قصة المتحف المصري الكبير.. كيف يرويها مرمم الآثار؟
تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT
افتتح رسميا منذ ساعات قليلة المتحف المصري الكبير، الذي يُعد أحد أهم المشاريع الثقافية في مصر في القرن الـ21. لكن بالنسبة إلى محمد إبراهيم الشويخي، أحد مسؤولي ترميم الآثار بالمتحف منذ انطلاق العمل فيه، فإن الحدث لا يمثل مجرد افتتاح لمشروع ضخم، بل تتويجا لجهود استمرت أكثر من عقدين، شارك فيها مئات المتخصصين وآلاف العمال المصريين.
في عام 2008 أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن مسابقة لتعيين مرمّمي آثار للعمل في المتحف المصري الكبير، بعد اكتمال الدراسات المبدئية للمشروع وبدء تنفيذ غرف الترميم والمخازن. تقدّم للمسابقة نحو 10 آلاف متسابق، خضعوا لعدة مراحل من التصفية انتهت في مايو/أيار 2009 باختيار 106 مرمّمين ضمن المرحلة الأولى، كان من المقرر أن تتبعها مرحلة ثانية لتعيين العدد نفسه. غير أن ثورة يناير/كانون الثاني 2011 أوقفت المرحلة الثانية، لتقتصر التعيينات على نصف العدد فقط.
من بين هؤلاء كان محمد عبد القادر النويشي، خريج كلية الآداب، قسم الآثار والترميم، الذي بدأ رحلته في العمل بالمتحف في واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ مصر الحديث.
يروي النويشي، وهو من الدفعة الأولى للمرممين في المتحف المصري الكبير، تجربته قائلا: "15 عاما عملت فيها من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التي طال انتظارها. كان من المقرر افتتاح المتحف قبل عامين أو أكثر، لكن الأحداث السياسية في المنطقة أجّلت الموعد. ومع ذلك، لم يتوقف العمل ليوم واحد، حتى في أصعب الظروف بعد ثورة يناير وحالة الفراغ الأمني التي شهدتها البلاد. في صباح جمعة الغضب، 28 يناير/كانون الثاني 2011، حينما كانت مصر كلها مغلقة، كنا نحن في الثامنة صباحًا أمام بوابة المتحف، نواصل عملنا كأن شيئا لم يحدث".
على مدى 15 عاما من العمل في الترميم، لا يتذكر المرمم محمد عبد القادر النويشي عدد القطع التي شارك في ترميمها، لكنه لا ينسى لحظة دخوله إلى غرفة مجموعة الملك الذهبي توت عنخ آمون للمرة الأولى، تلك اللحظة التي وصفها بأنها "تجربة لا تُنسى".
إعلانيقول النويشي في حديثه: "غرفة الملك توت عنخ آمون هي المجموعة الوحيدة التي ستُعرض كاملة لأول مرة في الافتتاح الرسمي. حتى أثناء الافتتاح التجريبي، ظلت الغرفة مغلقة، في انتظار اللحظة التي سيُبهر فيها العالم بما تملكه مصر من تراث وبما أنجزته بهذا المتحف".
أما على صعيد أنظمة الأمان، فيؤكد النويشي للجزيرة نت أن نظام التأمين في المتحف الكبير يُعدّ الأحدث عالميًا، إذ تُؤمَّن كل 50 سنتيمترا بكاميرات مراقبة محيطية وأجهزة تتبّع إلكترونية دقيقة. كما تقع غرف المخازن والترميم تحت الأرض، ولا يعرف مواقع مداخلها سوى العاملين المصرح لهم، وهي مؤمنة بشكل كامل وسري.
ويشير النويشي إلى أن هذا النظام المتكامل هو ما حافظ على سلامة المقتنيات خلال فترات الاضطراب السياسي والانفلات الأمني التي شهدتها البلاد، ليبقى المتحف الكبير رمزا للصمود والدقة في حماية التراث المصري.
يروي محمد عبد القادر النويشي، أن فكرة إنشاء المتحف لم تكن وليدة لحظة أو قرار مفاجئ من الوزير الأسبق فاروق حسني، بل جاءت نتيجة 5 سنوات من الدراسات والتخطيط في الداخل والخارج. ويؤكد أن كل خطوة إنشائية في المشروع خضعت لحسابات دقيقة وتصميمات هندسية تراعي ضخامة القطع الأثرية وطبيعة عرضها لتظهر بهيبتها المعهودة.
يقول النويشي في حديثه للجزيرة نت: "حين نُقل تمثال رمسيس الثاني من ميدانه الشهير في عام 2006، وُضع مباشرة في موقعه الدقيق داخل التصميم المعماري للمتحف، ثم بُني المبنى حوله، بما في ذلك البهو الرئيسي والبوابة الأمامية".
ويضيف أن درج المتحف، الذي يعرض عليه عدد من التماثيل الفرعونية العملاقة، خضع لتصميم خاص يضمن التوازن البصري والهندسي في طريقة عرض القطع.
ولم تقتصر الدقة على الجوانب المعمارية فحسب، بل امتدت إلى التفاصيل الفلكية؛ إذ أوضح النويشي أن فريق المهندسين المصريين عمل على ضبط موعد تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني في المتحف، ليحدث في اليوم نفسه الذي تتعامد فيه الشمس على وجه الملك في معبده بالأقصر، وهو ما اعتبره "إنجازا هندسيًا ومعرفيًا سيُسجل في تاريخ مصر الحديث".
ويُرجع النويشي استمرار العمل بالمتحف رغم الأزمات السياسية والاقتصادية إلى تبعية المشروع مباشرةً لرئاسة الوزراء، مما جنّبه البيروقراطية الحكومية.
صرح حضارييقع المتحف المصري الكبير عند هضبة الجيزة على بُعد نحو كيلومترين فقط من الأهرامات، مما يجعله أحد أبرز المعالم الثقافية والسياحية المتكاملة في العالم، إذ يتيح للزوار الجمع بين زيارة المتحف وموقع الأهرامات في يوم واحد. يمتد المشروع على مساحة نحو 500 ألف متر مربع، منها 300 ألف متر مربع للمبنى الرئيسي، ليصبح بذلك أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة هي الحضارة المصرية القديمة.
تعود فكرة إنشاء المتحف إلى عام 1992، حين خُصصت له مساحة تبلغ 117 فدانًا قرب الأهرامات، قبل أن يُوضع حجر الأساس عام 2002، عقب إطلاق مسابقة معمارية دولية برعاية اليونسكو والاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين لاختيار التصميم الفائز.
وبعد أكثر من عقدين من العمل المتواصل، شهد العالم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، الذي يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من مختلف عصور مصر القديمة، بينها مجموعة الملك الذهبي توت عنخ آمون والمراكب الملكية، ليجسد المتحف الجديد رؤية مصر في الحفاظ على تراثها وتقديمه بأسلوب يواكب معايير العرض العالمية الحديثة.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات المتحف المصری الکبیر فی المتحف أکثر من
إقرأ أيضاً:
افتتاح بهارات “حافظ الشعيبي” يتصدر الاستثمار الداخلي قبل العيد الكبير
دعاء القادري – صنعاء
افتُتح، صباح اليوم السبت في العاصمة صنعاء، أكبر مركز للبهارات والمكسرات والزيوت الطبيعية وجميع المنتجات الاستهلاكية، وذلك في مقره الكائن بشارع الخمسين، نهاية جسر بيت بوس، مدخل حي المهندسين.
وخلال حفل الافتتاح الرسمي، أكد المدير العام ورجل الأعمال البارز حافظ الشعيبي، في تصريح صحفي، أن رأس المال الوطني يشهد حضورًا فاعلًا مع مطلع العام الجديد 2026، من خلال إقامة مشاريع اقتصادية تُسهم في خدمة الاقتصاد الوطني، وتفتح آفاقًا جديدة للشراكة والاستثمار والتنمية داخل البلاد.
وأوضح الشعيبي أن الوضع الاقتصادي الراهن يشجع على إقامة مثل هذه المراكز والمشاريع التجارية، في ظل الدعم والتسهيلات من الجهات الرسمية، بما يسهم في ضخ الأموال الوطنية داخل السوق المحلية وتعزيز إنعاش الحركة التجارية.
وأشار إلى أن المنتجات الوطنية المعروضة لا تقل من حيث الدقة والكفاءة والجودة عن المنتجات الخارجية، لافتًا إلى أن المركز يوفر أيضًا منتجات خارجية، والتي تُعد من أفضل المنتجات المتوفرة في السوق المحلية.
كما أضاف المدير الإشرافي في المركز، عبدالله عبده الشعيبي، بأن الإدارة تعمل على توفير كل المنتجات بأسعار تنافسية تلبي كل احتياجات الأسرة اليمنية. وقال الشعيبي: “ونحن مقبلون على الأيام المباركة من شهر ذي الحجة، ستجد الأسر اليمنية هنا كل ما تحتاجه من مستلزمات ضرورية للعيد الكبير”.
وشهد حفل الافتتاح حضورًا واسعًا من شخصيات عامة ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب ممثلي وسائل الإعلام المحلية.
ويأتي افتتاح المركز في لحظة تحاول فيها الأسواق المحلية استعادة نشاطها الاقتصادي. فالدلالة الأهم في هذا الحدث لا تكمن فقط في حجم المشروع الاستثماري أو نوعية المنتجات المعروضة، بل في الرسالة التي يسعى رأس المال المحلي إلى إيصالها، ومفادها أن الاستثمار الداخلي ما يزال خيارًا قائمًا، وأن قطاع المشاريع الاستهلاكية بات يمثل أحد المسارات للنمو في الواقع الاقتصادي الحالي.
كما يعكس التركيز على المنتجات الوطنية إلى جانب المستوردة توجّهًا عمليًا نحو تقليص فجوة الاعتماد الخارجي، وتحريك سلاسل التوريد والتشغيل داخل السوق المحلي، بما يساهم في خلق فرص عمل وتحريك الطلب للاستثمار الداخلي للبلاد.