تقول سيمون دي بوفوار "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك".. في إطار هذه المقولة المحورية، ترفض الفلسفة النسوية ربط التجربة الإنسانية بتجربة الرجل فقط، وتسعى لتحرير المرأة من هيمنة الفكر الذكوري.

وقد كان لهذه الفلسفة دوافع تاريخية عميقة في الحضارة الغربية، أبرزها التفسيرات المسيحية والأرسطية التي صورت المرأة ككائن جسدي غير عقلاني، و"ذكَر مشوه"، وجعلتها مسؤولة عن خطيئة آدم.

هذه النظرة الدونية، التي عززتها آراء فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وديكارت وروسو، أدت إلى اعتقاد المرأة الغربية بأن الدين هو العائق الأكبر أمام حريتها، مما دفعها إلى التمرد على الميتافيزيقا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2العدالة الانتقالية في ضوء الشريعة.. رؤية تأصيليةlist 2 of 2العبودية الناعمة ووهم الحرية في عصر العلمنة الحديثend of list

وكرد فعل على هذه المرجعيات الفكرية، أعلنت سيمون دي بوفوار أن على المرأة أن تتخلى عن الأنوثة والأمومة والزواج، لأنها رموز لقيودها، فخرجت المرأة من مجالها الخاص إلى العام في صراع أحادي مع الرجل.

وقد تطور هذا الصراع إلى أن تحولَ إلى تيار راديكالي يرى أن البنى الاجتماعية متحيزة إلى الذكور ويجب إعادة صياغتها لتتوافق مع رؤية المرأة. وقد وصل هذا الصراع إلى مرحلة متقدمة من خلال مفهوم "الجندر"، الذي يرى أن الاختلافات بين الجنسين هي نتاج اجتماعي وثقافي، وليست ذات مصدر بيولوجي، مما يكرس فكرة تحرر المرأة من طبيعتها الفطرية.

وهنا يرى مفكرون، مثل المفكر عبد الوهاب المسيري، أنّ "النسوية" ليست مجرد حركة لتحرير المرأة، بل نتاج لتحوّل عميق في الفكر الغربي. وعليه يعتبر المسيري أن مصدر هذا التحول هو الابتعاد عن المرجعيات الأخلاقية والدينية المتسامية، وصولًا إلى "الحلولية الكمونية المادية"، حيث يصبح الإنسان مرجعية ذاته مكتفيا بها.

انطلاقا من هذه المنظومة، تنتقل الحقيقة من كونها مبدأ متعاليًا إلى كونها كامنة في الإنسان نفسه، مما يؤدي إلى صراع داخلي وخارجي. هذا التحول ينتج عنه عالم صراعي ثنائي، ينقسم فيه البشر إلى "جلاد وضحية" و"قاتل ومقتول". وفي مثل هذا العالم، تتحول النسوية إلى حركة تتركز فيها المرأة حول ذاتها، وترفض أي إطار اجتماعي أو علاقة تكاملية مع الرجل، مما يؤدي إلى عداء مستمر بدلاً من التحرر الحقيقي.

إعلان

تبرز فكرة "الجندر" كخطوة متقدمة في هذا الصراع، حيث تحاول الأنثى تجاوز العائق البيولوجي (الجنس) من خلال مفهوم اجتماعي جديد.

وعليه تستضيف الجزيرة نت الفيلسوفة الجزائرية الدكتورة نورة بوحناش، أستاذة الفلسفة بجامعة قسنطينة، للتعمق في فهم التحديات المعقدة التي تواجه الأسرة، والأخلاق، ووضع المرأة في العصر الحديث.

وتشتهر الدكتورة بوحناش بجمعها في مؤلفاتها بين الفكر الفلسفي والدرس الأصولي والمقاصدي، ومن أبرز أعمالها "الاجتهاد وجدل الحداثة"، و"مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي"، و"الأخلاق والرهانات الإنسانية".

في حوارها مع الجزيرة نت، ترى الدكتورة نورة بوحناش أن الأخلاق سابقة على الدين، إذ هي فطرة متأصلة في الإنسان، ضمن قراءة موصولة بفكرة فلسفية قديمة، فقد نظر سقراط إلى الفضيلة فوجدها تذكرا متأصلا في النفس الإنسانية، ففي انكشاف لعالم المثل تتبدى الأخلاق في مقام فوقي متعالٍ يدلل على وجودها قبل الواقع .

هناك إذن إشكال حول الصلة بين الأخلاق والدين في مسألة الأسبقية والعلاقة الانصهارية، وفي هذا السياق تؤكد الدكتورة نورة بوحناش أن الدين برنامج إجرائي يكشف القيم الأخلاقية ويمدها بالصلابة والقوة، ممدًّا إياها بالأسس عبر قاعدتين:

الأولى، تكون بتقديم مرجعية ميتافيزيقية تمنح الأفعال الأخلاقية تبريرًا ومعنى يتجاوز الحال من أجل المآل، وهو الإجراء الضروري لتجاوز محنة العدمية والانفتاح على الأمل بضرب من الأنطولوجيا التي تعبّئ الوجود بالقيمة. أما القاعدة الثانية، فتكون بتزويد الإنسان بآليات وضوابط عملية مستمدة في الإسلام من القرآن والسنة، توجه سلوك الإنسان وتمنعه من التيه والتشرذم. وهنا تشير الدكتورة نورة إلى أن الانهيارات السلوكية في المجتمعات المعاصرة ناتجة عن غياب هذا الأفق الميتافيزيقي والضوابط السلوكية التي ترسم السبيل. في كتاب "الاجتهاد وجدل الحداثة"، تناولت الدكتورة نورة بوحناش طبيعة الفقيه في العالم الإسلامي (الجزيرة)

أما عن علاقة الأخلاق بالدين في سياق الواقع الإسلامي، فترى الدكتورة بوحناش في حوارها مع الجزيرة نت أن المسلمين اليوم يحيون علمانية مشوهة، فهم يفصلون في ممارساتهم الدينية بين الدين وحسن الخلق، ليختاروا منه ما يخدم مصالحهم الدنيوية فيحتالون على الأحكام، مما جعل تدينهم زائفًا، بينما يكون المقصد الأسنى للشريعة هو حسن الخلق.. إنه الغاية النهائية للرسالة المحمدية، ذلك أن الدين والأخلاق صنوان لا ينفصلان في الإسلام.

ولعل هذا الفصل بين الدين والأخلاق هو ما أدى بالمسلمين إلى التعصب والتطرف الذي أفقدهم حلاوة الإيمان الموصول بالأخلاق الحسنة، وعليه تؤكد الدكتورة نورة أن مظاهر التطرف الديني اليوم في الفضاءات الإسلامية دليل ناجز على انحراف التدين عن مساره السليم، وتكون العودة إلى التساكن الديني الأخلاقي هي سبيل تصحيح هذا الانحراف.

وعليه تستشهد الدكتورة نورة بضعف الأخلاق في المجتمعات العربية الإسلامية كدليل على ابتعادها عن النموذج الإسلامي الأصيل وتبنيها للنموذج الغربي الاستهلاكي.

إعلان

أما فيما يخص وضعية الأسرة المسلمة عبر مسارات التغيير الذي فرضته الصيغة الشمولية للحداثة، فترى الدكتورة نورة أن مجتمعاتنا عاشت تحديثًا قسريًا أدى إلى تفكك الأسرة التقليدية التي كانت قائمة على التراحم والترابط. فمع تفكك المجتمع العربي الإسلامي تحت ضغط التحديث القسري، ظهرت الأسرة النووية واستتبت كبنية مجتمعية بديلة، وهي تُعد نسخة من الأسرة الغربية لكن بغطاء ديني حافظ على الميثاق الغليظ ظاهرا، وفقد مضامينه الروحية والأخلاقية، فكان خاويا من المعنى.

من جهة أخرى، تستدعي حالة الأسرة التقليدية في المجتمع الإسلامي الفحص والمعاينة، للبحث في الأسباب التي أدت إلى تفككها واندثارها، إذ تفتقد الكينونة الذاتية لهذه الأسرة تلك القيمة الإنسانية التي تبني العلاقات البشرية على القسط، ونعني بها قيمة العدالة بوصفها قاعدة للحق.

فالأسرة التقليدية في العالم الإسلامي عينة من المنظور القبلي الذي كرس استعباد المرأة وجذر الهيمنة الذكورية، بل إن علو الذكر وانمحاء الأنثى قد أحدث اختلالا سوسيولوجيا خطيرا.

لقد أدى هذا الوضع إلى اختلال في الحقوق والواجبات، تبعه رضوخ المجتمعات الإسلامية للنموذج الغربي، الذي تحيا فيه الأسرة حالة اغتراب، حيث فكك أواصرها النظام الرأسمالي والليبرالي الذي يحوّل العلاقات إلى عقود مدنية قائمة على تبادل المنافع، لا على المودة والرحمة.

أما عن دور المرأة في هذا التفكك، فتشير الدكتورة نورة بوحناش إلى أن المرأة في العالم الإسلامي تحيا الازدواجية، فقد عانت من سلب لحقوقها بسبب الهيمنة الذكورية، فاندفعت باحثة عن الخلاص الذي وجدته في الخطاب النسوي الغربي فسارعت إلى تبنيه، وقد دفعها هذا الخطاب إلى تقمص النواة الفكرية للنسوية الغربية، تلك التي تسعى للتماهي مع الذكورة بدلاً من المطالبة بحقوقها كأنثى.

وهنا انفتح الصراع بين الذكورة والأنوثة في أفق الفكرة في الفضاء الإسلامي، مما أدى إلى ظهور النسوية الإسلامية التي تحاول التوفيق بين النموذجين، لكنها في النهاية تنتج نموذجًا صراعيًا يذوب في النموذج الغربي، مما يهدد كيان الأسرة، فهذه النسوية تقرأ النصوص الشرعية لصالح الخطاب النسوي الغربي.

وفي ختام حوارها مع الجزيرة نت، شددت الدكتورة بوحناش على أن أزمتنا الحقيقية هي أزمة بناء الإنسان، الذي أصبح مستهلكًا للتكنولوجيا دون وعي، مما يجعله فريسة سهلة للفردانية والاستهلاك، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطرًا يساهم في تفكيك الأسرة من خلال عزل أفرادها عن بعضهم البعض، لتؤكد أن الحل يكمن في بناء الإنسان على منظومة قيمية وأخلاقية راسخة، تمكنه من التحكم في التكنولوجيا واستخدامها لصالحه، حيث إنَّ الإنسان جوهر أساسي في بناء الحضارة وتخلفها.

نورة بوحناش: الإنسان دون هداية أخلاقية من دين قويم، سيضل طريقه ويبقى تائهاً، حتى لو كانت أخلاقه قائمة على مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان والتنوير (الجزيرة)

فإلى الحوار:

ما طبيعة التحول القسري الذي عاشته مجتمعاتنا نحو الأسرة النووية؟ وهل كانت الأسرة التقليدية بالفعل مصدرًا للقيم والأخلاق، أم أن الحنين إلى الماضي يصورها كنموذج مثالي، بينما الواقع كان مختلفًا، خاصةً مع وجود ممارسات مثل السبي التي أثرت على علاقة الرجل بالمرأة؟ وهل يمكن أن توضحي كيف أننا كمجتمعات عربية مسلمة نعيش مأزقًا مزدوجًا، ناتجًا عن التحديث القسري الذي فُرض علينا؟

نُقِرّ بأننا نعيش تحديثاً قسرياً، فالنموذج الأسري الغربي قائم على تطور تاريخي أدى إلى أن تفرض الدولة التعاقدية نموذجها حتى على الأسرة. هذا النموذج الذي يعتمد على العقد الاجتماعي، لم يقتصر على مستوى الدولة، بل أصبح ممارسة قانونية تجعل الأسرة قائمة على العقد المدني. وهذا العقد اتفاق بين الرجل والمرأة على تبادل المنافع، لا على المودة والرحمة، ونتائجه السلبية واضحة اليوم في تفكك الأسرة الغربية.

إعلان

يأتي تأثير النظام الرأسمالي ليزيد الوضع خطورة، فهو عامل حاسم في تفكيك الأسرة التقليدية. وعليه يؤكد ماركس أنّ الأسرة التقليدية هي حالة من الاغتراب والاستعباد، والمادية التاريخية تدعو إلى تفكيكها لكونها حالة استلاب يجب أن يتحرر منها الإنسان.

إذن، نحن نعيش خطرًا مزدوجًا: أولاً، لا نتحكم في مسارنا، بل نُساق قسرًا، مما أدى إلى خلط غريب تعيشه الأسرة المسلمة والفرد في مجتمعاتنا الإسلامية دون وعي. فالشخص يعيش ازدواجية عندما يجمع بين العقد المدني والعقد الشرعي، معتقدًا أن الأخير هو أساس الزواج، ولكنه يمارس نفس سلوكيات الإنسان الغربي.

شيئًا فشيئًا، وفي عصر ما بعد الحداثة، تسير الأسرة في العالم الإسلامي بسرعة نحو نهايتها واندثارها. وهذا ليس بإرادتها، بل نتيجة لإعادة هيكلة العالم من خلال النظام الليبرالي والنيوليبرالي والمساق الذي قادته إليها العولمة التي تثبت اليوم ذاتها عبر التطرف الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي.

نلاحظ اليوم أن الأسرة المسلمة تشهد تحولات عميقة؛ فخروج المرأة للعمل أدى تدريجياً إلى تفكك الأسرة. فقد سارت الأسرة التقليدية، التي كانت تضم الأقارب، في درب التفكك لتحل محلها الأسرة النووية المكونة من الأب والأم والأبناء فقط، مما أدى إلى اندثار العلاقات التقليدية، وخروج المجتمع الإسلامي من وضع التراحم إلى وضع التعاقد، لكنه لا يدري بهذه التحولات بما أن تحديثه عملية قسرية فوقية، تُكسر بناءه وتعيد إنتاجه وفقا للنظام الاستهلاكي الرأسمالي.

بوحناش: كانت الأسرة التقليدية رحيمة تضم كبارها وضعفاءها، فلا يضيع أحد في ظل روح الشريعة والتراحم (شترستوك)

من جهة أخرى فالأسرة التقليدية في العالم الإسلامي، من وجهة نظري، تفتقر إلى حد كبير للمعايير الأخلاقية التي يرسخها النموذج الإسلامي. فالإسلام يؤسس العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، وبين الآباء والأبناء، على أساس المودة والرحمة، لكن الواقع شيء آخر. فقد اختلطت هذه العلاقات بالممارسات القبلية والتقاليد التي جعلت وضع المرأة بائسًا ومستعبدًا في الماضي، كما أن علاقة الآباء بالأبناء لم تكن قائمة على بناء إنسان حر ومبادر، بل على السيطرة والاستعباد.

ولهذا، عندما قدمت المنظومة الغربية وهبوب رياح الحداثة القسرية، وجدت الساحة مهيأة، وتمت إعادة برمجة الأسرة بناءً على هذا النموذج الذي فُرض علينا قسرًا، لتتفكك الأسرة التقليدية بسرعة وتظهر الأسرة النووية؛ هذه الأسرة الجديدة هي في الحقيقة نسخة طبق الأصل من الأسرة الغربية، لكنها مغطاة بغطاء الشرعية الدينية التي لا تزال تحكم العلاقات بين الرجل والمرأة.

تاريخنا مثقل بالعديد من الممارسات، مثل السبي وملك اليمين، وهي ممارسات أدت إلى استرقاق المرأة واعتبارها أَمَة، وبقيت روح هذه الممارسات متأصلة في عقلية الرجل المسلم في علاقته بالمرأة. هي العقلية التي أدت إلى اعتبار المرأة في حالة دونية، مما تسبب في انهيارات كبرى في المجتمع. فعلو الذكورة أدى إلى استعباد الأنوثة، وهذا بدوره أحدث خللاً كبيرًا في بنية المجتمع.

إن الأسرة في العالم الإسلامي تعيش الآن انهيارات كبرى، ليس لأننا لا نمتلك أدوات التحليل، بل لأننا نسير بلا وجهة محددة، ولا ندري إلى أين يقودنا هذا المسار، والسبب في ذلك هو فشلنا في تقديم حلول حقيقية.

نواجه اليوم مأزقاً خطيراً، حيث قدمت المجتمعات الغربية حلولاً لمسألة رعاية المسنين من خلال دور الرعاية، بينما وصلت الأسرة النووية في مجتمعاتنا الإسلامية إلى مرحلة لا تستطيع فيها استقبال الآباء والأمهات المسنين، وفي المقابل، لا نمتلك مؤسسات لاستيعابهم. وهذا التفكك ناتج عن انهيار الأسرة الممتدة والتقليدية، دون أن نقدم حلولاً سياسية أو تنظيمية لمواجهة المآزق التي تعيشها الأسرة النووية حاليًا.

على النقيض من ذلك، كانت الأسرة التقليدية تتمتع بروح الرحمة، حيث كان كبار السن والمطلقون والأرامل يبقون في المنزل، ولم يكن لأحد أن يضيع في فضاء التراحم كنسق تشربته المجتمعات الإسلامية طويلا جراء تطبيق الشريعة. فقد عاصرتُ في طفولتي تلك الأسر التي لم يكن يضيع فيها أحد. أما اليوم، فالناس يتوهون بسبب الالتزام الجديد الذي يجعل الأسرة النووية تتمسك بحقوقها الفردية دون الوفاء بواجباتها تجاه الآخرين، وهذا السلوك يتناقض تمامًا مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

إعلان هل يكرّس تيار النسوية الإسلامية، الذي يتبنى ازدواجية المنفعة، منطق الصراع مقابل منطق التراحم والرحمة، الذي هو أساس الأسرة في الإسلام؟ وهل تضعنا هذه الازدواجية أمام تحديات مستقبلية، أم أن من يصفون هذه الظاهرة يبالغون، بينما الواقع يعكس مظلومية حقيقية تعانيها المرأة من الرجل والدولة الحديثة والعالم أجمع؟

نشكرك على هذا السؤال العميق والممتد. نعود إلى ما تحدثنا عنه قبل قليل، وهو التحديث القسري الذي يجعلنا مساقين بسيرورة تأتينا من الخارج، دون أن نملك ذواتنا، نندمج في المنظومة لنكون عبيدا للنظام الرأسمالي طواعية.

إذا تحدثنا عن وضع المرأة في العالم الإسلامي، فهي تعيش حالة من الازدواجية. في الحياة الاجتماعية التقليدية، غالبًا ما تكون المرأة مسلوبة الحقوق ومنتهكة بسبب سيطرة الذكورة. وهذا الواقع لا يطابق النموذج الإسلامي الذي يؤسس للمساواة بين الذكر والأنثى بوصف التكامل وليس التنافر والصراع، على عكس ما نعيشه، حيث تنحني المرأة للهيمنة الذكورية التي تسلبها حقها، ولعل قضية الميراث الذي دائما ما تُحرم منه المرأة أثبتُ دليل على خروج المسلمين عن النموذج الإسلامي.

تعيش الحياة الإسلامية ومنذ قرون خلت، حالة تعبّر عنها الآية الكريمة: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ". هذا يعكس الموقف السلبي للمجتمع من الأنوثة، حيث تُعامل المرأة على أنها ضعيفة ومغتربة. وربما بسبب ذلك، قد تنتقم المرأة من أنوثتها، وهي حالة أجدها لدى بعض الجزائريات، وهي موجودة غالباً في كل المجتمعات المسلمة، لأنها تستمدها من الخطاب الاجتماعي والممارسات النفسية التي تجعل الأنثى تنتقم من الأنثى بفعل العنف الذي تحياه لأنها أنثى.

تعاني المرأة في المجتمعات الإسلامية من كونها جزءًا غير مرغوب فيه، وهو خطاب يؤدي في النهاية إلى سلب حقوقها الأساسية كإنسان. هذا الوضع دفع العديد من النساء إلى تبني الخطاب النسوي (الفيمينيزم)، وهو خطاب غربي نشأ في بيئة ليبرالية، يقلب الموازين الأنطولوجية للذات الأنثوية، فهو يخرجها من فطرتها أولا، ثم يضعها في حالة صراع وتنافر مع الذكر، لتنعكس الحالة على الأسرة والمجتمع. أما في الغرب فقد قضت عليهما قضاء مبرما، فهل نسير كمجتمعات مسلمة إلى هذا الحال المتردي؟

لم تعد الأسر تجتمع كما في السابق، بل أصبح كل فرد منشغلاً بجهازه الخاص. لقد نجحت التكنولوجيا والعالم الافتراضي في تفكيك الأسرة وتقويض الروابط الأسرية (شترستوك)

لا تطالب الحركة النسوية بحقوق المرأة كأنثى فحسب، بل تسعى لتجاوز أنوثتها والتماهي مع الذكورة. وهذا ما نراه اليوم، حيث لا تمنح الحقوق النسوية المرأة حقها كأنثى كرمها الله، بل تجعلها تنظر إلى نفسها على أنها "ذكورة منقوصة"، وهذا هو سبب الصراع الذي نعيشه حاليًا.

توصَّلت الخطابات النسوية في الغرب إلى فقدان الماهية، مدّعيةً أن الإنسان يُولد محايدًا ويختار جنسه لاحقًا. هذه الفكرة، أنتجت ظاهرة التحول الجنسي، وهي في الحقيقة خلاصة غياب اليقين بأن المرأة وُجدت ووُلدت أنثى، ووضعُها مع الرجل وضعٌ تكاملي لا تنافري.

أخذت التيارات النسوية في العالم الإسلامي خلاصات النسوية الغربية، مما أدّى إلى صراعٍ كبير داخل المنظومة الاجتماعية العربية الإسلامية. نتج عن هذا الصراع ظهور نسويات علمانيات معروفات، مثل نوال السعداوي، التي تدعو إلى تقليد النموذج الغربي في تحرير المرأة بشكل كامل.

في المقابل، برزت النسوية الإسلامية التي تحاول التوفيق بين النموذج الإسلامي والنموذج الغربي، بهدف الخروج بنموذج جديد يجمع حقوق المرأة من كلا المصدرين. لكن هذه العملية التركيبية هي في الحقيقة عملية صراعية أيضًا، حيث يتم تأويل المنظومة الإسلامية بما يخدم الصراع بين الذكر والأنثى.

تسعى النسوية الإسلامية إلى تحقيق مركزية أنثوية، ولكن من خلال تأويل النصوص الدينية، مع تبنيها في الوقت ذاته لروح المركزية الذكورية، مما يخلق صراعًا مستمرًا بين الأنوثة والذكورة. ولهذا، لم يحقق الخطاب النسوي الإسلامي النتائج المرجوة لوضع المرأة المسلمة، بل سلك درب التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، كما هو حاله في الفكر العربي، فكانت بين فوقية النموذج الغربي واضمحلال النموذج الإسلامي.

لقد أخرج هذا الخطاب المرأة من سياقها وكينونتها الإسلامية، وأدخلها في كينونة جديدة تتقمص شخصية المرأة النسوية الغربية التي تعيش في صراع دائم مع الذكورة. في المقابل، يقر النموذج الإسلامي بأن الله خلقنا أزواجًا، وأن كل إنسان يؤدي دوره وفقًا لفطرته، لتضبط الشريعة هذه العلاقة وفقا لسلم الصلاح المبيّن في الأحكام الشرعية.

وهذا ما يفتقده خطاب النسوية الإسلامية، الذي يتقمص الأفكار النسوية الغربية، ويعيد برمجتها ببعض الحقوق الإسلامية، ليقدم في النهاية نموذجًا يذوب في النموذج الغربي.

بوحناش: ابن رشد مثال على الفيلسوف الفقيه الذي أدرك المعاني الفلسفية للثقافة (مواقع التواصل) هل يستطيع الفقيه اليوم التفاعل مع القضايا المعاصرة كالإرث، ومدونة الأسرة، والطلاق، دون امتلاك خلفية فلسفية؟ وهل نحتاج إلى "فقيه فيلسوف" أو "فيلسوف فقيه" لتقديم إجابات لهذه القضايا التي تُعالج حاليًا بمنظور فقهي محض؟

نشكرك على هذا السؤال المهم والعميق. في كتابي "الاجتهاد وجدل الحداثة"، تناولت طبيعة الفقيه في العالم الإسلامي. وبعد مجالسة بعض الفقهاء والاستماع لخطاباتهم، لاحظت أن الفقيه لا يزال يحمل سمات الشخصية التقليدية التي تفتقر إلى الروح الفلسفية والمرجعية العلمية.

اليوم، يجب على كل فقيه أن يمتلك زادًا معرفيًا وعلميًا واسعًا، لمواجهة المآزق الخطيرة التي ظهرت مؤخرًا على صعيد علمنة المجتمع وكذلك الخطاب التقنوعلمي، خاصة في مجال التكنولوجيا الحيوية التي فتحت مساحات الجسد البشري لتطبيقاتها. أرى أن الفقيه في العالم الإسلامي يفتقر إلى هذه الثقافة.

ابن رشد مثال على الفيلسوف الفقيه الذي أدرك المعاني الفلسفية للثقافة، ففي كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، ورغم كونه كتابا في الفقه المالكي، فإن روح المقاصد والمصلحة تحركه. كما حلل في كتابيه "فصل المقال" و"مناهج الأدلة في عقائد الملة" فلسفة فكرة الحرية، فقد كان ابن رشد فقيهًا وفيلسوفًا في آن واحد.

لا يمكننا اليوم فهم اتفاقية "سيداو" وأبعادها ونتائجها الخطيرة في إعادة برمجة الأسرة في العالم الإسلامي لتوافق نموذج "الجندر" وخدمة النظام النيوليبرالي، دون امتلاك مرجعية فلسفية. فالفقيه لم يعد يستطيع فهم معاني الأسرة بالمنظور التقليدي فقط، بل عليه أن يفهم مسارات الفردانية، وطبيعة المرأة الحديثة، وأبعاداً أخرى كثيرة.

لهذا السبب، لن يتمكن الفقهاء اليوم من تأسيس منظومة فقهية راسخة قادرة على الحفاظ على المقاصد الاجتماعية للأسرة المسلمة، ما لم يصبحوا "متعددي التخصصات". لكن للأسف، ما زالت جامعاتنا الإسلامية تخرّج مختصين في الفقه وأصوله يفتقرون إلى الخلفية الفلسفية والفكرية، بل ولا يدركون الأمور بأبعادها الفلسفية.

كما أن لدينا "فقهاء قانون" هم أيضًا بعيدون عن روح الفقه والمقاصد الشرعية. لذلك، لا يمكن للفقيه أن يؤسس منظومة فقهية للأسرة المسلمة دون أن يجمع بين علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والبعد الفلسفي.

فالفقيه لا يدرك مسارات الحداثة، ولا طبيعة الإنسان الحديث، ولا مفاهيم التنوير التي لم تعد مجرد أفكار، بل ممارسات في الواقع. ومن ناحية أخرى، يجب عليه إدراك مقاصد الشريعة بطريقة متجددة، لا بصورتها الجامدة المكررة من الجويني إلى الشاطبي. نحن مضطرون اليوم لتجديد قائمة المقاصد لكي نجمع بين المرجعية العلمية التي يجب أن يكتسبها الفقيه، وبين مقاصد الشريعة الإسلامية.

لدينا اليوم تياران؛ الأول تقليدي حَبَس نفسه في الأفكار القديمة، والثاني علماني يعمل لخدمة النظام الغربي وتطبيق نموذجه، بهدف إنتاج إنسان مستهلك لضمان استمرارية النظام الرأسمالي.

لذلك، أرى أن الفقيه الحالي في العالم الإسلامي عاجز تمامًا عن تحليل الأبعاد الاجتماعية للمسارات التي تمر بها الأسرة المسلمة، وغير قادر على تجديد المنظومة الفقهية وإخراجها من أطرها التقليدية، إلى أطر جديدة تواكب روح الحداثة، التي هدفها صلاح الإنسان لا إفساده.

بوحناش: النظام الغربي يقدم نموذجًا استهلاكيًا للمرأة المثالية، يركز على صناعة جسد المرأة ويسعى لقتل روحها (شترستوك) هل أصبحت الأسرة والمرأة ضحية للحداثة الغربية أم للرأسمالية والعولمة التي تدفع الإنسان نحو الاستهلاك المفرط؟ وهل هذا الاستهلاك، الذي يشمل مواد التجميل والملابس إضافة إلى الضغط الذي تفرضه المؤسسات لاتباع معايير جمالية معينة، هو ما جعل المرأة -خاصة في سياقها العربي والإسلامي- تفكر بمنظور فرداني قد يبدو أنانيًا؟

أرى أن المجتمعات المسلمة تعيش حالة هجينة خطيرة جدًا، وهذا يتجلى في أنماط الحجاب الاستهلاكي الذي يجمع بشكل غريب وغير مقبول بين النموذج الاستهلاكي والنموذج التقليدي. هذه الظاهرة نتاج الصراع بين التقليد والتحديث القسري، الذي أسميه "الاغتصاب النيوليبرالي".

نلاحظ أن المرأة المسلمة تعيش اليوم حالة من البلبلة لا مثيل لها، ويتضح ذلك في الاندفاع الخطير نحو النموذج الاستهلاكي، الذي يصاغ عالميًا في الغرب ليصبح المعيار الذي يجب أن تتبعه المرأة.

نحن اليوم في مرحلة أشد خطورة من المرحلة الاستعمارية. ففي تلك المرحلة، كان المجتمع الإسلامي -على الأقل في الجزائر كما لاحظت- متضامنًا ضد النموذج الغربي، مما سمح له بالحفاظ على تركيبته الأخلاقية والتقليدية. لكن بعد ذلك، بدأت الانهيارات الكبرى التي انتهت بانتصار كلي وشامل للنموذج الغربي.

الحقيقة أن النظام الرأسمالي لم يعد لديه ما يقدمه للعالم سوى خلق الاستهلاك: استهلاك الأسلحة من خلال خلق الحروب، وسيولة خطيرة من التسليع. ولأن المرأة هي نواة الأسرة التي تربي الأجيال، فقد أصبحت هدفًا محددًا لهذا النظام.

يقدم النظام الغربي نموذجًا استهلاكيًا للمرأة المثالية، يركز على صناعة جسد المرأة ويسعى لقتل روحها. والدليل على ذلك هو انتشار عمليات التجميل المتكررة التي حولت المرأة إلى نموذج استهلاكي مفرط، يصفه زيغمونت باومان "بالسيولة".

تهدف المرأة اليوم إلى اقتناء واستهلاك الحاجات الزائفة، مما يحوّل المجتمع إلى سوق رائجة لصالح الشركات متعددة الجنسيات التي تركز على الجسد وتطويعه وتغييره، دون تقديم إجابات تشفي الروح والقلب.

يؤكد التركيز على المرأة -خاصة في دورها كأم- على أنها قلب الأسرة ونواة المجتمع. ويأتي هذا الاستهداف الممنهج من قبل المؤسسات الإعلامية والشركات الرأسمالية والنيوليبرالية، التي تدرك تمامًا أن المرأة هي محور المجتمع وأساس تكوينه.

 

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات فكر فی العالم الإسلامی النظام الرأسمالی النموذج الإسلامی الأسرة المسلمة النموذج الغربی تفکک الأسرة هذا الصراع الجزیرة نت وضع المرأة فی المجتمع الإسلامی ا أن المرأة المرأة فی الأسرة فی قائمة على المرأة من المرأة ا أدت إلى نموذج ا من خلال أدى إلى ما أدى إلى أن التی ت فقیه ا على أن

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • إشهار كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة دلالعة
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