في كل مرة تُمدَّد فيها ولاية البعثة الأممية في ليبيا، يتجدد السؤال الجوهري: هل نحن أمام دعم فني لمسار وطني، أم أمام إدارة دولية لأزمة سيادية؟

اعتمد مجلس الأمن مؤخرا تمديد ولاية البعثة الأممية، مرفوقا بما يُعرف بـ"آلية الحوار المهيكل"، وهو مصطلح دبلوماسي أنيق يخفي وراءه مقاربة جديدة، أن تُستبدل إرادة الشعب بـ"تنسيق بين النخب"، وأن يُستبدل الاستحقاق الدستوري بـ"حوارات شاملة" بلا أفق زمني ولا محاسبة.



من الناحية القانونية، لا خلاف في أن مبدأ سيادة الدولة وفق المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة، يُحتّم أن تكون البعثات الأممية ذات طبيعة مساعدة لا إدارية، وأن احترام الاختصاص الوطني هو جوهر أي تفويض أممي.

لكن واقع الحال يشير إلى أن "التمديد الأممي" بات يُستعمل كأداة لتجميد الإرادة الوطنية، بدل أن يكون جسرا نحو الاستحقاق الدستوري.

ما يُسمى بالحوار المهيكل قد يبدو إطارا تقنيا محايدا، غير أنه في الممارسة، يُعيد إنتاج "خريطة سياسية أممية"، لا تقوم على الاستفتاء الشعبي ولا على القاعدة الدستورية المنبثقة من الهيئة المنتخبة، بل على التوازنات المرحلية بين الأطراف، وهو ما يجعل من "التمديد" في ذاته تكريسا للجمود السياسي، لا خطوة نحو الحل.

إن فكرة الحوار المهيكل، بصيغتها الحالية، تفتقر إلى مبدأ التمثيل الشعبي المنصوص عليه في الفقرة 1 من المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يجعل إرادة الشعب مصدرا لشرعية السلطة، وبالتالي فإن أي حوار لا يعكس هذه الإرادة لا يمكن أن يكتسب صفة الشرعية الدولية

إنّ المسار القانوني السليم يقتضي أن يُربط أي تمديد لولاية البعثة بمؤشرات واضحة للإنجاز، كإعادة إدراج خيار الاستفتاء على مشروع الدستور ضمن جدول الحوار، أو تحديد سقف زمني لإنهاء الولاية الأممية وتحويل الملف إلى مؤسسات الدولة الليبية. فالدعم الدولي مشروع حين يُمكّن الدولة من ممارسة سيادتها، لكنه يصبح انتهاكا مواربا حين يتحوّل إلى وصاية ناعمة باسم "الاستقرار".

وتنص المادة (100) من ميثاق الأمم المتحدة على وجوب التزام الموظفين الدوليين بالحياد التام في أداء مهامهم، وعدم تلقيهم أي توجيهات من الحكومات أو الأطراف الوطنية. إلا أن الممارسة في ليبيا تُظهر -وفق مراقبين- أن هذا الحياد قد تعرّض للاهتزاز، إذ تحوّل الدور الأممي أحيانا من المساعدة التقنية إلى التأثير في توازنات العملية السياسية، وهو ما يستوجب مراجعة دقيقة لتحديد مدى اتساق أداء البعثة مع مقتضيات تفويضها الأصلي

وزاد من تعقيد المشهد أن مجلس الأمن لم يحسم بعدُ مسألة تعيين مبعوث جديد، رغم انتهاء ولاية المبعوث السابق، في سابقة غير مألوفة في سجل بعثات الأمم المتحدة السياسية، الأمر الذي يعكس حالة انقسام دولي حول مستقبل الدور الأممي في ليبيا.

فالتجاذب بين الأعضاء الدائمين، وتضارب المصالح الإقليمية، جعلا من التمديد الدوري للبعثة خيارا أسهل من حسم مسألة القيادة السياسية للبعثة، وهو ما أدى عمليا إلى تحويلها من بعثة دعم مؤقتة إلى جهاز إداري دائم داخل المشهد الليبي.

ومن اللافت أن مجلس الأمن اعتمد التمديد الأخير لولاية البعثة رغم تزايد مؤشرات تضخمها الهيكلي، إذ تُبيّن بيانات الأمم المتحدة أن عدد موظفي بعثة "‎UNSMIL‎" ارتفع من نحو 183 موظفا دوليا عام 2023 إلى أكثر من 208 عام 2025، فيما بلغ إجمالي عدد موظفيها المدنيين نحو 314، بين دوليين ووطنيين ومتطوعين.

