"كنت أعلم أن هذا الخطر قد يؤثر على جميع أفراد عائلتي، لكن قيمة ما نقوم به كانت أكبر بكثير من خوفي"، يقول عثمان، بنبرة تمزج بين الحزن والشجاعة.

على مسافة خطوة واحدة من الموت، خاض أسامة عثمان واحدة من أخطر عمليات التوثيق التي عرفتها الثورة السورية. الرجل الذي تجاوز التاسعة والخمسين من عمره، يعيش اليوم في المنفى بفرنسا، لكنه لا يزال يحمل على كتفيه ذاكرةً مثخنة بصور أكثر من 53 ألف جثة معذّبة، سرّبت من أرشيف النظام السوري في السنوات الأولى للحرب.

وبدأ عثمان رحلته في توثيق التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء في سوريا، متعهدًا بجعل الحقائق المعتمة واضحة للعالم. ويقول، في مقابلة مع "أسوشيتد برس"، مؤكّدًا إن الحقيقة كانت تستحق المخاطرة: "كنت أعلم أن هذا الخطر قد يؤثر على جميع أفراد عائلتي، لكن القيمة الحقيقية لما نقوم به كانت أكبر بكثير من خوفي على أسرتي".

سؤال واحد غيّر كل شيء

في نهاية عام 2013، طرحت زوجة عثمان سؤالًا بسيطًا: "لماذا نجمع هذه الصور لننتظر سقوط النظام ثم نعرضها؟ لماذا لا نستخدمها لإسقاط النظام؟"

ومع تفاقم الاحتجاجات في درعا عام 2011، واجهت سوريا رد فعل دمويًا من النظام، وأدت الوحشية الحكومية إلى اندلاع حرب أهلية مدمرة، جعلت البلاد برمتها مسرحًا للرعب.

Related تحريك أول دعوى جنائية بحق شخصيات بارزة في نظام بشار الأسدبعد إسقاط الحصانة: فرنسا تطلب مذكرة توقيف جديدة بحق بشار الأسدمحكمة التمييز الفرنسية تلغي مذكرة التوقيف بحق بشار الأسدبتهم جرائم حرب.. بشار الأسد تحت الملاحقة القضائية في فرنسا للمرة الثالثة

ولم يعرف عثمان كيفية المساهمة في إسقاط الأسد حتى جاءه اتصال من شقيق زوجته، فريد المازحان، ضابط في الشرطة العسكرية، حاملاً صورًا مروعة للتعذيب، مع إمكانية الوصول إلى أرشيف سرّي للنظام.

كيف وثّق فريق قيصر انتهاكات النظام السوري لعقد كامل؟

بتعاون زوجته خولة المازحان، أسس الفريق عملية تهريب للوثائق والصور، أطلقوا عليها اسم "ملفات قيصر". وأُخذ الاسم من الاسم الحركي الذي اختاره فريد: قيصر، بينما اختار عثمان اسم "سامي".

وخلال سنوات قليلة، نجح الفريق في تهريب أكثر من 53,000 صورة تكشف التعذيب والجوع والمرض في سجون النظام، وظهرت هذه الصور على الإنترنت في 2014، لتحدث صدمة وتدفع الولايات المتحدة لفرض عقوبات، إضافة إلى محاكمات أوروبية لمسؤولين سوريين سابقين.

ولاحقًا، نما الفريق ليضم نحو 60 عضوًا داخل وخارج سوريا، وأنتجوا "ملفات الأطلس"، وهو أرشيف يغطي الفترة من 2014 حتى 2024، موثقًا آلاف الانتهاكات الجديدة.

الفوضى والانهيار الأمني في سوريا بعد نظام الأسد

في نهاية العام الماضي، مع سيطرة المعارضة على حلب ودخولها دمشق، فر الأسد إلى روسيا، منهية حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من 50 عامًا.

غير أن الفراغ المفاجئ في السلطة أدى إلى فوضى عارمة، حيث فُتحت السجون، وضاعت وثائق هامة، وتعرضت المقابر الجماعية للتدمير، وفقًا لما ذكر عثمان.

ويضيف المتحدث: "كان الكثير من الأدلة ضائعًا وكأن السلطات الجديدة دمّرت مسرح الجريمة نفسه".

ورغم الفوضى، يواصل الفريق عمله لتوثيق كل انتهاك، مع حلم واضح: أن يقف الأسد وكل من ارتكب جرائم حرب أمام المحكمة، وأن تنال أسر المفقودين حقوقها.

ومع ذلك، يعبر عثمان عن قلقه من أن الوضع الأمني لم يتحسن بعد رحيل الأسد، مشيرًا إلى أن بعض المسؤولين الذين يُراد محاسبتهم على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب قد تمت تبرئتهم أو عادوا لممارسة سلطات في مؤسسات جديدة.

ويقول عثمان: "نظام بشار الأسد لم يسقط، والأشخاص الذين نسعى لمحاسبتهم على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية هم أشخاص تم العفو عنهم، وبعضهم عاد لممارسة سلطات في الحكومة المؤقتة وبعض المؤسسات التي تمنحهم الحرية للوصول إلى أعضاء الفريق وربما إيذاء الكثيرين.. لذلك، لا أعتقد أن الوضع الأمني في سوريا قد تغيّر كثيرًا بعد رحيل بشار الأسد."

ومع زيارة وزير الخارجية السوري إلى واشنطن، تدّعي الحكومة الجديدة أنها تعمل على معالجة آثار الجرائم السابقة. واعترف رضا الجلاخي، رئيس اللجنة الوطنية للشخصيات المفقودة، بفقدان بعض الوثائق خلال الفوضى، لكنه شدد على أن ما تبقى من الوثائق أصبح تحت سيطرة الحكومة ويُحفظ ضمن أرشيف مركزي.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة سوريا بشار الأسد أحمد الشرع اعلان اعلان اخترنا لك إسرائيل تحدد هوية جثة رهينة سلّمتها حماس.. وغوتيريش: الوضع في غزة "هش للغاية" فرنسا: إصابة 10 أشخاص في حادث دهس بجزيرة أوليرون.. والتحقيق مستمر في الدوافع "صفعة لترامب": ممداني يظفر برئاسة بلدية نيويورك.. والديمقراطيون يحسمون نيوجيرسي وفرجينيا السعودية على أعتاب صفقة "إف-35".. نهاية التفوّق الجوي الإسرائيلي في الشرق الأوسط؟ بين القصف واعتقال مادورو.. خطط واشنطن تجاه فنزويلا تدخل مرحلة "الحسابات الثقيلة" اعلان اعلان الاكثر قراءة 1 مباشر. كوشنر يصل تل أبيب لمتابعة خطة ترامب.. الإمارات تستبعد المشاركة في القوة الدولية في غزة 2 أول رئيس منذ عام 1978.. ترامب يتواجد في مباراة لكرة القدم وسط صيحات الاستهجان 3 من لوائح الإرهاب إلى البيت الأبيض.. لقاء تاريخي يجمع اليوم بين الشرع وترامب 4 زواجٌ دام 83 عاماً فدخل موسوعة غينيس.. فما هو السرّ في طول عمر هذا الارتباط؟ 5 ترامب ينتصر في مجلس الشيوخ.. وديمقراطيون يتمرّدون على قيادة حزبهم لإنهاء الإغلاق الحكومي اعلان اعلان

Loader Search

ابحث مفاتيح اليوم

الصحة دونالد ترامب غزة إسرائيل دراسة حركة حماس سوريا طب مرض ألزهايمر الإغلاق الحكومي السرطان - بحث علمي التايفون الموضوعات أوروبا العالم الأعمال Green Next الصحة السفر الثقافة فيديو برامج خدمات مباشر نشرة الأخبار الطقس آخر الأخبار تابعونا تطبيقات تطبيقات التواصل الأدوات والخدمات Africanews عرض المزيد حول يورونيوز الخدمات التجارية الشروط والأحكام سياسة الكوكيز سياسة الخصوصية اتصل العمل في يورونيوز صحفيونا لولوجية الويب: غير متوافق تعديل خيارات ملفات الارتباط تابعونا النشرة الإخبارية حقوق الطبع والنشر © يورونيوز 2025

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: الصحة دونالد ترامب غزة إسرائيل دراسة حركة حماس الصحة دونالد ترامب غزة إسرائيل دراسة حركة حماس سوريا بشار الأسد أحمد الشرع الصحة دونالد ترامب غزة إسرائيل دراسة حركة حماس سوريا طب مرض ألزهايمر الإغلاق الحكومي بشار الأسد

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • إقالة مسؤول أمني وإحالته للتحقيق إثر وفاة مواطن تحت التعذيب في أبين جنوبي اليمن
  • أسامح السارق إزاي .. عم شعبان يروي كواليس مفاجئة عن لص إيراد الجرايد
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • نتنياهو: لن يعود النظام الإيراني لتهديد وجود إسرائيل
  • رسامني بحث مع النائب شربل مسعد ملفات إنمائية تخص قضاء جزين
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟
  • ترامب يعلن تعيين توم براك مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا والعراق
  • ترامب يعين توم باراك مبعوثًا خاصًا إلى سوريا والعراق