المتحف المصري الكبير، الحدث العظيم الذي ينتظره العالم باشتياق وشغف ولهفة كبيرة، أخيرًا حان موعد الافتتاح الضخم الذي يحضره ملوك وقادة ورؤساء العالم أجمع في ضيافة الرئيس عبد الفتاح السيسي وملوك مصر العظام، فاليوم نحن على موعد جديد مع التاريخ.

وبالتزامن مع افتتاح الصرح الثقافي والحضاري العالمي، أجرت "الوفد" حوارًا مع الدكتور أحمد بدران أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بجامعة القاهرة، كشفت خلاله المزيد من الأسرار عن حضارة الأجداد والمقتنيات والمجموعات الأثرية التي ستعرض لأول مرة.

وإليكم نص الحوار:-

حدثنا عن حالة الاحتفالات الضخمة التي يقوم بها المصريون على مواقع التواصل الاجتماعي.

حالة رائعة جدًال، المصريون يثبتون دائمًا للعالم عمق انتمائهم لوطنهم، وحبهم الكبير لحضارتهم العريقة، وتراثهم الغني، وثقافتهم الراقية، وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، ويتجلّى هذا الحب بوضوح في احتفاء الجميع، على "السوشيال ميديا"، بالزي المصري القديم الذي يصنعونه باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، وهو رمزًا للفخر والهوية الوطنية.

و المشهد يعكس اعتزاز المصريين، صغارًا وكبارًا، بتاريخهم العريق، وبحضارتهم التي أبهرت العالم وألهمت البشرية على مرّ العصور، فاليوم تتجه أنظار العالم كله إلى مصر لمتابعة واحد من أهم الأحداث الثقافية في القرن الـ21، وهو افتتاح المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الحضاري الذي طال انتظاره لأكثر من عشرين عامًا.

ويُعد هذا الحدث شاهدًا جديدًا على ريادة مصر الدائمة في مجالات الثقافة والفنون والإبداع والعلوم، ودليلًا على أن الحضارة المصرية لا تزال حية تنبض في وجدان أبنائها، وتواصل إلهام العالم بأسرة.

حدثنا أكثر عن المتحف المصري الكبير بعد سنوات طويلة من التشييد والانتظار للافتتاح الأستوري.

المتحف المصري الكبير هو بالفعل صرح ثقافي وحضاري عملاق، وُلِد كبيرًا ليبقى كبيرًا، فهو مشروع فريد من نوعه، لن يتكرر لعقود طويلة، وربما لقرون، لأن تميزه لا يقتصر على تصميمه المعماري المذهل، أو مساحته الشاسعة، بل يمتد إلى ما يضمه من كنوز وآثار لا مثيل لها في العالم.

فحتى إن أرادت أي دولة أن تبني متحفًا بهذا الحجم، فمن أين لها بآثار تضاهي عظمة ما تمتلكه مصر من تراث إنساني خالد؟.

المتحف المصري الكبير مشروع ثقافي متفرّد يعكس إصرار المصريين في العصر الحديث وعزيمتهم على صون حضارتهم العريقة وعرضها للعالم بأبهى صورة، فهو أكبر متحف في العالم مخصص لعرض آثار حضارة واحدة وهي الحضارة المصرية القديمة، بداية من عصور ما قبل التاريخ حتى العصرين اليوناني والروماني.

ويُجسّد هذا المتحف قدرة مصر على حفظ تراثها وتاريخها، وتقديمه للعالم بطريقة مبهرة تليق بعظمة تلك الحضارة الخالدة، وهذا ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على أهمية هذا المشروع ومتابعته الدقيقة لمراحل إنجازه النهائية، تقديرًا لقيمته التاريخية والثقافية.

أما من الناحية السياحية، فالمتحف المصري الكبير سيُحدث نقلة نوعية في قطاع السياحة المصرية، فمن المتوفع أن يجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم في نوع جديد من السياحة يُعرف بـ"سياحة المتحف المصري الكبير".

ويتضح ذلك من خلال الاهتمام العالمي الواسع الذي تم رصده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينتظر الملايين لحظة الافتتاح بشغف بالغ.

ومن المنتظر أن تتغير برامج شركات السياحة التقليدية لتخصيص أيام إضافية لزيارة هذا الصرح، إذ يحتاج الزائر إلى ما لا يقل عن ثلاث ساعات لزيارة المسار القصير، بينما تتطلب الجولة الكاملة، التي تشمل قاعات العرض الـ12 الممتدة على مساحة 18 ألف متر مربع، ما يقارب ثلاثة أيام لاكتشاف كل تفاصيلها المذهلة.

بالإضافة لمجموعة توت عنخ آمون، التي تتكون من 5398 قطعة أثرية، والتي تعرض لأول مرة كاملة في المتحف الكبير، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يحتضن قطعًا نادرة تجسد عبقرية الفن المصري القديم.

أما عن مكان المتحف، فهو يتواجد في موقع استراتيجي فريد يربط بين الأهرامات ومطار سفينكس الدولي، ليعكس رؤية الدولة المصرية الحديثة ضمن استراتيجية الجمهورية الجديدة 2030، فهو تجسيد لعبقرية الموقع والتصميم، ودليل على أن مصر ماضية بثقة نحو مستقبل يربط مجد الماضي برؤية الحاضر.

المتحف المصري الكبير ليس مجرد متحف، بل هو شريان ثقافي جديد يتدفق بالحضارة والفكر إلى العالم كله، وهدية مصر للإنسانية، وأيقونة خالدة تروي للعالم قصة حضارة لا تنتهي.

من بين الأفكار المبدعة كان الممشي السياحي الممتد من المتحف الكبير إلى منطقة الأهرامات.. كيف ترى هذه الفكرة؟

الممشى السياحي بمنطقة الأهرامات جاءت فكرته في إطار الرؤية الشاملة لتطوير هضبة الأهرامات، تلك المنطقة التي تحتضن أهرامات الجيزة العريقة، والمسجلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1999.

وتُعد هذه المنطقة إنجازًا إنسانيًا فريدًا للحضارة المصرية القديمة، لا مثيل له في تاريخ البشرية، وواحدة من عجائب الدنيا السبع القديمة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا بعد أن اندثرت البقية.

ومع إنشاء المتحف المصري الكبير، تحولت المنطقة بأكملها إلى متحف مفتوح يعكس عظمة التاريخ المصري القديم وروعة الحاضر، ولتحقيق هذه الرؤية الطموحة، وتهيئة الزائر للاستمتاع بالمشهد البصري الخلاب "اللاند سكيب" والمنظر العام للموقع، تم إنشاء الممشى السياحي الذي يمتد لمسافة تقارب 1500 متر، ليمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة.

ويحيط بالممشى عدد من المطاعم السياحية الراقية، إلى جانب حوال 600 متجر للهدايا التذكارية، تعرض منتجات مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، بدءًا من القطع الصغيرة البسيطة وحتى المستنسخات الكبيرة لأشهر الرموز مثل قناع توت عنخ آمون وغيره من روائع الفن المصري القديم.

ويتيح الممشى للزائرين، سواء سيرًا على الأقدام أو باستخدام العربات الكهربائية المتاحة، فرصة فريدة للاستمتاع ليس فقط بالآثار والمتحف والمنطقة الأثرية، بل أيضًا بالمناظر الطبيعية الخلابة والتنوع البصري المدهش الذي يميز المكان، خاصة بعد أعمال التطوير التي شملت التشجير، وتحسين محاور الدخول والخروج، وإضافة العلامات المميزة على امتداد المنطقة.

الممشى السياحي بالأهرامات يعتبر مشروعًا فريدًا من نوعه على مستوى العالم، إذ يربط بين الأهرامات العريقة والمتحف المصري الكبير، في انسجامٍ يجسّد الأصالة والمعاصرة معًا، الأصالة المتمثلة في عظمة الآثار والتراث، والمعاصرة التي تتجلى في استخدام الوسائل الحديثة والتقنيات المتطورة في عرض هذه الكنوز الخالدة.

كيف ترى فكرة المسلة الموضوعة في ساحة المتحف المصري الكبير لتكون أول مسلة معلقة بالعالم؟

بالفعل، المسلة المعلقة في المتحف المصري الكبير تُعد الأولى من نوعها في العالم، ولن يتكرر وجود متحف آخر يعرض مسلة معلقة بهذا الشكل الفريد.

وفكرة تنفيذ هذه المسلة المعلقة جاءت من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بقيادة اللواء عاطف مفتاح وفريق العمل القائم على مشروع المتحف المصري الكبير.

كان المصريون القدماء يعتبرون المسلة رمزًا دينيًا مهمًا للغاية في عقيدتهم، إذ كانت تمثل شعاع الشمس المتجمد، ورمز الصلة بين الأرض والسماء، وعندما كان الحرفيون في العصور القديمة ينحتون المسلات في المحاجر، كانوا يتعاملون معها باعتبارها حجرًا واحدًا كاملًا، فالمسلة لا تُبنى من أجزاء، بل تُنحت من كتلة حجرية واحدة.

وعند اكتمال نحت المسلة، كان العامل ينحت على قاعدتها الخَرطوش الملكي، الذي يحمل اسم الفرعون وذلك يعد بمثابة "ختم" يحفظ حق وملكية المسلة للملك الذي تنتمي إليه، فمثلًا هذه مسلة رمسيس الثاني أو تحتمس الثالث أو حتشبسوت، فلا يجوز لأحد المساس بها.

وفي هذه المسلة الموجودة أمام المتحف الكبير تنتمي للملك رمسيس الثاني في الأسرة الـ 19 "دولة حديثة"، وتم جلبها من "تانيس" وهي مدينة مصرية قديمة مكانها الحالي "صان الحجر" في محافظة الشرقية، ويبلغ  ارتفاع المسلة 16 متر ووزنها حوالي 100 طن.

ووُجد على قاعدة المسلة خَرطوشان يضمان الاسمين الملكيين لرمسيس الثاني وهما:-

الاسم الأول: "وسر ماعت رع ستبن رع"، ويعني عدالة رع المختار من رع، وهو اسم التتويج.

أما الاسم الثاني: "رع مسو مري آمون"، ويعني رع أنجبه محبوب آمون، وهو اسم الميلاد.

وقد ظل هذان الاسمان مخفيين عن الأنظار لآلاف السنين، لأن قاعدة المسلة كانت مثبتة في الأرض، فلا يمكن رؤيتهما، أما في تصميم المسلة المعلقة الحديثة، فقد تم ابتكار قاعدة حجرية من الجرانيت الأسود تحتوي على فراغ زجاجي شفاف يسمح للزوار بالمرور أسفل المسلة ومشاهدة الخرطوشين الملكيين بوضوح، لأول مرة منذ أكثر من 3300 عام.

وعلى قاعدة المسلة نُقشت كلمة "مصر" بجميع لغات العالم، بدءًا من اللغة المصرية القديمة بالخط الهيروغليفي، مرورًا بالعربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية وغيرها، في رسالة رمزية تؤكد عالمية الحضارة المصرية وخلودها.

وخلف المسلة مباشرة، يطل الزائر على واجهة المتحف المصري الكبير المهيبة، بعرض يقارب 600 متر وارتفاع يبلغ 45 مترًا، تزينها خراطيش هيروغليفية تحمل أسماء ملوك مصر العظام مثل: خوفو، خفرع، سنفرو، توت عنخ آمون، تحتمس الثالث، ورمسيس الثاني وغيرهم من ملوك المجد والخلود.

أعجبتني مقولة انتشرت مؤخرًا، وهي أن المتحف المصري الكبير هو أشرف متحف في العالم لأنه لا يعرض أية قطعة أثرية مسروقة أو غير أصلية.. ما تعليقك؟

أحييكي على هذه المقولة، فحقًا المتحف المصري الكبير يعد نموذجًا عالميًا يُجسّد الالتزام الكامل بجميع المعايير الأخلاقية المتحفية المعترف بها دوليًا، فهو لا يضم أي قطعة منهوبة أو مسروقة، ولا يحتوي على آثار جرى الاستحواذ عليها في فترات استعمارية أو تم شراؤها أو بيعها بأي شكل من الأشكال، ذلك لأن التراث والآثار لا تُباع ولا تُشترى، فهي ملك للبشرية جمعاء، وُجدت للعظة والاعتبار، ولإلهام الإنسان ودفعه للتأمل والمعرفة.

جميع القطع المعروضة في المتحف المصري الكبير أصلية 100%، تنتمي إلى الحضارة المصرية القديمة، ومن إبداع أجداد المصريين القدماء الذين تركوا للعالم تراثًا خالدًا لا مثيل له.

ويمتاز المتحف بخصوصيته الفريدة، إذ يختص بعرض حضارة واحدة فقط هي الحضارة المصرية القديمة بكل عصورها ومراحلها، من خلال قطع أصلية أصيلة تمثل عبقرية المصري عبر الزمن.

وعلى عكس متاحف أخرى كـ اللوفر في باريس أو المتحف البريطاني في لندن، التي تعرض مجموعات من حضارات متعددة كالعراق وبلاد الشام والصين واليونان، فإن المتحف المصري الكبير يحتفي بحضارة واحدة، لكنها حضارة كانت ولا تزال ملهمة للعالم كله.

الحضارة المصرية القديمة قدّمت للبشرية أسسًا علمية وفكرية لا تزال قائمة حتى اليوم؛ فهي التي أرست قواعد اللغة والكتابة، وأسهمت في وضع التقويم السنوي الذي ينظم الزمن إلى فصولٍ وشهورٍ وأيامٍ وساعاتٍ ودقائق وثوانٍ.

وهي التي ابتكرت الساعة الشمسية والساعة المائية والساعة الرملية، وأسست لعلم الطب وعلاج الأمراض، وابتكرت فن التحنيط الذي لم تعرفه أي حضارة أخرى في التاريخ.

كانت الحضارة المصرية القديمة مبدعة في كل مجالات الحياة، لأنها وضعت الإنسان في قلب فلسفتها، فجعلت من الإبداع وسيلة لخدمة الإنسان وارتقائه.

فبينما كانت شعوب العالم تعيش في الكهوف، كان المصري القديم يبني الأهرامات والمعابد والقصور والمنازل، وهو أول من ابتكر الملابس وصنع العطور واهتم بالجمال والنظافة والفن.

كل مظاهر التحضر التي نعرفها اليوم كان للمصري القديم فيها الريادة الأولى، ومنها انتقلت إلى العالم أجمع، ومن هنا تأتي عظمة المتحف المصري الكبير، فهو متحف نزيه وشريف وأصيل، غير ملوث بأي قطعة مشكوك في مصدرها أو صحتها، ولا يحتوي إلا على كل ما هو مصري خالص، آثارًا، وروحًا، وهويةً.

حدثنا عن أهم القطع والمجموعات الأثرية التي يضمها المتحف المصري الكبير إلى جانب مجموعة "توت عنخ آمون".

جميع القطع الأثرية في المتحف المصري الكبير ذات أهمية متساوية وقيمة أثرية فريدة، غير أن أسلوب العرض المتحفي الجديد هو الذي يثير التشويق والإعجاب ويجذب انتباه الزائرين، لما يتميز به من ابتكار وتنظيم موضوعي حديث.

ومن بين المعروضات النادرة نقوش ملونة ولوحات جدارية تُظهر الرجل مع أكثر من زوجة، وهي من المشاهد القليلة في الفن المصري القديم.

ويبرز في المدخل التمثال الضخم للملك رمسيس الثاني، الذي يستقبل الزوار في الدرج العظيم، حيث تُعرض مجموعة من التماثيل الكبيرة، من بينها تماثيل المعبود حابي رب النيل والفيضان عند المصريين القدماء، والذي كان يُلقب بـ "رب الخيرات".

ويضم الدرج أيضًا تماثيل بطلمية ضخمة لملكٍ وملكةٍ يُرجح أنهما بطليموس الثالث والملكة برنيكي، وقد تم استخراجها من الآثار الغارقة في بحر الإسكندرية، وهي قطع فنية فريدة في جمالها ودقتها.

كما تُعرض تماثيل ملوك مصر العظام، ومنهم الملك سنوسرت الأول الذي يظهر في عشر نسخ تماثيل متطابقة الحجم، إلى جانب عمود النصر للملك مرنبتاح، ومجموعة من المقاصير والأعمدة واللوحات الحجرية والجنائزية التي توثق طقوس العبادة والحياة الدينية القديمة.

ثم ينتقل الزائر إلى مجموعة الملك توت عنخ آمون، التي تُعد من أبرز مقتنيات المتحف، وتم تقسيمها لموضوعات متنوعة منها قصة اكتشاف المقبرة وموقع وادي الملوك، والأسرة الملكية للملك توت عنخ آمون والمجتمع في عصره، والإبداعات المعمارية والفنية في زمنه، وبراعة المصري القديم في صناعة الحلي والمجوهرات التي أكسبته لقب "الفرعون الذهبي".

كما تحتوي المجموعة على ثلاثة توابيت خشبية متداخلة، بداخلها تابوت ذهبي خالص وزنه حوالي 110 كيلوجرامات، ثم تابوت حجري خارجي.

أما القطعة الأشهر على الإطلاق فهي قناع الملك توت عنخ آمون الذهبي، الذي عُرض في المتحف البريطاني بلندن عام 1972 في معرض حضرته الملكة إليزابيث الثانية بنفسها، والذي أدهش العالم بجماله ودقته، إذ يظنه البعض مصنوعًا من قطعة واحدة، بينما هو في الحقيقة مؤلف من 54 قطعة منفصلة جُمعت ببراعة فنية لا تُظهر أي فواصل أو علامات، وهذا القناع كان يغطي مومياء الملك.

هل تضم قاعة "توت" مومياء طفلتين لبناته؟

صحيح، لقد تولّى الملك توت عنخ آمون عرش مصر وهو في سن صغيرة، وحكم البلاد لمدة 9 سنوات، وتزوّج من " عنخس إن آمون" ابنة الملك إخناتون والملكة نفرتيتي، ورُزق الزوجان بطفلتين، إلا أن الحملين لم يكتملا، إذ توفي الجنينان قبل الولادة، وتم تحنيط الجنينتين، وهما لفتاتين، إحداهما كان عمرها خمسة أشهر جنينية، والأخرى سبعة أشهر تقريبًا.

وسيتم عرض الجنينتين للمرة الأولى ضمن مقتنيات مجموعة "توت"، في سابقة فريدة تُظهر بوضوح مدى براعة المصريين القدماء في مجالي الطب والتحنيط.

وقد أثارت صور الأجنة المُحنطة قديمًا بعض الجدل عندما عُرضت، إذ ظنّ البعض أنها كائنات غريبة أو غير بشرية بسبب شكلها، حيث يبدو الرأس كبيرًا والجسد صغيرًا والأطراف دقيقة، وهو الشكل الطبيعي للأجنة في مراحلها الأخيرة من الحمل، كما نراه اليوم في "السونار".

لكن الحقيقة العلمية المؤكدة أن هاتين الجنينتين هما ابنتا الملك توت، وقد تم العثور عليهما داخل مقبرته بوادي الملوك، حيث دُفنتا مع والدهما ضمن مقتنيات الدفن الملكي، في مشهد إنساني مؤثر يعبّر عن قدسية الحياة والموت في العقيدة المصرية القديمة، وعن عمق الروابط الأسرية حتى بعد الفناء.

أخيرًا، ما هي القطعة الأثرية التي كنت تتمنى أن تراها في المتحف الكبير؟

في الحقيقة، المسألة ليست أن هذه القطع غير موجودة، بل هي موجودة بالفعل في المتحف المصري بالتحرير، وكان من غير الممكن أن يتم إفراغ متحف التحرير من جميع آثاره، فهو متحف عريق ذو مكانة عالمية، كما أن مبناه نفسه يُعد أثرًا تاريخيًا فريدًا.

ولكن من بين القطع التي كنت أتمنى رؤيتها ضمن العرض الجديد، تمثالا رع حتب ونفرت، واللذان يُطلق عليهما أحيانًا لقب "موناليزا مصر القديمة" لما يتميزان به من روعة الملامح ودقة النحت وواقعية التفاصيل.

وقد حُفرت هذه القصة في ذاكرة علم الآثار؛ فعندما اكتشف العالم الفرنسي أوغست مارييت، المقبرة التي وُجد فيها التمثالان، ودخلها فريق العمل لأول مرة، انعكست أشعة الشمس على عيون التمثالين المطعمة بالكريستال والحجر، فبدت وكأنها تنبض بالحياة، فانتاب الفريق الذهول، وخرجوا مسرعين يصيحون: لقد عاد الفراعنة إلى الحياة.

وهذه الواقعة تجسد عبقرية النحات المصري القديم، الذي استطاع أن يخلق من الحجر الصلب روحًا نابضة بالحياة، مستخدمًا تقنيات دقيقة في تطعيم العيون تمنح التمثال واقعية مذهلة حتى يومنا هذا.

لذلك يُعد تمثالا رع حتب ونفرت، من أعظم الروائع الفنية في تاريخ النحت المصري القديم، ويمكن بحق وصفهما بأنهما تحفة فنية خالدة (Masterpieces) تجسد عبقرية الفن المصري القديم في ذروتها.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: المتحف الكبير المسلة المعلقة المتحف المصري الكبير الرئيس عبد الفتاح السيسي حضارة الأجداد افتتاح المتحف المصري الكبير سعر المتحف المصري الكبير تذكرة المتحف المصري الكبير سعر تذكرة المتحف المصري الكبير المتحف المصري اخبار المتحف المصري موعد افتتاح المتحف المصري الكبير تفاصيل افتتاح المتحف المصري الكبير احتفالية المتحف المصري الكبير إجازة المتحف المصري الكبير توت عنخ آمون قاعة توت عنخ آمون الحضارة المصریة القدیمة المتحف المصری الکبیر الفن المصری القدیم فی المتحف المصری المسلة المعلقة المتحف الکبیر توت عنخ آمون الملک توت فی العالم لأول مرة أکثر من لا تزال من بین متحف ا التی ت

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • خرائط عالمنا الجديد
  • الموزة المنهوبة للمرة الثانية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • غوغل تطلق ميزة جديدة تحوّل هاتف أندرويد إلى مساعد ذكي
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • رباعي التحكيم المصري يغادر القاهرة للمشاركة في كأس العالم