هذه الزيادة المتواصلة -رغم غياب إنجازات حاسمة في المسار الدستوري- تعكس تحوّل البعثة من دورها الأصلي كمساعدة فنية مؤقتة إلى وجود شبه إداري دائم، وهو ما يتناقض مع طبيعة بعثات الدعم المحددة في قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2009 (2011) الذي نصّ على أن مهامها "تقتصر على تقديم المساعدة التقنية والسياسية بناء على طلب السلطات الليبية".

تأخرُ مجلس الأمن في تعيين مبعوث جديد، وتكرار التمديد دون تقييم دوري، يمثل سابقة في سجل بعثات الأمم المتحدة السياسية، مما يثير تساؤلات حول جدوى التفويض الحالي وقدرته على تحقيق انتقال دستوري فعلي

لقد بات واضحا أن إطالة أمد الوجود الأممي دون أفق زمني محدد تُضعف الثقة الشعبية في جدوى هذا المسار، وتحوّل مفهوم "الدعم الدولي" إلى أداة إدارة للأزمة بدل حلّها. من هنا، يبرز السؤال الملحّ: هل ما زال التفويض الأممي أداة مساعدة أم أصبح مظلة للجمود؟

ضرورة مراجعة منهجية للعلاقة مع البعثة

لقد بات واضحا أن استمرار البعثة الأممية في توسيع دورها السياسي دون مرجعية قانونية محددة يستدعي مراجعة منهجية شاملة لطبيعة العلاقة معها.

فالمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المجلس الرئاسي، ومجلسا النواب والدولة، والسلطة القضائية، تتحمل مسؤولية إعادة ضبط هذه العلاقة على أساس مبدأ "الشراكة لا الإدارة"، بما يضمن أن تبقى البعثة في حدود ولايتها الأصلية كمساعد تقني، لا كفاعلٍ سياسيٍّ بديلٍ عن الإرادة الوطنية.

إن هذه المراجعة لا تعني القطيعة مع المجتمع الدولي، بل تعني استعادة زمام المبادرة الوطنية عبر إطارٍ قانونيٍّ منظم، يُحدِّد صلاحيات البعثة وواجباتها وآليات مساءلتها وفقا لميثاق الأمم المتحدة واتفاق الدولة المضيفة.

وبذلك، يتحقق التوازن بين الدعم الدولي واحترام السيادة، فيتحوّل الوجود الأممي من وصايةٍ سياسية إلى شراكةٍ مهنيةٍ تحفظ كرامة الدولة وحقها في تقرير مصيرها.

الاستقرار الحقيقي لا ينتج من "حوارات مهيكلة" خارج الإرادة الشعبية، بل من خيار وطني واضح يُعيد للشعب كلمته، ويُحيل الملف الليبي من مكاتب البعثة إلى صناديق الاقتراع. وإن الحفاظ على السيادة لا يتحقق بإلغاء التعاون الدولي، بل بتنظيمه وفق ضوابط القانون الدولي ومقتضيات الإرادة الشعبية، حتى لا تتحول البعثة من مظلة دعم إلى بديلٍ عن الدولة. فليبيا لا تحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى شراكة تحترم إرادة شعبها، وتعيد للدولة مركزها الطبيعي كصاحبة القرار في رسم مستقبلها السياسي والدستوري.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ليبيا الحوار الدستوري الأمم المتحدة مؤسسات ليبيا الأمم المتحدة دستور حوار مؤسسات مدونات قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البعثة الأممیة الحوار المهیکل الأمم المتحدة ولایة البعثة مجلس الأمن وهو ما

إقرأ أيضاً:

الأمم المتحدة: مليار شخص متضرر من إغلاق مضيق هرمز

الأمم المتحدة: مليار شخص متضرر من إغلاق مضيق هرمز

مقالات مشابهة

  • لتلافي الآثار الكارثية للظاهرة.. السعودية: تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • د. مايكل لينك: الأمم المتحدة بلا قوة إلزام فعلية لتطبيق القانون الدولي
  • طرابلس.. اجتماع سيادي رفيعُ لبحثِ «ملف الهجرة ومخاطرِ التوطين»
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • الأمم المتحدة: مليار شخص متضرر من إغلاق مضيق هرمز
  • عبدالعزيز: أطلعتُ على توصيات مسار الحوكمة في الحوار المهيكل وعلى الليبيين رفضها
  • ما بعد اليونيفيل وانتشار الجيش.. محادثات جبيلي مع البعثة الأميركية
  • الأمم المتحدة: جنوب لبنان يحترق ولابد من إعطاء الحوار فرصة للنجاح
  • مندوب لبنان في الأمم المتحدة: عدم التزام إسرائيل بوقف النار تسبب في تعثر الدولة اللبنانية