المتحف المصري الكبير، الحدث العظيم الذي ينتظره العالم باشتياق وشغف ولهفة كبيرة، أخيرًا حان موعد الافتتاح الضخم الذي يحضره ملوك وقادة ورؤساء العالم أجمع في ضيافة الرئيس عبد الفتاح السيسي وملوك مصر العظام، فاليوم نحن على موعد جديد مع التاريخ.

وبالتزامن مع افتتاح الصرح الثقافي والحضاري العالمي، أجرت "الوفد" حوارًا مع الدكتور أحمد بدران أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بجامعة القاهرة، كشفت خلاله المزيد من الأسرار عن حضارة الأجداد والمقتنيات والمجموعات الأثرية التي ستعرض لأول مرة.

وإليكم نص الحوار:-

حدثنا عن حالة الاحتفالات الضخمة التي يقوم بها المصريون على مواقع التواصل الاجتماعي.

حالة رائعة جدًال، المصريون يثبتون دائمًا للعالم عمق انتمائهم لوطنهم، وحبهم الكبير لحضارتهم العريقة، وتراثهم الغني، وثقافتهم الراقية، وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، ويتجلّى هذا الحب بوضوح في احتفاء الجميع، على "السوشيال ميديا"، بالزي المصري القديم الذي يصنعونه باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، وهو رمزًا للفخر والهوية الوطنية.

و المشهد يعكس اعتزاز المصريين، صغارًا وكبارًا، بتاريخهم العريق، وبحضارتهم التي أبهرت العالم وألهمت البشرية على مرّ العصور، فاليوم تتجه أنظار العالم كله إلى مصر لمتابعة واحد من أهم الأحداث الثقافية في القرن الـ21، وهو افتتاح المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الحضاري الذي طال انتظاره لأكثر من عشرين عامًا.

ويُعد هذا الحدث شاهدًا جديدًا على ريادة مصر الدائمة في مجالات الثقافة والفنون والإبداع والعلوم، ودليلًا على أن الحضارة المصرية لا تزال حية تنبض في وجدان أبنائها، وتواصل إلهام العالم بأسرة.

حدثنا أكثر عن المتحف المصري الكبير بعد سنوات طويلة من التشييد والانتظار للافتتاح الأستوري.

المتحف المصري الكبير هو بالفعل صرح ثقافي وحضاري عملاق، وُلِد كبيرًا ليبقى كبيرًا، فهو مشروع فريد من نوعه، لن يتكرر لعقود طويلة، وربما لقرون، لأن تميزه لا يقتصر على تصميمه المعماري المذهل، أو مساحته الشاسعة، بل يمتد إلى ما يضمه من كنوز وآثار لا مثيل لها في العالم.

فحتى إن أرادت أي دولة أن تبني متحفًا بهذا الحجم، فمن أين لها بآثار تضاهي عظمة ما تمتلكه مصر من تراث إنساني خالد؟.

المتحف المصري الكبير مشروع ثقافي متفرّد يعكس إصرار المصريين في العصر الحديث وعزيمتهم على صون حضارتهم العريقة وعرضها للعالم بأبهى صورة، فهو أكبر متحف في العالم مخصص لعرض آثار حضارة واحدة وهي الحضارة المصرية القديمة، بداية من عصور ما قبل التاريخ حتى العصرين اليوناني والروماني.

ويُجسّد هذا المتحف قدرة مصر على حفظ تراثها وتاريخها، وتقديمه للعالم بطريقة مبهرة تليق بعظمة تلك الحضارة الخالدة، وهذا ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على أهمية هذا المشروع ومتابعته الدقيقة لمراحل إنجازه النهائية، تقديرًا لقيمته التاريخية والثقافية.

أما من الناحية السياحية، فالمتحف المصري الكبير سيُحدث نقلة نوعية في قطاع السياحة المصرية، فمن المتوفع أن يجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم في نوع جديد من السياحة يُعرف بـ"سياحة المتحف المصري الكبير".

ويتضح ذلك من خلال الاهتمام العالمي الواسع الذي تم رصده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينتظر الملايين لحظة الافتتاح بشغف بالغ.

ومن المنتظر أن تتغير برامج شركات السياحة التقليدية لتخصيص أيام إضافية لزيارة هذا الصرح، إذ يحتاج الزائر إلى ما لا يقل عن ثلاث ساعات لزيارة المسار القصير، بينما تتطلب الجولة الكاملة، التي تشمل قاعات العرض الـ12 الممتدة على مساحة 18 ألف متر مربع، ما يقارب ثلاثة أيام لاكتشاف كل تفاصيلها المذهلة.

بالإضافة لمجموعة توت عنخ آمون، التي تتكون من 5398 قطعة أثرية، والتي تعرض لأول مرة كاملة في المتحف الكبير، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يحتضن قطعًا نادرة تجسد عبقرية الفن المصري القديم.

أما عن مكان المتحف، فهو يتواجد في موقع استراتيجي فريد يربط بين الأهرامات ومطار سفينكس الدولي، ليعكس رؤية الدولة المصرية الحديثة ضمن استراتيجية الجمهورية الجديدة 2030، فهو تجسيد لعبقرية الموقع والتصميم، ودليل على أن مصر ماضية بثقة نحو مستقبل يربط مجد الماضي برؤية الحاضر.

المتحف المصري الكبير ليس مجرد متحف، بل هو شريان ثقافي جديد يتدفق بالحضارة والفكر إلى العالم كله، وهدية مصر للإنسانية، وأيقونة خالدة تروي للعالم قصة حضارة لا تنتهي.

من بين الأفكار المبدعة كان الممشي السياحي الممتد من المتحف الكبير إلى منطقة الأهرامات.. كيف ترى هذه الفكرة؟

الممشى السياحي بمنطقة الأهرامات جاءت فكرته في إطار الرؤية الشاملة لتطوير هضبة الأهرامات، تلك المنطقة التي تحتضن أهرامات الجيزة العريقة، والمسجلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1999.

وتُعد هذه المنطقة إنجازًا إنسانيًا فريدًا للحضارة المصرية القديمة، لا مثيل له في تاريخ البشرية، وواحدة من عجائب الدنيا السبع القديمة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا بعد أن اندثرت البقية.

ومع إنشاء المتحف المصري الكبير، تحولت المنطقة بأكملها إلى متحف مفتوح يعكس عظمة التاريخ المصري القديم وروعة الحاضر، ولتحقيق هذه الرؤية الطموحة، وتهيئة الزائر للاستمتاع بالمشهد البصري الخلاب "اللاند سكيب" والمنظر العام للموقع، تم إنشاء الممشى السياحي الذي يمتد لمسافة تقارب 1500 متر، ليمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة.

ويحيط بالممشى عدد من المطاعم السياحية الراقية، إلى جانب حوال 600 متجر للهدايا التذكارية، تعرض منتجات مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، بدءًا من القطع الصغيرة البسيطة وحتى المستنسخات الكبيرة لأشهر الرموز مثل قناع توت عنخ آمون وغيره من روائع الفن المصري القديم.

ويتيح الممشى للزائرين، سواء سيرًا على الأقدام أو باستخدام العربات الكهربائية المتاحة، فرصة فريدة للاستمتاع ليس فقط بالآثار والمتحف والمنطقة الأثرية، بل أيضًا بالمناظر الطبيعية الخلابة والتنوع البصري المدهش الذي يميز المكان، خاصة بعد أعمال التطوير التي شملت التشجير، وتحسين محاور الدخول والخروج، وإضافة العلامات المميزة على امتداد المنطقة.

الممشى السياحي بالأهرامات يعتبر مشروعًا فريدًا من نوعه على مستوى العالم، إذ يربط بين الأهرامات العريقة والمتحف المصري الكبير، في انسجامٍ يجسّد الأصالة والمعاصرة معًا، الأصالة المتمثلة في عظمة الآثار والتراث، والمعاصرة التي تتجلى في استخدام الوسائل الحديثة والتقنيات المتطورة في عرض هذه الكنوز الخالدة.

كيف ترى فكرة المسلة الموضوعة في ساحة المتحف المصري الكبير لتكون أول مسلة معلقة بالعالم؟

بالفعل، المسلة المعلقة في المتحف المصري الكبير تُعد الأولى من نوعها في العالم، ولن يتكرر وجود متحف آخر يعرض مسلة معلقة بهذا الشكل الفريد.

وفكرة تنفيذ هذه المسلة المعلقة جاءت من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بقيادة اللواء عاطف مفتاح وفريق العمل القائم على مشروع المتحف المصري الكبير.

كان المصريون القدماء يعتبرون المسلة رمزًا دينيًا مهمًا للغاية في عقيدتهم، إذ كانت تمثل شعاع الشمس المتجمد، ورمز الصلة بين الأرض والسماء، وعندما كان الحرفيون في العصور القديمة ينحتون المسلات في المحاجر، كانوا يتعاملون معها باعتبارها حجرًا واحدًا كاملًا، فالمسلة لا تُبنى من أجزاء، بل تُنحت من كتلة حجرية واحدة.

وعند اكتمال نحت المسلة، كان العامل ينحت على قاعدتها الخَرطوش الملكي، الذي يحمل اسم الفرعون وذلك يعد بمثابة "ختم" يحفظ حق وملكية المسلة للملك الذي تنتمي إليه، فمثلًا هذه مسلة رمسيس الثاني أو تحتمس الثالث أو حتشبسوت، فلا يجوز لأحد المساس بها.

وفي هذه المسلة الموجودة أمام المتحف الكبير تنتمي للملك رمسيس الثاني في الأسرة الـ 19 "دولة حديثة"، وتم جلبها من "تانيس" وهي مدينة مصرية قديمة مكانها الحالي "صان الحجر" في محافظة الشرقية، ويبلغ  ارتفاع المسلة 16 متر ووزنها حوالي 100 طن.

ووُجد على قاعدة المسلة خَرطوشان يضمان الاسمين الملكيين لرمسيس الثاني وهما:-

الاسم الأول: "وسر ماعت رع ستبن رع"، ويعني عدالة رع المختار من رع، وهو اسم التتويج.

أما الاسم الثاني: "رع مسو مري آمون"، ويعني رع أنجبه محبوب آمون، وهو اسم الميلاد.

وقد ظل هذان الاسمان مخفيين عن الأنظار لآلاف السنين، لأن قاعدة المسلة كانت مثبتة في الأرض، فلا يمكن رؤيتهما، أما في تصميم المسلة المعلقة الحديثة، فقد تم ابتكار قاعدة حجرية من الجرانيت الأسود تحتوي على فراغ زجاجي شفاف يسمح للزوار بالمرور أسفل المسلة ومشاهدة الخرطوشين الملكيين بوضوح، لأول مرة منذ أكثر من 3300 عام.

وعلى قاعدة المسلة نُقشت كلمة "مصر" بجميع لغات العالم، بدءًا من اللغة المصرية القديمة بالخط الهيروغليفي، مرورًا بالعربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية وغيرها، في رسالة رمزية تؤكد عالمية الحضارة المصرية وخلودها.

وخلف المسلة مباشرة، يطل الزائر على واجهة المتحف المصري الكبير المهيبة، بعرض يقارب 600 متر وارتفاع يبلغ 45 مترًا، تزينها خراطيش هيروغليفية تحمل أسماء ملوك مصر العظام مثل: خوفو، خفرع، سنفرو، توت عنخ آمون، تحتمس الثالث، ورمسيس الثاني وغيرهم من ملوك المجد والخلود.

أعجبتني مقولة انتشرت مؤخرًا، وهي أن المتحف المصري الكبير هو أشرف متحف في العالم لأنه لا يعرض أية قطعة أثرية مسروقة أو غير أصلية.. ما تعليقك؟

أحييكي على هذه المقولة، فحقًا المتحف المصري الكبير يعد نموذجًا عالميًا يُجسّد الالتزام الكامل بجميع المعايير الأخلاقية المتحفية المعترف بها دوليًا، فهو لا يضم أي قطعة منهوبة أو مسروقة، ولا يحتوي على آثار جرى الاستحواذ عليها في فترات استعمارية أو تم شراؤها أو بيعها بأي شكل من الأشكال، ذلك لأن التراث والآثار لا تُباع ولا تُشترى، فهي ملك للبشرية جمعاء، وُجدت للعظة والاعتبار، ولإلهام الإنسان ودفعه للتأمل والمعرفة.

جميع القطع المعروضة في المتحف المصري الكبير أصلية 100%، تنتمي إلى الحضارة المصرية القديمة، ومن إبداع أجداد المصريين القدماء الذين تركوا للعالم تراثًا خالدًا لا مثيل له.

ويمتاز المتحف بخصوصيته الفريدة، إذ يختص بعرض حضارة واحدة فقط هي الحضارة المصرية القديمة بكل عصورها ومراحلها، من خلال قطع أصلية أصيلة تمثل عبقرية المصري عبر الزمن.

وعلى عكس متاحف أخرى كـ اللوفر في باريس أو المتحف البريطاني في لندن، التي تعرض مجموعات من حضارات متعددة كالعراق وبلاد الشام والصين واليونان، فإن المتحف المصري الكبير يحتفي بحضارة واحدة، لكنها حضارة كانت ولا تزال ملهمة للعالم كله.

الحضارة المصرية القديمة قدّمت للبشرية أسسًا علمية وفكرية لا تزال قائمة حتى اليوم؛ فهي التي أرست قواعد اللغة والكتابة، وأسهمت في وضع التقويم السنوي الذي ينظم الزمن إلى فصولٍ وشهورٍ وأيامٍ وساعاتٍ ودقائق وثوانٍ.

وهي التي ابتكرت الساعة الشمسية والساعة المائية والساعة الرملية، وأسست لعلم الطب وعلاج الأمراض، وابتكرت فن التحنيط الذي لم تعرفه أي حضارة أخرى في التاريخ.

كانت الحضارة المصرية القديمة مبدعة في كل مجالات الحياة، لأنها وضعت الإنسان في قلب فلسفتها، فجعلت من الإبداع وسيلة لخدمة الإنسان وارتقائه.

فبينما كانت شعوب العالم تعيش في الكهوف، كان المصري القديم يبني الأهرامات والمعابد والقصور والمنازل، وهو أول من ابتكر الملابس وصنع العطور واهتم بالجمال والنظافة والفن.

كل مظاهر التحضر التي نعرفها اليوم كان للمصري القديم فيها الريادة الأولى، ومنها انتقلت إلى العالم أجمع، ومن هنا تأتي عظمة المتحف المصري الكبير، فهو متحف نزيه وشريف وأصيل، غير ملوث بأي قطعة مشكوك في مصدرها أو صحتها، ولا يحتوي إلا على كل ما هو مصري خالص، آثارًا، وروحًا، وهويةً.

حدثنا عن أهم القطع والمجموعات الأثرية التي يضمها المتحف المصري الكبير إلى جانب مجموعة "توت عنخ آمون".

جميع القطع الأثرية في المتحف المصري الكبير ذات أهمية متساوية وقيمة أثرية فريدة، غير أن أسلوب العرض المتحفي الجديد هو الذي يثير التشويق والإعجاب ويجذب انتباه الزائرين، لما يتميز به من ابتكار وتنظيم موضوعي حديث.

ومن بين المعروضات النادرة نقوش ملونة ولوحات جدارية تُظهر الرجل مع أكثر من زوجة، وهي من المشاهد القليلة في الفن المصري القديم.

ويبرز في المدخل التمثال الضخم للملك رمسيس الثاني، الذي يستقبل الزوار في الدرج العظيم، حيث تُعرض مجموعة من التماثيل الكبيرة، من بينها تماثيل المعبود حابي رب النيل والفيضان عند المصريين القدماء، والذي كان يُلقب بـ "رب الخيرات".

ويضم الدرج أيضًا تماثيل بطلمية ضخمة لملكٍ وملكةٍ يُرجح أنهما بطليموس الثالث والملكة برنيكي، وقد تم استخراجها من الآثار الغارقة في بحر الإسكندرية، وهي قطع فنية فريدة في جمالها ودقتها.

كما تُعرض تماثيل ملوك مصر العظام، ومنهم الملك سنوسرت الأول الذي يظهر في عشر نسخ تماثيل متطابقة الحجم، إلى جانب عمود النصر للملك مرنبتاح، ومجموعة من المقاصير والأعمدة واللوحات الحجرية والجنائزية التي توثق طقوس العبادة والحياة الدينية القديمة.

ثم ينتقل الزائر إلى مجموعة الملك توت عنخ آمون، التي تُعد من أبرز مقتنيات المتحف، وتم تقسيمها لموضوعات متنوعة منها قصة اكتشاف المقبرة وموقع وادي الملوك، والأسرة الملكية للملك توت عنخ آمون والمجتمع في عصره، والإبداعات المعمارية والفنية في زمنه، وبراعة المصري القديم في صناعة الحلي والمجوهرات التي أكسبته لقب "الفرعون الذهبي".

كما تحتوي المجموعة على ثلاثة توابيت خشبية متداخلة، بداخلها تابوت ذهبي خالص وزنه حوالي 110 كيلوجرامات، ثم تابوت حجري خارجي.

أما القطعة الأشهر على الإطلاق فهي قناع الملك توت عنخ آمون الذهبي، الذي عُرض في المتحف البريطاني بلندن عام 1972 في معرض حضرته الملكة إليزابيث الثانية بنفسها، والذي أدهش العالم بجماله ودقته، إذ يظنه البعض مصنوعًا من قطعة واحدة، بينما هو في الحقيقة مؤلف من 54 قطعة منفصلة جُمعت ببراعة فنية لا تُظهر أي فواصل أو علامات، وهذا القناع كان يغطي مومياء الملك.

هل تضم قاعة "توت" مومياء طفلتين لبناته؟

صحيح، لقد تولّى الملك توت عنخ آمون عرش مصر وهو في سن صغيرة، وحكم البلاد لمدة 9 سنوات، وتزوّج من " عنخس إن آمون" ابنة الملك إخناتون والملكة نفرتيتي، ورُزق الزوجان بطفلتين، إلا أن الحملين لم يكتملا، إذ توفي الجنينان قبل الولادة، وتم تحنيط الجنينتين، وهما لفتاتين، إحداهما كان عمرها خمسة أشهر جنينية، والأخرى سبعة أشهر تقريبًا.

وسيتم عرض الجنينتين للمرة الأولى ضمن مقتنيات مجموعة "توت"، في سابقة فريدة تُظهر بوضوح مدى براعة المصريين القدماء في مجالي الطب والتحنيط.

وقد أثارت صور الأجنة المُحنطة قديمًا بعض الجدل عندما عُرضت، إذ ظنّ البعض أنها كائنات غريبة أو غير بشرية بسبب شكلها، حيث يبدو الرأس كبيرًا والجسد صغيرًا والأطراف دقيقة، وهو الشكل الطبيعي للأجنة في مراحلها الأخيرة من الحمل، كما نراه اليوم في "السونار".

لكن الحقيقة العلمية المؤكدة أن هاتين الجنينتين هما ابنتا الملك توت، وقد تم العثور عليهما داخل مقبرته بوادي الملوك، حيث دُفنتا مع والدهما ضمن مقتنيات الدفن الملكي، في مشهد إنساني مؤثر يعبّر عن قدسية الحياة والموت في العقيدة المصرية القديمة، وعن عمق الروابط الأسرية حتى بعد الفناء.

أخيرًا، ما هي القطعة الأثرية التي كنت تتمنى أن تراها في المتحف الكبير؟

في الحقيقة، المسألة ليست أن هذه القطع غير موجودة، بل هي موجودة بالفعل في المتحف المصري بالتحرير، وكان من غير الممكن أن يتم إفراغ متحف التحرير من جميع آثاره، فهو متحف عريق ذو مكانة عالمية، كما أن مبناه نفسه يُعد أثرًا تاريخيًا فريدًا.

ولكن من بين القطع التي كنت أتمنى رؤيتها ضمن العرض الجديد، تمثالا رع حتب ونفرت، واللذان يُطلق عليهما أحيانًا لقب "موناليزا مصر القديمة" لما يتميزان به من روعة الملامح ودقة النحت وواقعية التفاصيل.

وقد حُفرت هذه القصة في ذاكرة علم الآثار؛ فعندما اكتشف العالم الفرنسي أوغست مارييت، المقبرة التي وُجد فيها التمثالان، ودخلها فريق العمل لأول مرة، انعكست أشعة الشمس على عيون التمثالين المطعمة بالكريستال والحجر، فبدت وكأنها تنبض بالحياة، فانتاب الفريق الذهول، وخرجوا مسرعين يصيحون: لقد عاد الفراعنة إلى الحياة.

وهذه الواقعة تجسد عبقرية النحات المصري القديم، الذي استطاع أن يخلق من الحجر الصلب روحًا نابضة بالحياة، مستخدمًا تقنيات دقيقة في تطعيم العيون تمنح التمثال واقعية مذهلة حتى يومنا هذا.

لذلك يُعد تمثالا رع حتب ونفرت، من أعظم الروائع الفنية في تاريخ النحت المصري القديم، ويمكن بحق وصفهما بأنهما تحفة فنية خالدة (Masterpieces) تجسد عبقرية الفن المصري القديم في ذروتها.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: المتحف الكبير المسلة المعلقة المتحف المصري الكبير الرئيس عبد الفتاح السيسي حضارة الأجداد افتتاح المتحف المصري الكبير سعر المتحف المصري الكبير تذكرة المتحف المصري الكبير سعر تذكرة المتحف المصري الكبير المتحف المصري اخبار المتحف المصري موعد افتتاح المتحف المصري الكبير تفاصيل افتتاح المتحف المصري الكبير احتفالية المتحف المصري الكبير إجازة المتحف المصري الكبير توت عنخ آمون قاعة توت عنخ آمون الحضارة المصریة القدیمة المتحف المصری الکبیر الفن المصری القدیم فی المتحف المصری المسلة المعلقة المتحف الکبیر توت عنخ آمون الملک توت فی العالم لأول مرة أکثر من لا تزال من بین متحف ا التی ت

إقرأ أيضاً:

الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل

بينما تتخذ روسيا موقعا بين إسرائيل وإيران اليوم، يجد مراقبون صعوبة في فهم سياساتها المتناقضة. فهي تحتفظ بشراكة إستراتيجية مع طهران، وتعمق التعاون العسكري والاقتصادي في السنوات الأخيرة، وتحافظ على علاقات وثيقة بسوريا، وتتحدى باطراد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، ورغم ذلك، حافظت موسكو على قنوات اتصال بإسرائيل، وتعرض وساطتها دوريا بين تل أبيب وإيران، وتتجنب اعتبار إسرائيل خصما غربيا آخر.

يقول جون ميرشايمر وبول غرينييه، اللذان فتحا مؤخرا ملف الدور السوفياتي في إقامة إسرائيل، قد يبدو هذا متناقضا للبعض، لكنه ليس كذلك. وتكمن الإجابة في إحدى أكثر حلقات الجغرافيا السياسية غرابة بالقرن العشرين، حين لعب السوفيات دورا حاسما في قيام إسرائيل.

مفارقة جيوسياسية كبرى

تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية. فقد دافع الدبلوماسيون السوفيات عن تقسيم فلسطين بالأمم المتحدة، وقدمت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات آنذاك، الخبراء والأسلحة التي أدت لصمود إسرائيل في حربها الأولى، وكان السوفيات من أوائل الحكومات التي اعترفت بالدولة الجديدة.

يكشف فهم هذا التاريخ المنسي اختلافا جوهريا بين النظامين السياسيين السوفياتي والأمريكي. ففي أمريكا، نشأت خلال عقود منظومة قوية من جماعات المصالح ومنظمات المناصرة وشبكات الضغط، شكلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وأصبحت منظمات -مثل  "أيباك"– جهات فاعلة مؤثرة في النظام الأمريكي، لتصبح سمة راسخة في السياسة الأمريكية. واليوم، تمارس "أيباك" وأمثالها نفوذا كبيرا في مؤسسات الحكومة الأمريكية.

لم يكن ممكنا ظهور حالة مماثلة في الاتحاد السوفياتي، فالدولة لم تتسامح مع أي مراكز مستقلة للسلطة السياسية. ولم تكن المؤسسات الدينية والمنظمات الإثنية والجمعيات المدنية واللوبيات موجودة إلا في حدود خدمة أهداف الحزب. شغل اليهود السوفيات مناصب بارزة بالحكومة والعلوم والثقافة والجيش، لكن لم يكن ممكنا وجود بنية تحتية سياسية يهودية مستقلة ومؤثرة في سياسة الدولة خارج الحزب الشيوعي.

إعلان

أثبت هذا التمايز أهميته. لفترة وجيزة، اعتقد ستالين أن إسرائيل يمكن أن تصبح شريكا جيوسياسيا مفيدا، وربما دولة اشتراكية. لكن عندما أدى قيام إسرائيل لمظاهر هوية يهودية قومية واضحة داخل الاتحاد السوفياتي، سرعان ما انقلبت حماسة موسكو شكا وريبا.

فالدولة السوفياتية التي ساعدت في إنشاء إسرائيل ستبدأ لاحقا بتفكيك المؤسسات اليهودية، واعتقال يهود بارزين، وشن حملات "معادية للسامية" طبعت سنوات حكم ستالين الأخيرة. هذه القصة ليست مجرد تاريخ قيام إسرائيل، بل قصة تنافس القوى العظمى، وسوء تقدير إستراتيجي، ومفارقة جيوسياسية كبرى في بدايات الحرب الباردة.

تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية

الصهيونية سلاح ضد بريطانيا
لفهم أسباب دعم ستالين للتقسيم، يشير ميرشايمر وغرينييه لأهمية فهم تدهور موقف بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.

بحلول عام 1945، وجدت بريطانيا نفسها في مأزق. فقد بات الانتداب البريطاني على فلسطين متعثرا، وواجهت لندن ضغوطا متزايدة من المجتمعين العربي واليهودي، بينما كانت تعاني استنزافا اقتصاديا حادا عقب الحرب. وتطلب الحفاظ على موقف بريطانيا عشرات آلاف الجنود وموارد مالية هائلة بينما بدأت الإمبراطورية بالانكماش.

جاء التحدي الأبرز من المنظمات اليهودية السرية. فقد باتت الهاغاناه، والإرغون (إتسل)، وليحي (عصابة شتيرن) ترى بريطانيا -وليس العرب- العقبة الرئيسية أمام قيام دولة اليهود. ورغم اختلاف هذه المنظمات الكبير أيديولوجيا وتكتيكيا، فإنها تعهدت معا بشن حملة أوسع لجعل الحكم البريطاني غير قابل للاستمرار.

وقع الهجوم الأشهر في 22 يوليو/تموز 1946، عندما فجر عناصر الإرغون فندق الملك داود بالقدس، حيث مقر الإدارة البريطانية والقيادة العسكرية. وأسفر عن مقتل 91 شخصا. صدم الهجوم بريطانيا، وأظهر تفاقم صعوبة استمرار الانتداب البريطاني.

خلال الفترة بين 1945 و1947، هاجمت جماعات يهودية سرية منشآت عسكرية بريطانية، وسكك حديدية، ومراكز شرطة، ومحطات رادار، وبنية تحتية بأنحاء فلسطين. وتعرض جنود بريطانيون لكمائن، واختطفوا، وأعدموا. لم يكن الأثر التراكمي هزيمة عسكرية، بل استنزافا سياسيا.

لم يغب هذا التطور عن أنظار موسكو. فمن منظور ستالين، باتت الحركة الصهيونية أداة ضد أحد أهم مواقع الإمبراطورية البريطانية بالشرق الأوسط. أدرك القادة السوفيات أن التقسيم سيسرع انسحاب بريطانيا، ويزيل ركنا أساسيا للنفوذ البريطاني.

وكما لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى. يرجح أن ستالين توقع أن يكون لانسحاب بريطانيا من فلسطين تداعيات واسعة بالمنطقة.

فقد احتفظت لندن آنذاك بمواقع عسكرية رئيسية بمصر (قناة السويس)، والعراق، والأردن (الفيلق العربي)، والخليج. وساد اعتقاد بأن انسحاب بريطانيا من فلسطين يسرع ترسيخ فكرة تراجع الإمبراطورية بمناطق أخرى.

إعلان

هدف ستالين.. إضعاف بريطانيا بالشرق الأوسط
جاء أوضح تعبير علني عن سياسة السوفيات من نائب وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو. ففي خطابه أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بفلسطين في 14 مايو/أيار 1947، ألقى غروميكو أحد أهم الخطابات بتاريخ الشرق الأوسط الحديث. وفي إشارة للمحرقة قال:
"إن عجز أي دولة من دول أوروبا الغربية عن ضمان الحقوق الأساسية للشعب اليهودي وتأمينه من عنف الجلادين الفاشيين يفسر تطلع اليهود لإقامة دولتهم الخاصة".

يستشهد كثيرا بهذا التصريح كدليل تعاطف السوفيات مع قيام دولة يهودية. لكن الجانب الأهم للخطاب تمثل بتأييد غروميكو للتقسيم إذا ثبت استحالة تعايش العرب واليهود بدولة واحدة. ومثّل هذا تحولا جذريا عن السياسة السوفياتية السابقة، وأشار لاستعداد موسكو لدعم حل سياسي يعجل برحيل بريطانيا عن فلسطين.

لاحقا، صوت السوفيات لصالح قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، رقم (181) في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. بالنسبة لموسكو، لم يكن التقسيم مجرد استجابة إنسانية لمعاناة اليهود، بل أداة جيوسياسية تهدف لتسريع انسحاب بريطانيا من فلسطين وإضعاف نفوذها بأنحاء الشرق الأوسط.

على المدى القصير، نجح ستالين! أنهت بريطانيا الانتداب وانسحبت. وعلى المدى البعيد، أسفرت هذه الإستراتيجية عن إحدى مفارقات القرن العشرين الجيوسياسية الكبرى، لتصبح الدولة التي سهلت موسكو إقامتها أقرب الحلفاء لأمريكا بالشرق الأوسط.

لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى

المفاجأة الأمريكية والسجلات الأرشيفية
يكشف أرشيف العلاقات الخارجية الأمريكية (FRUS) كيف تفاجأ صناع السياسة الأمريكيون بالدعم السوفياتي. فقد افترض مسؤولون بالخارجية الأمريكية أن موسكو تعارض القومية خارج السيطرة الشيوعية. وخشي البعض أن يستخدم الكرملين الدولة اليهودية الجديدة كأداة لتعزيز النفوذ السوفياتي بالمنطقة.

ويظهر الأرشيف نقاشات مستفيضة داخل إدارة ترومان حول نوايا السوفيات. فقد قلق جورج كينان وآخرون من أن الدعم السوفياتي للتقسيم يعكس مسعى أوسع لتعزيز نفوذ موسكو بالشرق الأوسط.

ووجد الباحثان ميرشايمر وغرينييه مفارقة تاريخية أخرى، إذ خشي المسؤولون الأمريكيون عام 1947 من أن تصبح إسرائيل دولة تابعة للسوفيات. لكن تبين  أن الواقع مختلف تماما.

واشنطن تحظر الأسلحة وموسكو تسلح إسرائيل
لم يكن الدعم الدبلوماسي وحده كافيا لضمان بقاء إسرائيل. ففي ديسمبر/كانون الأول 1947، فرضت الولايات المتحدة حظرا على توريد الأسلحة لفلسطين. ورغم أن الهدف كان الحياد، فإن الحظر قيد وصول الأسلحة للقوات اليهودية التي تستعد لما بدا حربا حتمية.

في هذه اللحظة بالذات، تقدم المعسكر السوفياتي. فبواسطة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، سمحت موسكو بشحن كميات كبيرة من البنادق والرشاشات والمدفعية والذخيرة والطائرات. ووفقا لدراسات غابرييل غوروديتسكي ومواد أرشيفية درسها لوران روكر بمشروع التاريخ الدولي للحرب الباردة (CWIHP) التابع لمركز ويلسون، مثلت هذه الشحنات أهم المساهمات الخارجية في بقاء إسرائيل خلال حرب 1948.

ومن أشهر هذه الشحنات طائرات "أفيا إس- 199" "Avia S-199" المقاتلة، التي كانت نسخة مرتجلة من طائرة "ميسر شميت" "Mtesserschmit" الألمانية، لكنها أثبتت أهمية بالغة لسلاح الجو الإسرائيلي الناشئ. لاحقا، أقر رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بأهمية شحنات الأسلحة التشيكية. واستنتج مؤرخون عسكريون إسرائيليون أن هذه الشحنات أدت لتغيير ميزان القوى العسكرية خلال أشهر الصراع الأولى الحاسمة.

إعلان

خلق هذا إحدى مفارقات تأسيس إسرائيل. فبينما كانت واشنطن تسعى لمنع التصعيد بفرض حظر، أصبحت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات، المورد الرئيسي لأسلحة القوات اليهودية. ونتج وضع بدا مستحيلا بعد سنوات قليلة فقط. كان ستالين يسلح إسرائيل بينما كانت واشنطن تقيد شحنات الأسلحة.

تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.

تطلع السوفيات لإسرائيل الاشتراكية
تجاوزت حسابات موسكو طرد بريطانيا، واعتقد مسؤولون سوفيات أن الدولة الجديدة في طريقها نحو الاشتراكية. سادت تيارات عمالية التوجه الحركة الصهيونية، وبدا نظام المزارع الجماعية "الكيبوتس" اشتراكيا مثاليا. بل ينحدر قادة إسرائيليون كثر من أوروبا الشرقية، بروابط ثقافية مع التقاليد الاشتراكية. لذلك، اعتقد الكرملين أن إسرائيل ستكون محايدة أو متعاطفة مع السوفيات.

يرى ميرشايمر وغرينييه هذا الافتراض أحد أكبر أخطاء ستالين الإستراتيجية. فقادة إسرائيل رأوا مصالحهم الاقتصادية والأمنية المديدة مع الغرب. ولكن، قبل اتضاح التحول تماما، غيّر حدث استثنائي بموسكو نظرة ستالين لإسرائيل واليهود السوفيات.

غولدا مائير والمعبد اليهودي الذي أثار قلق ستالين
في سبتمبر/أيلول 1948، وصلت غولدا مائير لموسكو كأول سفيرة لإسرائيل. ما تلا ذلك صدم السلطات السوفياتية. في 3 أكتوبر/تشرين الأول، خلال احتفالات رأس السنة العبرية ويوم الغفران، احتشد اليهود السوفيات بعشرات الآلاف حول كنيس موسكو "الكورالي" لتحيتها، وهتفوا "ناشا غولدا" !Our Golda.

في مذكراتها "حياتي"، استذكرت غولدا مائير قائلة: "شعرت وكأنني غارقة في عذاب حب جارف لدرجة أنه سلب أنفاسي وأبطأ نبضات قلبي".

تقدر روايات أن الحشد قارب 50 ألفا. بالنسبة لليهود السوفيات، مثّل قيام إسرائيل لحظة عاطفية عميقة. لكن بالنسبة لستالين، حمل هذا التجمع معنى مختلفا؛ فالدولة السوفياتية تطالب بولاء مطلق. وأبدى الظهور العفوي لتظاهرة جماهيرية حاشدة، تمحورت حول الهوية اليهودية، وجود ولاءات وانتماءات خارجة الحزب الشيوعي.

وبحسب يعكوف روعي، شكل هذا الحدث نقطة تحول نظرة السوفيات للصهيونية. فلم تعد إسرائيل مجرد أداة سياسة خارجية، بل أصبحت مصدرا محتملا للهوية ومصدر إلهام لليهود السوفيات. وقد أزعج هذا الإدراك ستالين بشدة.

دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود

نهاية شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي
تقاطعت واقعة غولدا مائير مع إحدى أغرب المآسي الشخصية بالقيادة السوفياتية. كانت بولينا جيمتشوجينا، زوجة وزير الخارجية السوفياتي فياتشيسلاف مولوتوف، أبرز يهودية سوفياتية، وربما اعتبرت سيدة أولى (غير رسمية) لمكانتها المرموقة لدى النخبة السوفياتية.

ووفقا لمذكرات ودراسات تاريخية لاحقة، التقت بولينا بغولدا مائير خلال زيارتها كسفيرة، ويقال إنها تحدثت معها بحرارة باللغة اليديشية. ويبقى التحقق من تفاصيل هذه الروايات موضع نقاش. أما ما تلا ذلك فلا جدال فيه. فبعد فترة وجيزة، أمر ستالين باعتقالها. وطردت من الحزب الشيوعي ونفيت. حتى مولوتوف لم يستطع حمايتها، وكان سقوطها أحد عوامل سرعة انهيار شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي القصير.

تغير موقف ستالين جذريا بداية الخمسينيات، وتعرضت المؤسسات اليهودية لضغوط متزايدة، واعتقل أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية وأعدموا، واشتدت الحملات ضد ما يسمى بـ"العالميين عديمي الجذور".

ولا يزال المؤرخون يناقشون هل كانت نية ستالين اتخاذ إجراءات أوسع ضد اليهود قبل وفاته في مارس/آذار 1953. لكن الواضح أن قيام إسرائيل، واستقبال غولدا مائير بموسكو، وتزايد مخاوف ستالين من الصهيونية، شكلت مجتمعة جزءا من بيئة سياسية غذت هذه الحملات. فالزعيم ذاته الذي ساعد على قيام إسرائيل بات يرى الصهيونية تهديدا محتملا.

أهمية هذا التاريخ اليوم
في نهاية المطاف، فشلت الإستراتيجية السوفياتية. طردت بريطانيا من فلسطين، لكن إسرائيل لم تصبح شريكا سوفياتيا، بل تطورت كأقرب حليف إقليمي لأمريكا، ومع ذلك، لم يختف إرث هذا التاريخ أبدا.

فقد استقر أكثر من مليون مهاجر من الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية بإسرائيل، وانتشرت بها اللغة والثقافة الروسية، وتربط البلدين روابط اقتصادية وثقافية وعائلية وتاريخية متينة. وهذا يفسر اختلاف علاقة روسيا بإسرائيل عن علاقاتها بحلفاء الغرب الآخرين.

إعلان

حاليا، تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.

لا يرى ميرشايمر وغرينييه هذا تناقضا، بل يعكس تقليدا روسيا راسخا يرى الشرق الأوسط من زاوية مصالح الدولة وليس التحالفات الأيديولوجية. ويمكن تتبع جذور هذا النهج مباشرة لعامي 1947 و1948، حين أقدم ستالين على إحدى أخطر المغامرات الجيوسياسية بالقرن العشرين.

فسعيه لطرد بريطانيا من الشرق الأوسط، ساهم في قيام إسرائيل. وبأمله في كسب حليف، فقد عزز المعسكر الغربي، وأدى دعمه لإقامة دولة يهودية بالخارج لإحياء مخاوف هوية سياسية يهودية بالداخل، مما استتبع بعض أحلك فصول سنواته الأخيرة.

قلما خلفت قرارات جيوسياسية مثل هذه العواقب الدائمة. دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • مناورة المشير.. عاصم منير يسعى لإعادة صياغة مكانة باكستان بالعالم وتعزيز سلطته في الداخل
  • «تطلعات»: «سرديات مستمرة» يتواصل في «متحف»
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • هرمز.. بين هدنة الأيام العشرة واحتمالات الانفجار الكبير
  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • نائب وزير الخارجية يترأس الوفد المصري المشارك في القمة الاستثنائية للصحة بأفريقيا
  • 58% من السيدات بالعالم تعرضن للإيذاء الإلكتروني .. استشاري نفسي يوضح
  • الانفجار الكبير يقترب.. سلاح الجو الإسرائيلي يستعد لشن هجوم على إيران
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • مزايا عملاق سامسونج الجديد Galaxy Z Fold 8 Ultra