السدود الأهلية.. تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في القرى الجبلية
تاريخ النشر: 4th, November 2025 GMT
حوار - فاطمة الحديدية
يتفاوت هطول الأمطار بشكل كبير بين محافظات سلطنة عُمان؛ ففي المحافظات الشمالية، يتراوح المتوسط السنوي بين 100 و120 ملم، بينما يتراوح في المحافظات الجنوبية عادة بين 70 و80 ملم، أما في المناطق المتأثرة بالخريف، فيتراوح المتوسط السنوي بين 90 و105 ملم، ويصل إلى أعلى تركيز له خلال أشهر الصيف.
ومن هذا المنطلق؛ أجرت "عُمان" حوارًا مع الدكتور علي بن محمد الحامدي الرئيس التنفيذي لشركة أزر القابضة وعضو مجلس الإدارة في الجمعية العمانية للمياه وعضو مجلس إدارة جمعية علوم وتقنية المياه الخليجية، حول تأثير الإدارة المؤسسية للسدود الأهلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (النمو الاقتصادي، والاندماج الاجتماعي، وحماية البيئة) بالقرى الجبلية في محافظات شمال الباطنة والظاهرة والداخلية بسلطنة عمان.
ماهية السدود الأهلية
تحدث الحامدي في البداية حول تعريف السدود الأهلية وأهميتها فقال: السدود الأهلية هي سدود صغيرة أو متوسطة الحجم تُقام في المناطق الزراعية أو الجبلية، ويساهم الأهالي في تشييدها وصيانتها بالإضافة إلى دعم الشركات والجهات الحكومية المختصة، وتكون تحت إشراف وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لضمان سلامة التصميم والإنشاء. وقد تكون سدود تخزين لتجميع المياه في بحيرات خلف السد، أو سدود تغذية جوفية تسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض، أو سدود تحويلية لتحويل مجرى السيول نحو المزارع أو العيون.
أهداف الدراسة
هدفت الدراسة التي أجراها الحامدي إلى وضع تعريف اصطلاحي للسدود الأهلية، والتي عرفها بـ"سدود تخزين سطحي صغيرة تكون عادة في القرى والمناطق الجبلية، ويتم إنشاؤها لأجل توفير مورد مائي مستدام لتعزيز مصادر المياه من آبار وأفلاج في القرية التي يخدمها ذلك السد، ويتم بناؤها بإشراف وتصميم حكومي وتمويل مجتمعي، ولا تختلف هذه السدود في تصميمها وإنشائها عن سدود التخزين السطحي التي يتم إنشاؤها بالكامل عن طريق الحكومة".
واستخدم الحامدي في دراسته المنهج البحثي الخاص بدراسات الحالة الفردية؛ حيث استهدف 42 سدًا أهليًا منها 17 سدًا في محافظة الظاهرة، و14 سدًا في محافظة الداخلية، و11 سدًا في شمال الباطنة، وذلك لجمع بيانات جغرافية، وهيدرولوجية، فنية، واقتصادية، واجتماعية. كما استخدم المنهج الوصفي التحليلي، واستخدم استبيانًا لعينة من 244 فردًا من مجتمع الدراسة منهم 85 مختصًا ومهتمًا بقطاع المياه.
التوصيات
أظهرت نتائج الدراسة فاعلية الإدارة المؤسسية للسدود الأهلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (النمو الاقتصادي بنسبة 84%، والاندماج الاجتماعي 82.6%، وحماية البيئة 81.8%). واقترح الحامدي مجموعة من التوصيات لتعزيز استدامة وكفاءة هذه المشاريع في القرى الجبلية بالمحافظات الثلاث محل الدراسة بسلطنة عمان، وهي: تأسيس مؤسسة وقفية للسدود الأهلية، حيث أوصت الدراسة بإنشاء مؤسسة وقفية خيرية تحت إشراف مشترك بين وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية والجمعية العمانية للمياه، وهذه المؤسسة ستتولى توحيد إدارة السدود الأهلية الحالية (42 سدًا) والمستقبلية لضمان كفاءة العمليات التمويلية والتشغيلية، مع تطوير استراتيجيات تسويقية لتعزيز السياحة المائية، مثل تطوير وادي المحيول ووادي دوفيا كوجهات سياحية تتبناها هذه المؤسسة مستقبلًا.
وأشار الحامدي في توصياته إلى تعزيز البحوث الأكاديمية متعددة التخصصات نظرًا لكون هذه الدراسة الأولى في مجال السدود الأهلية، وأوصى بإطلاق برنامج بحثي وطني يركز على دراسات هيدرولوجية وجيولوجية لتقييم الآثار طويلة الأمد للسدود على الأفلاج والموارد الجوفية، ووضع تحليل اقتصادي للعائد على الاستثمار، مع التركيز على إنتاج التمور وتوسيع الرقعة الزراعية. كما نصت التوصية إلى ضرورة وضع دراسات بيئية لتقييم تأثيرات السدود على التنوع البيولوجي، مع تخصيص ميزانية بحثية سنوية بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس. مؤكدًا أن تطوير البرامج التدريبية للإدارة المؤسسية يعزز فاعلية الإدارة التنفيذية، وذلك عن طريق تنظيم دورات تدريبية سنوية لأعضاء الإدارة في إدارة الموارد المائية والتخطيط الاستراتيجي، بالشراكة مع الجمعية العمانية للمياه، بالإضافة إلى إنشاء دليل حوكمة مؤسسية يحدد صلاحيات الجمعية العمومية لتعزيز دورها في اتخاذ القرار.
وأوصى الحامدي في دراسته بأهمية إطلاق حملات توعية مجتمعية لتثقيف المزارعين حول التقنيات الزراعية الحديثة مثل الري بالتنقيط؛ وذلك لتحسين إنتاجية الأفلاج والمزارع، كما أوصى بتفعيل اللجان الأهلية مثل اللجان الموجودة في نزوى والحمراء لتشجيع التبرعات وتوسيع الشراكات المجتمعية.
إدارة السدود الأهلية
أكد الحامدي أن السدود الأهلية من خلال استطلاع المبحوثين قد سجلت أداء متميزًا بنمو اقتصادي بلغت نسبته 84% عبر تعزيز الأمن المائي ودعم الزراعة؛ حيث ساهمت هذه السدود في إنتاج ما يقارب من 9883 طن تمور سنويًا من مساحة المزارع التي تغذيها السدود الأهلية والتي بلغت مساحتها 2726 فدانًا.
وأشار إلى أن إدارة السدود الأهلية عززت الاندماج الاجتماعي؛ بحيث أظهرت الدراسة أن نسبة 82.6% من الأفراد أكدوا أن إدارة هذه السدود ساهمت في حل النزاعات المترتبة على تقسيم المياه وإدارتها، وساهمت أيضًا في تثقيف المجتمع.
وأضاف الحامدي: إن السدود الأهلية ساهمت في حماية البيئة بنسبة تقدر بحوالي 81.8% من عينة الدراسة، وذلك عبر الحفاظ على الحياة الفطرية من نباتات برية نادرة وغيرها من الكائنات الحية التي تكثر في الأودية الخصبة. ولفت الحامدي إلى ملاحظة مهمة وهي أن الاعتماد الكبير على السدود قد يثير تحديات بيئية مثل تراكم الرواسب، وهو أمر يتطلب دراسات مستقبلية.
واستعرض الحامدي نتائج اختبار الفرضية الثانية وهي: عدم وجود فروق ديموغرافية تؤكد شمولية الإدارة المؤسسية، حيث لم تؤثر المتغيرات مثل: الجنس، والعمر، والمؤهل العلمي، وسنوات الخبرة، ونوع الخبرة، على تقييمات المبحوثين، وهذا يعكس فعالية النظام التشاركي بين الحكومة والمجتمع، مما يتماشى مع مفاهيم الحوكمة الحديثة التي تؤكد على الشمولية كركيزة للتنمية المستدامة. ومع ذلك، قد يعكس غياب الفروق تحيزًا في العينة (مثل اختيار مهتمين بالمياه)، مما يستدعي دراسات مستقبلية تشمل عينات أوسع.
أما بالنسبة للإطار العملي، فقد أظهرت دراسة الحالة التي أجراها الحامدي أن السدود في محافظة الظاهرة دعمت 29 فلجًا و76 مزرعة، مع إنتاج 7665 طن تمور و4356 طن علف سنويًا، وثمانية سدود سياحية تمتاز بديمومة المياه مثل سد وادي المحيول الذي يحتوي على ثلاثة سدود متتالية ممتلئة طوال العام، وسد وادي جبي في منطقة الشويعية الذي يتميز بمواقع تخييم واستزراع سمكي، وسد ظاهر الفوارس المميز بسعة بحيرته التخزينية. أما في محافظة الداخلية، دعمت السدود الأهلية أفلاج دائمة الجريان مثل فلج السدي وفلج الملكي في إزكي، وفلج الحمراء في ولاية الحمراء، بالإضافة إلى أفلاج متذبذبة الجريان بحسب مواسم الأمطار مثل التي تقع في وادي محرم بولاية سمائل، إضافة إلى آبار زراعية، مع إنتاج 1235 طن تمور و2273.5 فدان من الزراعة الموسمية، ومواقع سياحية جاذبة مثل سد المصلة الواقع بجوار حديقة المصلة بقرية تنوف بولاية نزوى، وسد وادي دوفيا على ارتفاع 935 مترًا مع إطلالة على ولاية الحمراء ومواقع تخييم مميزة، وسد وادي شرجة الذي يمتاز بالشلالات في موسم الأمطار.
وذكر الحامدي أن السدود الأهلية في شمال محافظة الباطنة دعمت 26 فلجًا و5 آبار عامة للمياه الصالحة للشرب، مع إنتاج 982.7 طن تمور و113.35 فدان من الزراعة الموسمية، و8 سدود سياحية بديمومة مياه مثل سدود وادي حيبي بجوار حصن حيبي وسدي شام وحيل الحبك، وكثرة نمو الأشجار البرية مع وجود نافذة تكتونية جيولوجية بمنطقة وادي حيبي وهي إحدى المفردات السياحية المميزة. أما منطقة الشويعي بوادي عاهن أسفل سد قفيص فتميزت بجريان دائم ومواقع تخييم جيدة.
ولفت الحامدي إلى أن هذه النتائج تؤكد الدور الاقتصادي للسدود الأهلية، خاصة في دعم السياحة المائية، لكن هناك تحديات مثل وعورة الطرق قد تحد من الاستفادة السياحية. واقترح الحامدي عدة حلول لتعزيز السياحة في مواقع عديدة مثل سد وادي جبي وسد ظاهر الفوارس بضرورة معالجة الطرق الخاصة بها وصيانتها باستمرار، وأشار إلى إعطاء الأولوية للسدود ذات الإمكانيات السياحية العالية مثل سد وادي المحيول.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الحامدی فی فی محافظة سد وادی طن تمور
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.