ماذا لو خالف المحامي القانون؟
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
محمد بن أنور البلوشي
في مساءاتي الهادئة، حين يعود العالم إلى إيقاعه المُعتاد، أجد لذّتي العميقة في قراءة الروايات؛ فالأدب الروائي كان دائمًا نافذتي إلى الواقع، لأن الحقيقة أحيانًا تختبئ بأمان داخل القصص أكثر مما تُقال صراحة.
ومن بين الكتّاب الذين أسروا خيالي، يظل باولو كويلو بعمقه الروحي، وهاروكي موراكامي بعوالمه السريالية، من أكثر الروائيين الذين ألهموني.
روايات غريشام ليست مجرد قصص قانونية مشوّقة؛ بل هي تحقيقات أخلاقية عميقة. فهو بصفته محاميًا، يدرك تمامًا شرف المهنة ومخاطرها. تكشف رواياته كيف يمكن للقانون، الذي وُضع لحماية الإنسان، أن يُستغل لتضليله.
وروايته الشهيرة "The Firm" أو "الشركة"، مثالٌ صارخ على ذلك؛ إذ تُصوِّر محاميًا شابًا يقع في شرك شركة محاماة مرموقة تخفي خلف واجهتها اللامعة طبقات من الفساد والجريمة. وتطرح الرواية سؤالًا مؤلمًا تتجنبه المجتمعات: ماذا يحدث عندما يتحوّل من وُكِّلوا لحماية العدالة إلى صُنّاعٍ للظلم؟
هذا السؤال يُلامس واقعًا نعيشه أحيانًا. فالقانون يمنح المحامين سلطة هائلة: سلطة الجدل، والتفسير، والتأثير. ولكن حين تمتزج هذه السلطة بضعفٍ أخلاقي، تكون النتائج كارثية.
شهدتُ مؤخرًا حالة مشابهة حدثت لأحد أصدقائي؛ إذ أجر منزله لمحامٍ مُتدرّب. في البداية بدا كل شيء طبيعيًا، ثم بدأت المماطلة في دفع الإيجار، أولًا بالذرائع، ثم بالوقاحة. وعندما طالبه بالإيجار، استخدم المستأجر معرفته المحدودة بالقانون سلاحًا للتهديد، مقتبسًا موادّ وتشريعات ليرهب المالك. والمفارقة أنّ من يدرس القانون كان هو من يخرقه.
تساءلت حينها: ماذا نفعل عندما يصبح المحامي نفسه مُخالفًا للقانون؟
زاد هذا التساؤل عمقًا عندما قرأتُ مقالة للخبيرة غلوريا أوسي-أنوكاي، الحاصلة على شهادات CFE وCPA وCGMA، نُشرت في مجلة (Fraud Magazine) التابعة لجمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين (ACFE) بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بعنوان "عندما يرتكب محاربو الاحتيالِ الاحتيالَ نفسه".
وتكشف هذه القضية كيف يمكن حتى للمحققين الموثوقين أن يتحولوا إلى مجرمين؛ فقد استغلّ العميل الفيدرالي السابق ويليام روي ستون سلطته ومعرفته بالنظام القضائي ليحتال على امرأة بمبلغ 700 ألف دولار أمريكي، مؤكدًا أن لا أحد فوق الإغراء، وأن الفشل الأخلاقي يمكن أن يصيب حتى من أُوكلت إليهم مهمة مكافحته.
وتؤكد القاعدة الذهبية: "ثِقْ، لكن تحقّق"، وهو مبدأ لا بدّ أن يعيش به كل من يعمل في مجال مكافحة الاحتيال.
إنّ التشابه بين المُدقق المالي الفاسد والمحامي غير الأخلاقي واضح. فكلاهما يعرف النظام أكثر من عامة الناس، وكلاهما قادر على لَيّ نصوصه لمصلحته. والاختلاف الوحيد في الميدان: أحدهما يختبئ خلف الأرقام، والآخر خلف الكلمات. وفي الحالتين، المجتمع هو الذي يدفع الثمن.
فكيف يجب التعامل مع مثل هذه الحالات؟ وما الإجراءات التي ينبغي على المواطن العادي اتباعها عند مواجهة محامٍ يستغل معرفته بالقانون؟
أولًا: التوثيق هو السلاح الأقوى. احتفظ بكل الأدلة: الرسائل، الإيصالات، العقود، وحتى المراسلات الإلكترونية؛ فالمحامي الذي يعيش على المراوغة ينهار أمام المستندات الموثقة.
ثانيًا: لا تجادل في القانون مع المحامي المتلاعب. دَعْ المهنيين يتولّون الأمر. استعن بمحامٍ موثوق، ويُفضّل أن يكون معتمدًا من جمعية المحامين أو موصى به من جهة نزيهة؛ فالمتخصصون في قضايا الإيجار أو العقار يعرفون الثغرات وكيفية سدّها أكثر من غيرهم.
ثالثًا: اعرف حقوقك القانونية؛ فكثير من الناس يشعرون بالعجز فقط لأنهم لا يعرفون القانون. ولو كان صديقي مطّلعًا على قانون الإيجار، لما استطاع المتدرّب تهديده.
رابعًا: قدّم شكوى عبر القنوات الرسمية. في كل دولة توجد جهة رقابية أو جمعية/ نقابة للمحامين تُعاقب من يسيء استخدام سلطته. فإذا خالف المحامي القانون، فهو معرّض للمساءلة الجنائية، إضافة إلى العقوبات المهنية كالإيقاف أو الشطب من النقابة. قد تكون الإجراءات بطيئة، لكنها فعّالة إن تابعتها بإصرار.
وأخيرًا.. يجب أن تعود الأخلاق إلى قلب المهنة القانونية. تمامًا كما تؤكد ACFE على مبدأ النغمة من القمة في المؤسسات، فإن مكاتب المحاماة والجهات القانونية يجب أن تعيد ترسيخ القيم الأخلاقية عبر التعليم والممارسة. وينبغي أن تُدرّس النزاهة في كليات القانون كمادة أساسية لا كخيار ثانوي.
إن قصص جون غريشام تذكّرنا بأن الفارق بين العدالة والفساد لا يتجاوز في أحيان كثيرة قرار إنسان واحد. ففي رواياته مثل The Firm وThe Pelican Brief وThe Client وThe Partner نجد شخصيات تقف عند مفترق الأخلاق، بعضهم يستسلم للجشع، وآخرون يقاومون من أجل الصواب مهما كلّفهم الأمر. هذا القرار، كما يقول غريشام، لا يحدد مصير المحامي فحسب، بل مصير المجتمع الذي يقبل به.
القانون، في جوهره، وعدٌ.. وعدٌ بأن تنتصر الحقيقة على الخداع. غير أن هذا الوعد يعتمد على أمانة من يحفظه؛ سواء في الأدب أو في الواقع، حين يخالف المحامي القانون، فهو لا يخون موكّله فقط؛ بل يخون العدالة ذاتها.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.