مئير كاهانا القتيل الذي يغلي تطرفه في إسرائيل
تاريخ النشر: 6th, November 2025 GMT
حاخام وكاتب وسياسي قومي متطرف، مؤسس حركة "كاخ"، أيديولوجيته تؤثر على الجماعات السياسية المتشددة واليمينية المتطرفة النشطة اليوم في دولة الاحتلال.
أدين كاهانا بارتكاب أعمال إرهابية متعددة في الولايات المتحدة وفلسطين المحتلة، وفي النهاية دفع ثمن تطرفه بقتله وسط مدينة مانهاتن بنيويورك على يد السيد نصير، وهو مواطن أميركي من أصل مصري.
لكن فكرة "كاخ" لم تمت وربما أصبحت الأكثر رواجا في المجتمع الإسرائيلي بعد العدوان الوحشي على قطاع غزة.
من أتباعه المتشددين وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي أصبح في سن الـ16 من عمره عضوا في " كاخ".
ولد مئير كاهانا في عام 1932 في بروكلين، بمدينة نيويورك لعائلة يهودية أرثوذكسية، من الحاخامات حيث كان والده رئيسا لمجلس حاخامات "فلاتبوش"، ومؤلف الترجمة التفسيرية للتوراة، ومؤيدا قويا للحركة الصهيونية التصحيحية أو التنقيحية.
الصهيونية الفاشيةفي سن المراهقة، انضم مئير كاهانا إلى جناح الشباب في "بيتار" للصهيونية التصحيحية"، وهي حركة صهيونية كانت متأثرة بالفاشية.
كما كان مشاركا نشطا في الاحتجاجات ضد إرنست بيفين، وزير الخارجية البريطاني الذي حافظ على القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
وتلقى كاهانا في فترة شبابه الأولى دراسات بالتناخ والتلمود والشريعة اليهودية.
حصل لاحقا على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من كلية "بروكلين" عام 1954، وبكالوريوس في القانون من كلية الحقوق، وماجستير في العلاقات الدولية من جامعة "نيويورك".
أصبح في عام 1958 حاخاما لـ"مركز هوارد بيتش" اليهودي في كوينز، بنيويورك، وفرض شروطه على الكنيس، والتي تضمنت وضع حاجز يفصل الرجال عن النساء أثناء الصلاة، وإقامة الصلوات التقليدية، والحفاظ على مطبخ كوشير.
وفي تلك الفترة كتب أول مقالاته في "The Jewish Press"، وهي أسبوعية يهودية أرثوذكسية أميركية استمر في الكتابة فيها لبقية حياته.
إعلانكما استخدم كاهانا عدة أسماء مستعارة من بينها: ديفيد سيناي، والأسماء المستعارة مايكل كينغ، وديفيد بوراك، ومارتن كين.
مسارات التطرف
وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، مكنته حياته السرية وموقفه المناهض للشيوعية من الحصول على منصب مستشار لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ووفقا لزوجته، ليبي، التي نشرت مذكراته لاحقا، كانت مهمته التسلل إلى جمعية "جون بيرش" المناهضة للشيوعية والإبلاغ عن نتائجه إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي.
في وقت ما في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، بدأ كاهانا في التعبير علنا عن معاداته للشيوعية، فأسس هو وجوزيف تشوربا حركة "الرابع من يوليو"، التي تشكلت لمواجهة المعارضين للتدخل الأميركي في حرب فيتنام.
اشترك الرجلان في تأليف كتاب "المصلحة اليهودية في فيتنام "، في محاولة لإقناع اليهود الأميركيين بـ"شر الشيوعية".
كان كاهانا متطرفا بالسليقة، مستخدما إجراءات متطرفة حتى أنه حاول الحصول على أسلحة بيولوجية وزراعتها لاستخدامها على منشأة عسكرية سوفياتية.
وقد صمم نجمة اليهود وشارة القبضة، وهو رمز يشبه رمز حزب الفهود السود (حركة سياسية يسارية متطرفة).
ولتحقيق أفكاره وخططه أسس في عام 1968، "رابطة الدفاع اليهودية" في نيويورك، وكان هدفها المعلن مكافحة "معاداة السامية"، لكن الرابطة وكاهانا أدينا بأعمال تتعلق بالإرهاب المحلي، بما في ذلك قيادة الهجوم على بعثة الأمم المتحدة السوفياتية في عام 1975.
وفي وقت لاحق من نفس العام، أدين كاهانا بالتآمر لاختطاف دبلوماسي سوفياتي، وتفجير السفارة العراقية في واشنطن، وشحن أسلحة إلى الخارج.
وشجع كاهانا اليهود على حمل الأسلحة النارية، من خلال شعاره "كل يهودي لديه عيار 22".
في مقابلة أجريت عام 1984 مع "واشنطن بوست" اعترف كاهانا بأن "رابطة الدفاع اليهودية" قصفت البعثة السوفياتية في نيويورك، والبعثة الثقافية الروسية في واشنطن في عام 1971، والمكاتب التجارية السوفياتية.
أعلن لاحقا بأنه يسعى للتركيز على التعليم اليهودي فانتقل إلى فلسطين المحتلة وأصبح "مواطنا" إسرائيليا في عام 1971.
ورغم ذلك لم يتوقف عن أعماله المتطرفة، فتم اعتقاله عشرات المرات من قبل السلطات الإسرائيلية، بعد أن بدأ حملة علنية دعت إلى طرد الفلسطينيين في أراضي 1948 والفلسطينيين من الأراضي المحتلة.
داخل الكنيست
وسيبدأ في ذلك العام بتأسيس "حركة كاخ" التي فشلت في البداية في الحصول على أي مقاعد في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي).
وأثناء سجنه في عام 1980 بتهمة التخطيط لهجمات مسلحة ضد الفلسطينيين كتب من غرفة سجنه في سجن الرملة كتاب "يجب أن يرحلوا".
وبعد محاولات عديدة لدخول "الكنيست" تمكن في عام 1984 من الفوز بمقعد واحد.
وازدادت شعبيته بين الجمهور الإسرائيلي المتطرف، وخاصة بين يهود السفارديم من الطبقة العاملة، لكنه منع لاحقا من الترشح في عام 1988 بقرار من "الكنيست" و"المحكمة العليا"، وأصبح كاهانا أول مرشح يمنع من الترشح بسبب العنصرية.
لقد روج خلال حياته، لأيديولوجيته الكاهانية في جميع أنحاء الولايات المتحدة وفلسطين المحتلة. واقترح تطبيق الهالاخاه (الشريعة اليهودية) كما وضعها موسى بن ميمون.
إعلانكما اقترح أثناء وجوده في "الكنيست" العديد من القوانين للتأكيد على اليهودية في المدارس العامة، ومنع العلاقات الجنسية بين اليهود وغير اليهود، وفصل الأحياء اليهودية عن العربية، وذهب إلى حد المطالبة بأن يصبح غير اليهود في "إسرائيل" إما عبيدا أو يواجهون الترحيل، وأيد ضم الضفة الغربية وقطاع غزة.
ودعا مرارا إلى تفجير المسجد الأقصى وإعادة بناء "الهيكل الثالث" المزعوم، وأكد استعداده الكامل لتنفيذ ذلك. لكن مقترحاته لم تحظ بالمصادقة عليها.
ولاحظ كاهانا أن "الديمقراطية واليهودية ليسا شيئا واحدا"، ورأى أن "الدولة اليهودية والديمقراطية الغربية لا تتوافقان، لأن الديمقراطية الغربية لا تراعي الدين، والدولة اليهودية دينية بطبيعتها".
وأعرب عن "خشيته" من أن يصبح المواطنون غير اليهود أغلبية ويصوتوا ضد الطابع اليهودي للدولة.
لذلك اقترح " تبادلا للسكان " وطرح "خطة تعويض" للعرب (الفلسطينيين) الذين سيغادرون طواعية، وطردا قسريا لمن "لا يرغبون في المغادرة" بحسب خطته.
في بعض كتاباته، وفي مقابلاته الصحافية عرّف كاهانا "الحدود الدنيا لإسرائيل" على النحو التالي "يمتد الحد الجنوبي حتى العريش، الذي يشمل شمال سيناء بالكامل. إلى الشرق، تمتد الحدود على طول الجزء الغربي من الضفة الشرقية لنهر الأردن، وتضم جزءا مما يُعرف الآن بالأردن. تشمل أرض إسرائيل أيضا جزءا من لبنان وأجزاء معينة من سوريا، وجزءا من العراق، وصولا إلى نهر الفرات".
وعندما راجعه البعض بأن اتباع خططه يعني حربا أبدية بين اليهود والعرب، رد كاهانا "ستكون هناك حرب أبدية. مع كاهانا أو بدونه".
وسيدفع كاهانا لاحقا ثمنا لمواقفه المتطرفة خصوصا من المسجد الأقصى باغتياله في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1990، عندما كان يلقي خطابا أمام جمهور من اليهود الأرثوذكس في بروكلين بنيويروك، على يد السيد نصير الأميركي من أصل مصري.
برنامج سياسي
بعد مقتل كاهانا، الذي دفن في القدس الغربية، لم يبرز قائد ليحل محله في الحركة. ومع ذلك، أصبحت بعض أفكاره جزءا من البرنامج السياسي لعدة أحزاب إسرائيلية، ونشأ لاحقا فصيلان كاهانيان صغيران: أحدهما تحت اسم " كاخ "، والآخر تحت اسم "كاهانا حاي" (كاهانا حيّ).
في عام 1994، وفي أعقاب مذبحة الحرم الإبراهيمي التي شهدت قيام مؤيد "كاخ" الإرهابي باروخ غولدشتاين بقتل 29 من المصلين المسلمين الفلسطينيين في الخليل دون تمييز، أعلنت الحكومة الإسرائيلية كلا الحزبين منظمات إرهابية.
كما أضافت وزارة الخارجية الأميركية أيضا " كاخ" و"كاهانا حاي" إلى قائمتها للمنظمات الإرهابية الأجنبية.
ما تركه كاهانا من "إرث" متطرف لم يمت معه فقد واصل حمل الفكرة المتطرف بن غفير وهو صاحب خلفية كاهانية، بسيرة ذاتية تعج بالنشاط المناهض للفلسطينيين، مما أدى إلى عشرات الاتهامات وما لا يقل عن 8 إدانات بجرائم بما في ذلك التحريض على العنصرية ودعم " كاخ" المنظمة الإرهابية.
فكرة "كاخ" لم تمت وربما أصبحت الفكرة الأكثر رواجا في المجتمع الإسرائيلي بعد العدوان الوحشي على قطاع غزة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: شفافية غوث حريات دراسات فی عام
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود