جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@02:24:23 GMT

تعلق بالله ثم بنفسك

تاريخ النشر: 4th, November 2025 GMT

تعلق بالله ثم بنفسك

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

أتحدث اليوم عن موضوع يكاد أن يكون منتشرا وواضحا في مجتمعاتنا الإسلامية، وهو أننا كمسلمين نمتلك عقيدة دينية إسلامية شرع الله تعالى فيها كل ما تحتاجه الأمة. وموضوعي اليوم هو اليقين بالله، وهنا يحضرني قول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: "تعلّق بالله ثم بنفسك، فلا نفسك تخون ولا الله يرحل".

عبارة في غاية الجمال، تختصر علينا الكثير من التفكير في تربية أبنائنا، وأرزاقهم، ودراستهم، ومستقبلهم بشكل عام، وتمنحنا راحة تامة عندما ندرك معناها العميق.

نعم، نحن كأولياء أمور نعيش حالة من القلق المستمر على مستقبل أبنائنا، فمنذ الصغر نربي ونعلم ونجتهد في توفير جميع المتطلبات والاحتياجات الضرورية لهم، وكل حسب إمكانياته وقدراته. كما ينصرف الكثير منَّا كأولياء أمور إلى الاهتمام المبالغ فيه بالتوجيه التربوي والتعليمي منذ نعومة أظفارهم، حتى نرى ثمرة ذلك الجهد في تواجدهم في كبرى الوظائف وأرفع المراكز العلمية والمجتمعية.

ومع ذلك، نتجاهل- أو حتى نتغاضى- عن تعليم أبنائنا ما يهمهم في آخرتهم، ومحافظتهم على دينهم وعقيدتهم، من خلال التركيز على أداء الصلاة، وتلاوة القرآن الكريم، وتعلم كل ما يتصل بعقيدتنا الإسلامية. وهنا نجد أننا- في مشوار تربيتنا هذا- نغفل أن الأرزاق بيد الله، وأننا تجاهلنا اليقين به.

نعم، هناك أسباب يجب الأخذ بها، والعمل عليها ضروري لتحقق الأرزاق، ولكن دون إهمال الجانب الديني في ذلك. وحتى نوضح معنى المقولة "تعلق بالله ثم بنفسك، فلا نفسك تخون ولا الله يرحل"، فإنها تعني أن الاعتماد على الله هو الأصل، والاعتماد على النفس هو الخطوة الثانية والضرورية. فالتعلق بالله يجعلك تشعر بالأمان والقوة والرضا، لأن الله هو السند الدائم الذي لا يخذلك ما دمت قريبا منه. أما النفس البشرية، فهي قابلة للخطأ والنسيان.

ويقصد بالتعلق بالله أن توجه كل ما في حياتك نحوه، فهو السند وهو الرزاق العليم. أما التعلق بالنفس، فمعناه أن تعتمد على نفسك في قضاء حوائجك بعد يقينك بأن الله هو المسبب الحقيقي، وأنه من يرزقك. فإن لم يتحقق ما تسعى إليه، فلا يعني ذلك أن الله لا يريد لك الرزق، بل إن في الأمر قدرا من الله تعالى قد يكون خيرا لك؛ فقد يبعد عنك ما فيه ضرر، أو يمنحك رزقا أفضل منه.

إن الحياة قد تخذلك أحيانا، لكن ذلك الخذلان قد يكون حماية من شيء لم يكتب لك.

وفي الحقيقة، أودُ أن أشير إلى قضية مجتمعية كبيرة تتعلق بمحاولة الاعتماد على البشر في طلب الرزق. فما إن نرى إعلان وظائف في إحدى المؤسسات، حتى نتسابق للتحدث مع هذا أو ذاك من أصحاب المناصب، لعلهم يتسببون في توظيف أبنائنا. وللأسف، نبتعد بذلك عن يقيننا بالله وثقتنا بتوفيقه. وعندما لا نحصل على ما نريد، يبدأ السخط والتذمر، ونلقي اللوم على الناس وهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله.

وإن ساعد أحد في حصول شخصٍ على وظيفة أو رزق، فهو إنما سبب سخره الله تعالى، فكل خير من الله وحده. قال الله تعالى في الآية (79) من سورة النساء: "مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ". هذه الآية توضح أن الخير من الله، أما ما يصيب الإنسان من شر أو مصيبة فهو نتيجة لذنوبه وأفعاله السيئة.

وعندما نتحدث بشيء من الإيضاح عن معنى اليقين بالله، نجد أنه الإيمان الكامل والثابت بقدرة الله وحكمته، مما يولد شعورا عميقا بالاطمئنان والسكينة ويزيد من التوكل عليه، وهو أساس الأعمال الصالحة.

أما التعلق بالله فهو ثمرة هذا اليقين؛ إذ يصبح قلب المؤمن معلقا به وحده، لا يرجو سواه ولا يخاف إلا منه. ويمكن تقوية اليقين بالله من خلال التفكّر في عظمة الله، والمداومة على الطاعات، واجتناب المنهيات، وحسن الظن به، والإكثار من الدعاء والاستغفار. فالطمأنينة الداخلية في النفس تكسب الإنسان السكينة والرضا بقضاء الله وقدره، مع الإيمان بأن كل تأخير في الرزق أو استجابة الدعاء إنما هو خير لا ندرك حكمته بعد.

ومن علامات التعلق بالله أن يثق العبد بأن الله قادر على تغيير أحواله وتيسير أموره حتى في أصعب الظروف.

أما التعلق بالنفس بعد التعلق بالله، فيحدث أحيانا عندما يتمركز الإنسان حول ذاته، ويرفض مراجعة أخطائه أو الاعتراف بها، أو يصر على المكابرة، فيفقد التوبة ويبتعد عن الاستغفار، وربما يتولد لديه شعور بالغرور والكبرياء.

وهذا النوع من التعلق مضر بالإيمان، لأنه يجعل الاعتماد على الأسباب الدنيوية فقط، وينسى المسبّب الأعظم وهو الله تعالى.

وعندما نتساءل كيف نقوي يقيننا بالله، فلابد أولا من التفكر في خلق الله وفي دلائل عظمته ووحدانيته، ثم المداومة على العبادات والطاعات لتزكية النفس، والإكثار من الدعاء كما كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها".

علينا أن نحسن الظن بالله تعالى، ونرضى بقضائه، ونبتعد عن الخوض في أسرار القدر التي لا يعلمها إلا هو سبحانه.

أما التغلب على التعلق بالنفس، فيكون بالعودة إلى الله واللجوء إليه في كل أمورنا بالدعاء والتوبة والاستغفار، وبالإصرار على عدم اليأس أو الاستسلام للشيطان. كما يتطلب ذلك تقوية علاقتنا بالله بالتمسك بالصلاة، وتلاوة القرآن، والمواظبة على الأذكار.

وعلينا أن نؤمن بالقدر إيمانا تاما، وأن ندرك أن كل ما يحدث لنا هو بأقدار الله، وأن الأسباب الدنيوية ليست إلا وسائل يسخرها الله لتحقيق مشيئته.

وخلاصة الحديث، أنه يجب علينا أن نعمل على تحقيق التوازن بين الاعتماد على الله في كل أمور حياتنا، والاعتماد على أنفسنا في سعينا الدنيوي، مع التيقن بأن الله هو السند الوحيد الذي لا يخذلك، بينما نفسك قد تخذلك.

وهنا يتحقق المعنى العظيم لمقولة الشعراوي: "فلا نفسك تخون ولا الله يرحل"، أي أن يعتمد الإنسان على الله أولا ثم على نفسه، فلا يخون نفسه باليأس أو الغفلة، ولا يخاف أن يبتعد عنه الله، لأنه سبحانه باق معه دائما، قريب لا يرحل.

قال تعالى في الآية (58) من سورة الذاريات: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ". تشير هذه الآية إلى أن الله هو الرزاق الحقيقي لكل المخلوقات، ذو القوة الكاملة والقدرة المطلقة التي لا تقهر، وهو المتكفل بأرزاق عباده جميعا.

تعلق بالله… فستجد أن الطرق كلها تُمهَّد باليقين، وأن الأرزاق تأتيك في الوقت الذي اختاره الله لا الذي اخترته أنت.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا

جاءت الشريعة الإسلامية بتوطيد العلاقات والروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد؛ بل بين الإنسانية ككل، فدعت لإرساء معاني الإحسان والبر والمحبة بين الناس جميعًا، وحَثَّت على كل ما من شأنه أن يرسِّخَ روح المحبة والمودة، وإشاعة الوئام والتسامح والإخاء بين الناس جميعًا من غير تفرقة بين إنسانٍ وآخر؛ أيًّا كان جنسه أو لونه أو دينه، اتفقنا معه أو اختلفنا.

أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه

راعى الشرع الشريف ما تكون النفس الإنسانية مجبولة عليه من الصفات التي من شأنها أن تُقَرِّبَ الناس من بعضهم أو تُبْعِدَهُم، فأذِن بالهجر لأيامٍ لا تزيد على الثلاثة كأصلٍ عامٍّ؛ وهي وقت كافٍ لتهدأ فيه النفوس من غضبها، ويراجع كلٌّ مِن المتشاحنين نفسه، ويصل مَن هجره، فإن زاد على الأيام الثلاثة بلا مسوِّغٍ شرعيٍّ: حَرُمَ عليهما، وأثما ما داما مشتركَين في الهجر والخصام والقطيعة ولم يبادر أحدهما بالصلح والوصل، وأقل ما يخرج به من الهجر: إلقاء السلام، ويُستحب علاوة على ذلك مبادلته الكلام والعودة إلى ما كانا عليه قبل الهِجران وتدخُّل الشيطان.

والأصل في الإخاء: الإنسانية والآدمية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي -وصححه- والبيهقي في "السنن" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» أخرجه الشيخان.

قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 127، ط. أوقاف المغرب): [أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث] اهـ.

أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه
إذا نوى أحدُ المتخاصمَين الصُّلْحَ وسَعَى فيه جُوزِي على نِيَّتِهِ وسَعْيِهِ في الصلح؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا تَحِلُّ الْهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ السَّلَامَ؛ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ؛ بَرِئَ هَذَا مِنَ الْإِثْمِ، وَبَاءَ بِهِ الْآخَرُ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

وفي حديث هشام بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ؛ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ» أخرجه الأئمة: عبد الله بن المبارك والطيالسي وابن الجعد وأحمد -واللفظ له- وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وغيرهم.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ»، زَادَ أَحْمَدُ: «وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ» أخرجه الأئمة: البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو دود -واللفظ له- والبيهقي في "السنن".

قال الإمام البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/ 264، ط. أوقاف الكويت): [«فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» يحتمل أن يكون الضمير المجرور فيه للبايِئِ، فيكون المعنى: أنَّ المُسلِّم خرج من الهجرة، ونُفِيَ مِن الوِزر، وبَقِيَ الإثمُ على الذي لم يردَّ السلامَ، ويحتمل أن يكون للمسلَّم، والمعنى: أنه ضَمَّ إثمَ هِجران المسلِّم إلى إثم هِجرانه، وَبَاءَ بهما؛ لأن التهاجُرَ يُعَدُّ منه وبسببه] اهـ.

وجملة هذه الروايات وغيرها يدُلُّ على أنَّ أقلَّ ما يحصل به الخروج مِن الهِجران هو السلامُ وإن اجتنب مخالطته والكلام معه، وبه تبرأ ذمة المسلِّم من الشحناء والقطيعة والإثم؛ كما هو قول جماهير العلماء، واشترط الإمام أحمد والإمام ابن القاسم من المالكية إضافةً إلى السلام: عدم تأذِّي المسَلَّم عليه من اجتناب الكلام معه؛ لأن السلام يهدف إلى نَفْيِ الأذى، ويُزيل الضغائن، وَيُورث التحابُب، ويَنشر الأُلفة، وهو أدفعُ للضغينة بغير مؤنةٍ، واكتسابُ أخُوَّةٍ بأهوَنِ عطية، وبقاءُ التأذي يعكِّر صفو هذه المعاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (22/ 137، ط. دار إحياء التراث): [واختلفوا: هل يخرج بالسلام وَحْدَهُ مِن الهِجران؟ فقالت البغادِدَةُ: نعم، وكذا قول جمهور العلماء: إن الهِجرة تزول بمجرد السلام وَرَدِّهِ، وبه قال مالكٌ في رواية، وقال أحمد: لا يبرأ من الهِجرة إلا بِعَوْدِهِ إلى الحال التي كان عليها أولًا، وقال أيضًا: إن كان تركُ الكلام يؤذيه لم تنقطع الهِجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم] اهـ.

وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (7/ 215، ط. مطبعة السعادة): [أما إذا سَلَّمَ: فقد رَوَى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: إذا سَلَّمَ عليه ولا يكلمه بهذا المقدار الذي نُهِيَ عنه من المهاجرة فقد قطع الهجرة. وقد قال ابن القاسم في "المزنية" في الذي يُسَلِّمُ على أخيه، ولا يكلمه بغير ذلك بل يجتنب كلامَه: إن كان غير مؤذٍ له؛ فقد برئ من الشحناء] اهـ.

مقالات مشابهة

  • القيادة المركزية الأمريكية تعلق على التصعيد في الخليج العربي.. يقظون
  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • تفكيك سلاح حزب الله يعيق مفاوضات لبنان وإسرائيل
  • لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!
  • البيئة تعلق على ترند البط: لا إطلاق للكائنات الحية بدجلة دون موافقات
  • حزب الله يهدد إسرائيل بـرد أعمق على أي غارات تستهدف الضاحية
  • حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"