اليمن ينهض بمعركة الوعي لاستعادة الكرامة والسيادة والقرار الحر
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
اليمن بموقعه الاستراتيجي وثرواته الغنية والمتنوعة كان ولا يزال مطمع لدول الاستعمار وأدواتها في المنطقة التي حاولت في السنوات الأخيرة، أن تضع نفسها في خدمة مشروع استباحة شامل للمنطقة والإقليم بهدف البقاء، ومنذ أعلن من البيت الأبيض العدوان الغاشم على اليمن، في العام 2015م، برزت سياسات منسقة في إطار خطة مشتركة مع العدو الصهيوأمريكي من قِبل المملكة السعودية، تسعى إلى إعادة تشكيل خارطة النفوذ، بعد وطأة الهزائم العسكرية المتكررة التي منيت بها، وفي عمق هذا الصراع، لا يقتصر الرهان على المدافع والحدود، بل يمتد إلى العقول، ولذلك فإن العدو بمنظومة نفوذه الدولية أدرك أن أخطر ما يمكن أن يهدد مشاريعه ليس البأس اليمني في المواجهة العسكرية وقدراته المتنامية في التطور وحسب، بل عودة الوعي الجمعي للأمة إلى مبادئها الأصيلة، قيم الاستقلال، والعدل، والكرامة، والتكافل، فالأمة عندما تستعيد ثقتها بذاتها، وتفهم موقعها في التاريخ، وتعود إلى هويتها ،تتفكك أمامها كل محاولات الوصاية والسيطرة.
يمانيون / تقرير / طارق الحمامي
ولهذا، يحرص العدو على تنفيذ استراتيجيات ممنهجة لتغييب الوعي، تتكامل فيها أدوات الإعلام والثقافة والتعليم والخطاب الديني والسياسي، وتبدأ هذه الاستراتيجيات بإعادة تقديم العدو المحتلّ بأنه شريك في التنمية، أو الدعوات للتحرر من التبعية والوصاية على أنها تعنت أو تطرف، ثم يُعاد إنتاج منظومة رموز جديدة تُشيد بالتبعية وتُهاجم أي خطاب وطني حرّ.
تفكيك المفاهيم والمبادئ
العدو لا يخشى القوة المادية وحدها، بل يخشى الفكرة التي تحرّك القوة، لذلك فإنه يوجه جهوده وإمكانياته لتفكيك المفاهيم الكبرى في وعي الشعب، من معنى الحرية، إلى مفهوم الولاء، وحتى الهوية، حيث يُراد للمواطن اليمني أن يرى في الارتهان للخارج انفتاحًا، وفي مقاومته ومواجهته للعدو على أنها مغامرة، هذه الحرب الناعمة أخطر من القصف، لأنها تزرع الشك في جدوى القيم التي بُنيت عليها الأمة.
كما تُستهدف الرموز والقيادات والشخصيات الوطنية التي تدعو إلى الاستقلال والمقاومة بحملات تشويه واغتيال معنوي، حتى يخلو الفضاء العام من القدوات الملهمة، وفي المقابل، يُرفع من شأن الوجوه التي تتحدث بلغة الخضوع أو تبرّر الارتباط بالمحتلين والغزاة، لتصبح القدوة المزوّرة بديلاً عن النموذج الحقيقي.
كذلك الإعلام، عبر قنوات ترفيهية أو منصات رقمية، يتحول إلى أداة لإشغال العقول، تُغمر الجماهير بسيلٍ من المحتوى الذي يفصلها عن واقعها السياسي والاجتماعي، ويزرع ثقافة الفردية والأناء والاستهلاك بدل الانتماء والعمل الجمعي، وهكذا، تتحقق معادلة شعب منشغل، ونخبة مستسلمة.
ومن بين أحد أهم أساليب التفكيك هو هندسة الانقسامات وتغذية الصراعات الداخلية، من خلال تأليب القبائل ضد بعضها ومذهب ضد مذهب، شمال ضد جنوب، وتُضخّ الشائعات، وتُستثمر الأحداث الصغيرة لصناعة أحقاد طويلة الأمد، حتى يبقى المجتمع في دوّامة نزاع داخلي تصرفه عن مواجهة العدو الحقيقي.
وتُعاد صياغة المناهج أو الخطاب الإعلامي ليغيب عنه البُعد الحضاري والرسالي للأمة، فينشأ جيل لا يعرف موقعه ولا يتذكر قيمه. جيلٌ يسهل توجيهه لأن ذاكرته الجماعية قُطعت، وصار التاريخ عنده مجرد مادة جامدة لا معنى لها.
العدو، بكل أدواته، يدرك أن وعي الأمة هو خط الدفاع الأول والأخير، لذلك يسعى إلى إسكات العقول قبل أن يخوض معركة عسكرية، فحين تغيب الفكرة، تسهل السيطرة، وحين تستيقظ، تنهض الشعوب مهما كانت الجراح.
وما يحاول العدو أن يفعله في اليمن اليوم ليس سوى فصل من هذه الحرب الشاملة على الوعي، حرب تستهدف بها الأمة لتكون مجرد أمة غافلة، مقسّمة، متعبة، تلهث وراء الأمن المزيّف والمصالح اللحظية، بينما تُسرق سيادتها وثرواتها أمام عينيها.
لكن التاريخ يثبت دائمًا أن لحظة الصحو قادمة، وأن الشعوب التي تتعلم من آلامها وتستعيد مبادئها هي القادرة على إعادة رسم الخريطة، فوعي الأمة ليس رفاهية فكرية، بل شرط النجاة الوحيد.
