتآمروا مع فلول الدولة الفاطمية، أو أن يتصلوا بالفرنج باسم الدواوين التي يعملون فيها.
كما كانت هناك حاجة إلى ثورة ثقافية يتم من خلالها إعادة مصر إلى المذهب السني بالتدريج، فبدأ مع صلاح الدين بتأسيس عدد من المدارس على المذاهب الأربعة للمحافظة على السنة.
كانت هذه المدارس بداية حركة بنائية سنية، وبدأ الفاضل بالقضاء نهائيا على شعائر الخلافة الفاطمية في مصر، وكانت لديه قدرة مميزة لمعرفة جوانب الضعف لدى النظام الشيعي الفاطمي.
كانت رسائل القاضي الفاضل كثيرة، وكتبه عظيمة، ومن أبرز ما بقي منها:
الدر النظيم من ترسل عبد الرحيم، حققه الدكتور أحمد البدوي. رسائل عن الحرب والسلم، حققه الدكتور محمد نغش. الفاضل من كلام الفاضل، مخطوط، دار الكتب المصرية. الرسائل الأدبية للقاضي الفاضل، مخطوط مكتبة الأزهر. الرسائل الحجازية، مخطوط في الفاتيكان.وله رسائل حول موضوعات مختلفة محفوظة في مكتبات جامعة لندن وكمبردج والمتحف البريطاني وميونخ، بالإضافة إلى الرسائل الموجودة في دار بغداد للمخطوطات.
أنشأ القاضي الفاضل في القاهرة إلى جانب داره مدرسة سميت نسبة إليه بالمدرسة "الفاضلية" عام 580هـ/1184م، ووقفها على الشافعية والمالكية، وخصص إحدى قاعاتها لإقراء القرآن الكريم وتعليم علم القراءات.
وفاتهتوفي القاضي الفاضل سنة 596هـ/1200م وعمره 70 عاما. وقال العماد الأصفهاني ناعيا إياه "وتمت في هذه السنة الرزية الكبرى والبلية العظمى وفجيعة أهل الفضل بالدين والدنيا، وذلك بانتقال القاضي الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء".
إعلانثم علق العماد على وفاته بقوله "ومضى شهيدا حميدا، فكانت له بسيد الأولين والآخرين أسوة، فلم يبق في مدة حياته عملا صالحا إلا وقدمه ولا عهدا في الجنة إلا أحكمه، ولا عقدا في البر إلا أبرمه".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات صلاح الدین
إقرأ أيضاً:
«محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» تطلق «الدليل إلى فلسفة الدين»
أبوظبي (وام)
أطلقت «جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» موسوعة «الدليل إلى فلسفة الدين» في 3 أجزاء، ضمن مشروع معرفي يُعيد قراءة العلاقة بين الدين والعقل والإيمان، ويقدم فلسفة الدين بوصفها مساحة فاعلة للتأمل والحوار حول الأسئلة الكبرى المرتبطة بالإنسان والحقيقة والوجود والمعنى.
يأتي ذلك في إطار رؤية الجامعة الرامية إلى ترسيخ الدراسات الإنسانية وتعزيز التفكير الفلسفي الرصين.
وفي هذا الصدد، نظمت الجامعة ندوة ثقافية استضافت مشرفي ومحرري الموسوعة لمناقشة هذا المشروع المعرفي وهم الدكتور رضوان السيد، عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة، والدكتور فتحي إنقزو، عضو الهيئة التدريسية، والدكتور عبدالله السيد ولد أباه، مستشار البحوث العلمية بالجامعة.
وأكد الباحثون في الندوة أن هذا الدليل لا يكتفي بتقديم معالجة أكاديمية لفلسفة الدين، بل يتفتح على أحد أكثر الحقول الفكرية تعقيداً، حيث تتقاطع أسئلة الإيمان مع العقل، والميتافيزيقا مع التجربة الإنسانية، والدين مع قضايا المعنى والحقيقة والحرية والوعي.
ثلاثة مجلدات
وتناولت الحلقة النقاشية عرض المجلدات الثلاثة للموسوعة انطلاقاً من المجلد الأول «مفاهيم ومقاربات»، وهو الأساس النظري لهذا المشروع، والذي يتناول أبرز الإشكاليات والمفاهيم المؤسسة لفلسفة الدين. أما المجلد الثاني «أعمال ومصنفات»، فينتقل من مستوى المفاهيم إلى النصوص التي صنعت التحولات الكبرى. ويأتي المجلد الثالث «وجوه وأعلام» ليفتح نافذةً على العقول التي أعادت تشكيل التفكير.
وأكد الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن إطلاق موسوعة «الدليل إلى فلسفة الدين» يمثل امتداداً لرؤية الجامعة في إنتاج معرفة إنسانية رصينة تُعيد الاعتبار للأسئلة الكبرى التي شكّلت وعي الإنسان، وتُسهم في تعزيز القدرة على قراءة وفهم التحولات الثقافية والفلسفية بعمق واتزان، انطلاقاً من إيمانها بأن المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحولات هي تلك التي تستثمر في العقل والمعرفة وبناء الإنسان.