دراسة تهز علم الفلك الحديث .. هل بدأ الكون في التباطؤ؟
تاريخ النشر: 7th, November 2025 GMT
في اكتشاف وصف بأنه "الأكثر إثارة في علم الفلك الحديث"، توصل فريق من علماء الكونيات في جامعة يونسي الكورية الجنوبية إلى مؤشرات قد تغير الفهم الراسخ منذ عقود لتوسع الكون، إذ تشير نتائجهم إلى أن معدل التمدد الكوني ربما لم يعد في تسارع مستمر، بل بدأ بالتباطؤ.
. ومادة مظلمة تبوح بالسر
ونُشرت الدراسة المثيرة للجدل في مجلة Monthly Notices of the Royal Astronomical Society البريطانية، حيث وصفها خبراء بأنها قد تمهّد لـ"تحول جذري في علم الكونيات الحديث".
أهم اكتشاف في القرن الماضيقاد البحث البروفيسور يونغ-ووك لي من جامعة يونسي، الذي قال في بيان رسمي: "تشير بياناتنا إلى أن الكون قد دخل بالفعل مرحلة تباطؤ في التوسع، وأن الطاقة المظلمة ربما تتغير بمرور الزمن بسرعة تفوق ما كنا نظن".
ويعد هذا الطرح انقلابا على النموذج الكوني المعتمد منذ اكتشاف الطاقة المظلمة أواخر التسعينيات، وهو الاكتشاف الذي نال عنه ثلاثة علماء جائزة نوبل في الفيزياء عام 2011 بعد أن أثبتت القياسات أن الكون يتمدد بوتيرة متزايدة تحت تأثير قوة غامضة تشكل نحو 68% من محتواه.
انحراف زمني يغير الصورةاعتمدت الدراسات السابقة على قياس انفجارات السوبرنوفا من النوع الأول (Type Ia) باعتبارها شموعاً معيارية تحدد المسافات بين المجرات غير أن الفريق الكوري اكتشف وجود تحيز زمني لم يؤخذ في الحسبان سابقا إذ تبين أن شدة لمعان السوبرنوفا تختلف بحسب عمر النجوم المولدة لها فالنجوم الأصغر سنا تُنتج انفجارات أخف سطوعا، بينما القديمة تُنتج أشدها لمعانا.
وبعد تصحيح هذا الانحراف في البيانات، لم تعد النتائج تتفق مع نموذج التسارع الكوني الحالي، بل أظهرت مؤشرات واضحة على بداية مرحلة تباطؤ.
وقال البروفيسور لي: "عند احتساب عامل العمر في بيانات السوبرنوفا، يصبح النموذج الأقرب هو ذاك الذي تتنبأ به ملاحظات الموجات الصوتية الباريونية وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي، لا نموذج الطاقة المظلمة الثابتة".
تطابق مدهش مع بيانات ديزياللافت أن نتائج الدراسة الكورية تتفق بشكل مدهش مع ما توصل إليه مشروع DESI الأميركي (Dark Energy Spectroscopic Instrument)، الذي يرصد تطور الكون عبر ملايين المجرات، لكن بينما توقعت تحليلات DESI أن يبدأ التباطؤ في المستقبل البعيد، يرى فريق جامعة يونسي أن هذه المرحلة بدأت بالفعل في الزمن الحاضر.
ويشير الباحثون إلى أن هذا التوافق مع بيانات BAO وCMB (إشعاع الخلفية الكونية) ربما يعيد الاعتبار لملاحظات لم تحظَ بالاهتمام الكافي في العقود الماضية.
اختبارات قادمة وثورة محتملةمن المنتظر أن تخضع فرضية "تباطؤ التمدد الكوني" لسلسلة اختبارات أكثر دقة خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع انطلاق مرصد فيرا روبين في تشيلي، الذي سيقوم برصد واسع النطاق للسماء الجنوبية.
وأوضح البروفيسور تشول تشونج، أحد المشاركين في الدراسة، أن المرصد سيكشف عن أكثر من 20 ألف مجرة جديدة تحتوي على انفجارات نجمية من النوع الأول، ما سيتيح اختبار النتائج الكورية بدقة غير مسبوقة، وأضاف: "خلال خمس سنوات فقط، قد نعرف ما إذا كنا أمام تعديل طفيف في النماذج... أم أمام ثورة حقيقية في فهمنا لطبيعة الكون".
الطاقة المظلمة تحت المجهر من جديدمنذ اكتشافها في تسعينيات القرن الماضي، بقيت الطاقة المظلمة واحدة من أكثر الألغاز غموضاً في الفيزياء الفلكية فهي غير مرئية ولا يمكن قياسها مباشرة، لكن آثارها تستدل من تسارع تمدد الكون.
أما اليوم، فالدراسة الكورية تطرح احتمالا مغايرا أن الطاقة المظلمة ليست ثابتة، بل تتلاشى تدريجياً بمرور الزمن، وقال العالم الأميركي آدم ريس، الحائز نوبل عام 2011 (ولم يشارك في الدراسة): "إذا صح أن الكون بدأ بالفعل مرحلة التباطؤ، فسنكون أمام تحد غير مسبوق في علم الكونيات الحديث".
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: علم الفلك علم الفلك الحديث جائزة نوبل جائزة نوبل في الفيزياء الطاقة المظلمة علم الفلک
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026