حركة النفاق في اليمن
في هذا التقرير رصدنا أنماطاً كرر العدو استخدامها لتشكيل مخطط إضعاف الدولة اليمنية القوية المستقلة المناهضة للاحتلال المناصرة لقضايا الأمة ، منها ، تشكيل ميليشيات محلية، التموضع في موانئ ومواقع يمنية استراتيجية بغطاءات مختلفة أبرزها الغطاء الاستثماري، وكذلك دعم سياسي لقوى تقسيمية، واستغلال خطاب ديني وإعلامي يبرر الوجود الاحتلالي، كل ذلك يتكامل ليشكّل مخططًا يُضعف الدولة اليمنية، ويقوّض الخيارات الوطنية، ويطوّع المجتمع لصالح أجندات العدو.
استخدم العدو في منهجيته العدوانية أسلوب من أساليب الحرب الناعمة، من خلال شبكة من ممارسات سياسية وإعلامية ودينية تهدف إلى تقديم التدخّل أو الشراكات الخارجية كحل أو ضرورة، مع إخفاء أو تهميش التكاليف الحقيقية على السيادة والموارد، وأمثلتها ماثلة في شبوة النفطية وحضرموت وغيرها من المحافظات اليمنية التي تمثل أهم مراكز الثروة اليمنية، هذه الحركة تستخدم لغة الاستقرار ودرء الخطر لتبرير اتفاقيات أمنية، تمويلات سياسية، وإنفاق اقتصادي يُعاد توجيهه نحو إنشاء كيانات محلية عميلة تدين بالتبعية لها.
المحافظات المحتلة ساحة مفتوحة يُطبَّق العدو مخططاته فيها على أرض الواقع
يعمد العدو إلى دعم فصائل وجماعات مسلّحة عميلة عبر التمويل والتدريب والتسليح، لتُقدّم بعد ذلك كحماية أو كشريك محلي، لكنها عمليًا تعمل تحت نفوذ العدو، وتُستخدم لفرض واقع سياسي جديد في مناطق محددة (خاصة في المحافظات المحتلة)
كذلك التحكم بالموارد الاقتصادية والموانئ من خلال استثمارات ومشروعات داخلية تُحرّكها مصالح إستراتيجية، موانئ، عقود بنية تحتية، وتدفقات تجارية يتحكم بها العدو ويسعى لضمان قنوات لوجستية تتماشى مع مصالحه.
ومن الوسائل التي يستخدمها العدو لتبرير التدخل وسائل إعلامية وخطاب ديني يُصاغان في مطابخ الاستخبارات الصهيوأمريكية، لتبرير سياسات تدخل بمبررات مثل محاربة الإرهاب أو حماية الأمن الإقليمي، أو استقرار المنطقة، لتضليل الوعي العام وإخضاعه.
وقد يبدأ من خلال دعم أوهام مشاريع الاستقلال أو الحكم الذاتي كما هو في المحافظات المحتلة، أو تشجيع الانقسامات الإدارية والسياسية مثلما يحدث في تعز ومأرب لضمان بقاء نفوذه.
واجب المواجهة
لكل لحظة تأخر فيها اتخاذ الموقف ومواجهة خطر العدو ثمنٌ مضاعف، ينتج عنه تفكك البنية الوطنية، وفقدان الشباب لفرصة الارتباط بمشروع الوطن المستقل وقيم الحرية وتسليم جيل كامل لمشروع الوصاية والتبعية والخضوع للمحتل، إن السماح لهذا المخطط بالتمدد يعني منح العدو القدرة على رسم مستقبل اليمن بمقاييسها، ووفق أهدافها، ولذا فإن المواجهة ليست خيارًا دينياً وأخلاقيًا فحسب، بل إنها ضرورة وجودية للحفاظ على الهوية والحرية والسيادة والاستقلال .
معركة الوعي .. استعادة للكرامة وللقرار الحر المستقل
بعد استعراض أبعاد تدخلات العدو ، وآلياته وحرب التفكيك وتغييب الوعي التي يعتمدها في عدوانه الناعم على اليمن، تتضح الحقيقة الجوهرية، أن العدو يخوض من جانبه معركة استهداف الوعي والكرامة والهوية.
لقد أراد العدو أن يبقى اليمن ممزقًا، تابعًا، غارقًا في الفوضى، لأن الأمة التي تستيقظ وتستعيد مبادئها تشكّل الخطر الأكبر على مشاريع الهيمنة، لكنّ ما غاب عن حسابات هذا العدو الغبي ، أن الشعب اليمني، رغم الجراح، يملك من الصبر والإرث الحضاري والإيمان بعدالة قضيته ما يجعله قادرًا على تحويل المعاناة إلى وعي، والخذلان إلى عزيمة.
إن معركة الوعي هي جوهر التحرر، واليمنيين بفطرتهم وهويتهم المتجذرة يفهمون أن كرامتهم لا تمنح من محتل وأن السيادة تنتزع بالوعي، ووحدة الصف والموقف ، والشعب اليمني كله يربط كل ذلك بالإيمان بالله والثقة بنصره وتأييده، وبهذا المستوى من الوعي سيتبدد نفوذ الوصاية، وتنقلب المعادلة من التبعية إلى القيادة، ومن الخضوع إلى الفعل
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: من خلال
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.