هل آن أوان التدخل الدولي تحت الفصل السابع؟!

فتحي الضَّو

بُعيد اندلاع الحرب منتصف أبريل الماضي ودخولها الشهر الثاني، شاركتُ في ندوة إسفيرية حول أسبابها وتداعياتها. وقد سُئلت – في ذات السياق – عن رؤيتي للحل؟ فقلت اختصاراً ودونما تلجلج أو مُواربة: لا مناص بعدئذٍ من التدخل الدولي تحت الفصل السابع، وكنت أعلم أن بعض الكلاسيكيين الأوفياء لأيديولوجياتهم سيستنكفون قولي، لا سيَّما الذين يعلمون منهم أن القائل أفنى عمراً وهو يدعوا للابتعاد عن مثل هاتيك الخيارات، حفاظاً على ما نسميه (السيادة الوطنية) غير أنه فيما نحن بصدده حول ذات الموضوع، لدي من الأسباب ما جعلني متصالحاً مع دعوتي في بضع نقاط:

أولاً: بعد تأمل كشف لي المنزلق الذي نحن فيه سائرون، بت أكثر قناعة أن رابطة الدم ينبغي أن تكون أثقل من السيادة الوطنية، بل ويشمل ذلك حتى العقيدة الدينية، خاصة أن النصوص القرآنية والنبوية نفسها، بلغتا درجة من التشدد في إزهاق الروح، تكاد تهتز لها السموات والأرضين.

ونحن نهدي ذلك إلى الذين ولغوا في الدم الحرام من جماعة الهوس الديني من الإسلامويين.

ثانياً: على الرغم من فظاعة الحرب وكارثيتها، بدا أن التفاعل الدولي معها يسير ببطء إن لم يكن معدوماً. فليس هناك ثمة مبادرات تُذكر للحل سوى الجهود الضئيلة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والتي أُطلق عليها خطلاً مُصطلح (مُبادرة) وما هي بذلك، إذ إن غاية جهودهما انحصرت في اقناع الطرفين بالتوقيع على هدنٍ هشة من حين لآخر (بلغت أكثر من عشر) ولم يجرؤ أي من الطرفين على تقديم وسيلة من وسائل الضغط التي تُليِّن مواقف المُتعنتين، في حين أننا نعلم إمكانية ذلك منفردين أو مجتمعين. وإزاء هذا العجز يصبح اللجوء للتدخل الدولي أمراً حتمياً من أجل الوطن ومواطنيه.

ثالثاً: على الرُغم من أننا في السودان خبرنا الحروب وبؤسها، إلا أن الحرب الراهنة تعتبر حرباً (نوعية) وذلك بالنظر لاندلاعها في (الخرطوم). وليس لأنها العاصمة فحسب، بل لأنها تجتمع فيها كل متناقضات السودان، إذ يتعايش الغنى والفقر، ويتساكن العلم والجهل، وتتمازج الحداثة والتراث، وقد لاذ بها نصف سكان القطر وأصبحت القلب النابض والجسد الذي تمددت في أرجائه فسيفساء القوميات السودانية، وتُعد كل هذه العوامل وقوداً لحرب أهلية طاحنة، ستكون فيها الدولة المتبقية التي نعرف حدود إمكاناتها أضعف من جناح بعوضة لن تصمد إذا ما زاد أوارها وتطاير شرارها.

رابعاً: يمكن القول – بلا جدال – إن البند أعلاه يعزز فرضية تدخل المجتمع الدولي عنوةً بموجب الفصل السابع، طبقاً لمواثيق الأمم المتحدة في حماية المدنيين وتهديد الأمن والسلم الدوليين ووقوع العدوان. وكل هذه فرضيات يتضاعف بروزها في حالة السودان الذي يشكو وتشكو الدول المحيطة به هشاشةً في الأوضاع الأمنية، ويُعقِّد من الوضع نفسه التداخل القبلي والعرقي والإثني مع تلك الدول.

خامساً: يعتبر السودان بلداً فقيراً رغم موارده الضخمة، ولعل المتاح منها أنهكته الأنظمة الديكتاتورية. والمعروف أن موقعه الجيوستراتيجي هذا جعله محَط أطماع دول قريبة وبعيدة، وقد جاءت الحرب الراهنة لتقضي على ما تبقى من موارده ودمار بنيته التحتية، الأمر الذي جعله لقمة سائغة لكل من أضمر حياله غرضاً. يفاقم من ذلك غياب الدولة الوطنية وقد أصبحت حكومة الانقلاب جزء من الأزمة، إن لم تكن كل الأزمة. وغني عن القول إن هذه العوامل تُرجح ضرورة طلب الحماية الدولية تحت الفصل السابع.

سادساً: إن مفهوم السيادة الوطنية بمعناه المعروف ينحصر في الحفاظ على الدولة الوطنية بحدودها الإدارية المعترف بها دولياً. وطبقاً لهذ المعنى فالقوات الأممية ليست دولة بعينها حتى تنطبق عليها محاذير انتهاك السيادة الوطنية. إذن فالفارق الجوهري يشير إلى أن القوة الدولية التي تدخل بلداً ما من أجل حفظ السلام هي قوة متعددة الجنسيات، وليست بلداً بعينه حتى يقال إنها من انتهكت سيادة الدولة المعنية.

سابعاً: علاوة على ما تقدم أعلاه، فالمعروف أن العالم ليس غابة تسرح فها الضباع بلا رقيب أوعتيد. صحيح أن هناك عابثين ومُغامرين، ولكنهم دفعوا ثمناً باهظاً جراء خطاياهم. ونضرب في ذلك مثلاً بغزو صدام حسين للكويت في العام 1990م وهي المغامرة التي ما يزال العراق يتجرع مراراتها. وعلى عكس ذلك لن نجد حكومة بكامل رُشدها في هذا العالم الرحيب، تدعو دولة أخرى لانتهاك سيادتها. فهل يمكن ترك الحبل على الغارب لكيان مثل الهيئة الأممية التي تنهي عن خلق لكي تأتي بمثله؟

ثامناً: لعل أكثر ما يزيد أوجاع القلب غياب المُكوِّن السياسي المدني عن المشهد العام منذ اندلاع الحرب. فقد لوحظ تزامناً مع تداعيات الأحداث تشتت المُكوِّن السياسي شذراً مذراً وترك الساحة خاوية على عروشها، بالطبع لم يكن مطلوباً من أحد أن يحمل (كلاشنكوف) ويدخل ميدان المعركة، فذلك ليس منظوراً ولا مرتجىً ولا يسنده منطق، لكن كان المطلوب على الأقل تواصل الحد الأدنى والمشاركة الوجدانية. أما وقد حدث ما حدث ففي غياب أهل الدار يجوز (للضيوف) أن يتقمصوا دور رب المنزل!

تاسعاً: لا يظنن أحدٌ من الناس أن خيار التدخل الدولي سيكون خياراً سهلاً يمر بسهولة شرب جرعة ما، بل سيواجه بالرفض المعتاد من قِبل روسيا والصين، وذلك ما دأبا عليه منذ أباطيل النظام البائد. والحقيقة هذه الملاحظة أثارها السفير الدكتور نور الدين ستاي في التعقيب على مقترحنا أعلاه في الندوة المشار إليها. وقلنا تعقيباً إن البلدين المذكورين لم ينبسا ببنت شفة حينما تم تمرير قرار البعثة الأممية الأولى (اليوناميد) حيث هبطت جحافل القوات بنحو أربعين ألف جندي من أصحاب الخوذات الزرقاء، رغم القسم الكذوب للمشير المخلوع. بناءً عليه ليس هناك ما يدعو للتحسب من مواقف الدولتين الناشزتين، حيث إن المتوقع أن تسود لغة المصالح الدولية.

عاشراً: اتساقاً مع أعلاه نقول من المنظور – في ظل بعض المعطيات – إن خيار التدخل الدولي سيكون جبراً في حال حدوث تدهور سريع للأوضاع الأمنية وبروز تعنتات. وقد بات واضحاً أن الحرب التي تبارينا في وصفها بشتى النعوت، واكتفينا بمتابعة تراجيديتها كأننا نشاهد مباراة في كرة القدم، قد اتسعت رقعتها وعادت مجدداً إلى دارفور، بل بصورة أشد شراسة في القتل والترويع والدمار.

صفوة القول إن كاتب هذا المقال يعلم تماماً أبعاد تجربتنا مع الفصل السابع والتي قد لا تشجع على التكرار، ولكننا نتأسى بالمثل السوداني الدارج (لا يجبرك على المُر إلا الأمرْ منه) كما نعلم حجم الفساد الذي يعشعش في أركان الهيئة الأممية، بل (ولا يُنبِّئك مِثل خبِيرِ) فقد أغنتنا عن معرفة كواليسها الخبيرة الأممية الدكتورة عائشة البصري في استقالتها الشهيرة التي أنهت بها عملها من البعثة، والتي ضربت بها مثلاً أخلاقياً في الانحياز للقيم الإنسانية النبيلة وفقراء أهل السودان. وعليه لسنا مهمومين بالتنقيب عن مزيد من المثالب بقدر ما معنيين بكيفية وقف الدمار الذي حاق بالوطن، فربما يكون الفصل السابع بمثابة أبغض الحلال الذي لا مفر منه!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!

تعقيب:

نُشر هذا المقال منذ نحو عامين ونصف تقريباً وتحديداً يوم 20/6/2023م وكانت الحرب في بداياتها. لم يكن الدمار والقتل قد بلغ المدى الذي نعيشه الآن في كتاب مفتوح. ومنذاك الوقت وحتى يومنا هذا تمنيت أن يكذبني الواقع ويتبرأ مني حدسي. لكن يا للأسف العميق ازداد الوضع سوءاً، حيث فقدنا أرواحاً عزيزة لا يدري أحد عددها، وحاق بمواردنا دمار رهيب، ووصل النزوح واللجوء إلى أعلى معدلاته العالمية، بتقديرات الأمم المتحدة، ليصبح الأعلى في العالم. (وآل بوربون لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً)! وسلام على الوطن المُسجى بالدموع !!

[email protected]

الوسومالتدخل الدولي الديمقراطية السودان الفصل السابع فتحي الضو

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: التدخل الدولي الديمقراطية السودان الفصل السابع فتحي الضو تحت الفصل السابع السیادة الوطنیة التدخل الدولی

إقرأ أيضاً:

توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي

أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.

وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.

وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.

وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.

وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.

وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • مترو الجزائر يعلن عن تمرين لتقييم جاهزية فرق التدخل بمحطة عيسات إدير
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • إضراب المحامين وتعطل المحاكم.. وسيط المملكة يضع حدود التدخل
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش