متى لا تُقبل صلاة الفجر؟ .. وما حكم تأخيرها وسنتها إلى الشروق
تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT
حكم تأخير صلاة الفجر وسنته إلى ما قبل الشروق احترازاً لدخول وقتها.. سؤال أجابت عنه دار الإفتاء المصرية من خلال موقعها الرسمي، حيث يقول سائل: ما حكم تأخير سُنةَ الفجرِ إلى بعد صلاة الصُّبح احتياطًا لِلتأكد مِن دُخُول الوقت؟
تأخير صلاة الفجر وسنته إلى ما قبل الشروقوقالت الإفتاء في جوابها لا يجوز تأخير سنة الفجر إلى ما بعد صلاة الفريضة؛ بدعوى عدم صحة توقيت صلاة الصبح؛ فالتوقيتُ الحاليُّ لصلاة الفجر صحيحٌ يَجبُ الأخذُ به؛ لأنه ثابِتٌ بإقرارِ المُتخصِّصين، وهو ما استَقَرَّت عليه اللِّجانُ العِلمية.
وبينت أن دعوى الخطأ في ذلك دعوى باطلة وغير قائمة على علم شرعيٍّ أو كونيٍّ صحيح؛ فهي صادرة عن غير المتخصصين، وفيها تجاوز لأهل الذكر وأولي العلم، وتفريقٌ لاجتماع المسلمين على ما ارتضاه الله لهم من الأخذ بما قال بصحته العلماء والمتخصصون، فلا يجوز القول بذلك ولا نشره في الناس، ولا ينبغي إثارةُ أمثالِ هذه المسائلِ إلَّا في الدوائر العِـلميةِ المتخصصة.
كما قالت دار الإفتاء إن الفجر يُعْرَفُ بعلاماته التي جعلها الشارع أسبابًا دالةً عليه، وذلك بانتشار ضوئه المستطير في الأفق؛ كما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بسنته بيانًا واضحًا: فرَّق فيه بين الفجر المستطير الصادق الذي يدخل به وقتُ صلاة الفجر والذي ينتشر ضوؤه يمينًا وشمالًا، وبين الفجر المستطيل الكاذب الذي هو كهيئة المخروط المقلوب.
وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ»، وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل «حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا»، وقال زهير -أحد رواة الحديث- بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.
كما بينت الإفتاء أن صلاة الفجر صحيحة إذا صُلّيت قبل طلوع الشمس، لا خلاف في ذلك بين الأئمة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَوَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) رواه مسلم، وإنما وقع الخلاف بينهم في تحديد وقت الفضيلة، هل هو أول طلوع الفجر الصادق، أم بعد ذلك بوقت بحيث يظهر النور وتنكشف الظلمة؟
وتابعت: ما يقع في بعض الدول الإسلامية من تأخير صلاة الفجر سببه أنهم من أتباع المذهب الحنفي، الذي يعتبر أن الإسفار (الإضاءة أو وقت ظهور النور وانكشاف الظلمة) في الفجر هو وقت الفضيلة؛ أي أنه أفضل وقت لأداء صلاة الفجر، وليس أول طلوع الفجر كما هو مذهب الجمهور.
جاء في "الهداية" من كتب الحنفية: "يُستحب الإسفار بالفجر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ) رواه الترمذي، وقالوا فيه (في حد الإسفار في الفجر): "أن يبدأ في وقت يبقى منه بعد أدائها إلى آخر الوقت ما لو ظهر له فساد صلاته أعادها بقراءة مسنونة مرتلة ما بين الخمسين والستين آية قبل طلوع الشمس، ولا يظن أن هذا يستلزم التغليس إلا من لم يضبط ذلك الوقت" ينظر: "فتح القدير" (1/ 226).
وشددت بناء على ذلك: ففي مذهب الحنفية يُصلون الفجر في وقت بحيث يبقى بعد فراغهم منها مقدار ما يسع الصلاة بطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، وقراءة ما بين الخمسين والستين آية غير الفاتحة.
أما جمهور الفقهاء فوقت الفضيلة عندهم الغلس (الظلمة أو السَّوَادُ الْمَخْلُوطُ بِالْبَيَاضِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ) في الفجر؛ أي الصلاة أول تحقق طلوع الفجر؛ وأدلتهم على ذلك كثيرة، حيث يقول الإمام النووي رحمه الله: "احتج أصحابنا بقول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) البقرة/238، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا أخرها عرَّضها للفوات، وبقول الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) آل عمران/133، والصلاة تحصل ذلك.
وجاء عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المئة) رواه البخاري ومسلم.
كما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بغلس) رواه البخاري ومسلم. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (كنت أتسحر في أهلي ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري.
وروي عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر) رواه أبو داود بإسناد حسن.
وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج (أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ) فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره. فإن قيل: لا يصح هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه أعظم للأجر)؛ لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل. فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت ولم يتيقنه جاز له الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل. وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة؛ فإنه لا يتيقن فيها الفجر إلا باستظهار في الإسفار.
والثاني: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم. فإن قيل: لو صلوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر؟ فالجواب: أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)" انتهى باختصار من "المجموع" (3/ 51).
وشددت: فالكل له أدلته، ولا يُنكَر على أحد في مسائل الخلاف، فمن أخذ بواحد من الرأيين فهو على خير بإذن الله، ولكن الذي نفتي به ونراه أقرب للصواب هو قول جماهير العلماء، بأن أفضل وقت لأداء صلاة الفجر هو أول طلوع الفجر.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: صلاة الفجر رسول الله صلى الله علیه وسلم النبی صلى الله علیه البخاری ومسلم رواه البخاری رضی الله عنه طلوع الفجر حکم تأخیر إلى ما ما بین
إقرأ أيضاً:
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الإمام علي والوصاية على الأمة
المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.
شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى
من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.
مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم
لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات
إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.
مدرسة في العدل والإنصاف
يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.
دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام
إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.
ختاما ..
يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله