في المغرب.. اكتشاف طفيلي أقدم من الديناصورات مازال يعيش معنا اليوم
تاريخ النشر: 11th, November 2025 GMT
بينما كان الدكتور كارما نانغلو (عالم الأحياء القديمة في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد) يحدق في صور ثلاثية الأبعاد لقواقع عمرها 480 مليون عام، مستخرجة من تكوين فزواطة الأحفوري جنوب شرق المغرب، وهو من أهم مواقع الأحافير في العالم، خاصة لكائنات العصر الأوردوفيشي المبكر، استرعى انتباهه وجود أثر متقن يشبه علامة الاستفهام لسبعة أو ثمانية منها على كل صدفة.
ولم تكن تلك العلامات مجرد خدوش عشوائية بل كانت نمطا منتظما، مما دفعه للتساؤل عن هوية صاحب هذه البصمة الغامضة على الأصداف، وظل مشغولا بهذا السؤال بل إنه أحيانا ما كان يتخيل تلك العلامات تسخر منه بشكلها الذي يحاكي علامات الاستفهام، وكأنها تتحداه قائلة "لن تعرف من تركني هنا".
ولم يرد نانغلو أن يظل وحده أسير تلك الحيرة، إذ أشرك زميله خافيير أورتيغا هيرنانديز (عالم الأحياء التطورية بجامعة هارفارد) الذي وصف هذه الحالة قائلاً "ظل اللغز يطاردنا، حتى صادفنا صورة في دراسة قديمة لديدان بحرية حديثة، وفجأة اتضحت الحقيقة أمامنا".
كانت تلك الصورة تحمل إجابة مذهلة تم توثيقها في دراسة نشرتها دورية "آي ساينس" فتلك العلامات تركتها ديدان بحرية طفيلية تُعرف باسم "سبايونيد" وهي ما تزال تعيش معنا اليوم حيث تلتصق بالمحار وبلح البحر دون أن تقتله مباشرة، لكنها تُضعف أصدافه وتزيد احتمال موته، أي أن نفس الطفيل الذي يهاجم محار العصر الحديث كان قد بدأ عمله قبل مئات ملايين السنين، ومن فترة تسبق وجود الديناصورات.
ولم يكتف العالمان بما توصلا له، إذ استخدموا تقنية تصوير متطورة تشبه الأشعة المقطعية التي تُستخدم في المستشفيات، لكن بدرجة دقة أعلى بكثير، وذلك لفحص الصخور.
إعلانويقول نانغلو في بيان صحفي رسمي نشره موقع الجامعة "هذه التقنية كشفت أن الحفريات ليست فقط على السطح، بل توجد طبقات متراصة داخل الصخور مثل طبقات الكعكة، وكل طبقة تُخفي المزيد من الأصداف التي أصابتها الطفيليات" أي أن ما ظهر للعلماء في البداية كان مجرد جزء صغير من الصورة، والواقع أن هناك عددا أكبر من القواقع المصابة مدفونة في الداخل.
وتنتمي الأصداف التي فُحصت في الدراسة إلى نوع مبكر من أقارب المحار الحديث الذي ازدهر خلال العصر الأوردوفيشي، وهي فترة شهدت تغيرا بيئيا سريعا.
ويوضح نانغلو أنه "في هذا الوقت ازدادت كثافة النظم البيئية للمحيطات، وحدث تزايد في التنافس والافتراس، وكانت الطفيليات جزءا من اللعبة التكيفية".
ويضيف "وهنا تكمن الدهشة، فديدان سبايونيد لم تغير أسلوب حياتها منذ نحو نصف مليار عام، متجاوزة الانقراضات الكبرى والتغيرات البيئية الهائلة، كما لو كانت تقول: ما دام نمط حياتي ناجحا، لماذا أبدله؟".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر