الثورة نت:
2026-06-02@22:34:11 GMT

الكيان كله “سدي تيمان”

تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT

 

يقول عالم التاريخ الأمريكي “ثاد ستارمر”، “إنّ غزّة ليست حدثًا حاليًا، بل هدم للأسس الأخلاقية، فقد غيَّرت غزّة نظرتنا للتاريخ إلى الأبد”، ويضيف: “نحن لا نشاهد الإبادة الجماعية فقط، بل نشاهد البوصلة الأخلاقية للذاكرة الحديثة تنهار”.

فقد عاش الكيان على فرية “الضحية التي تقاوم”، الضحية التي قاومت “الهولوكوست” ونجت، والضحية التي لا زالت تقاوم محيطًا عربيًا همجيًا بربريًا، كما كان يعتمد استراتيجية سمّاها “اقتل ثمّ ابكِ” أو “أطلق النار ثمّ ابكِ”، وقد أثبتت هذه الفرية كما استراتيجية دموع التماسيح نجاعتها، حيث أصبح العالم بين الرعب والتعاطف، الرعب من مقصلة “معاداة السامية”، أو التعاطف مع دمعة القاتل التمثيلية بعد ارتكاب الجريمة.

ولكن جاءت فضيحة “سدي تيمان”، بعد انهيار هذه المرتكزات، وانكشاف الكذب المتراكم على مدار عقود، جاءت بعد أن تابع العالم على البث الحيّ والمباشر، الإبادة التي يمارسها القاتل الذي كان يستعطفه بالدموع، فاكتشف أنّها دموع الفرح والتلذذ بالقتل.

والجريمة في “سدي تيمان” لا تعدو كونها ممارسة يومية في عتمة الزنازين، بعيدًا عن “الكاميرات”، وهي قطرةٌ في بحرٍ لا متناهٍ من الجرائم، فالكيان لا يستطيع البقاء بلا جريمة، فالجريمة فيه هي الأصل والدائم، لا الطارئ والاستثناء، وهي مقومات إنشائه وديمومة بقائه.

وهذه الضجّة المُثارة حول هذه الفضيحة، تبدو وكأنّها مفتعلة في جانبٍ منها، حيث إنّ الجرائم التي ارتكبها العدوّ فقط ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تحتاج لمحاكم العالم مع العمل بكلّ طاقتها، عشرات السنين لإحصائها، وسيظل التاريخ عاكفًا على دفاتره بلا توقف، لتسجيل كلّ تلك الجرائم، وقد ينفد مداده قبل أن تنفد الجرائم في فلسطين ولبنان واليمن وإيران وسورية.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يتم ضخّ كلّ هذه المعلومات والأخبار عن جريمةٍ اعتيادية؟ فالمدعو بن غفير بصفته وزيرًا للأمن الداخلي، يصطحب “الكاميرا” إلى داخل الزنازين، ويقوم بممارسة جرائم حرب على البث المباشر بكلّ فخر، ويتوعد بالمزيد دون رادع، وفضيحة “سدي تيمان”، على فظاعتها، لا تُقارن بجرائم ارتكبها الكيان كلّ دقيقة على مدار عامين من الإبادة.

هناك محاولات لا تتوقف لاستعادة السرديات الملفّقة للكيان، عن “الضحية التي تقاوم”، وعن “واحة الديمقراطية” في محيطٍ همجي، وعن “القضاء الصارم والنزيه”، الذي كان يعتبره العالم بمؤسساته السياسية والقانونية، صارمًا للحدّ الذي يجعل المحاكم الدولية تثق بصرامته وعدالته، وكان دائمًا مطيّة الكيان للإفلات من العقاب، وذلك من خلال الإيحاء بأنّ الكيان “دولة” مؤسسات، وليس مجرد عصابة تديرها أمريكا.

وهي عصابة بالملايين، تبيح القتل والنهب واغتصاب الأرض بما ومن عليها، وما فوقها وما تحتها، حيث إنّ أكثر من 85% من هذه العصابة المتنكرة في زيّ “دولة” و”مجتمع”، حسب استطلاعات رأي “إسرائيلية”، تؤيد جرائم الإبادة الجماعية، بل وتتعطش للمزيد، ويتسابق زعماء العصابة لسفك الدم والتدمير، ليحوزوا أصواتًا أكثر في صناديق الانتخاب.

إنّ الكيان كله عبارة عن “سدي تيمان” مجمَّع للقتلة، الذين لا يفرّقون بين الأمراض النفسية وسطور التوراة، يمارسون الساديّة باعتبارها دينًا، ويحاولون تجيير كلّ ما ارتكبوا من جرائم لصالح الرَّب، الذي كلّفهم باستعجال نزول “المشيح”، وأنّها “الدولة” التي ستحقق النبوءات، ورغم أنّ هذا يُعتبر مزاحًا غير رصين في السياسة، لكن نتنياهو لا يتردّد في ممارسة هذا المزاح السخيف من على منبر الأمم المتحدة.

وقد تبدو ذاكرة العالم مشوشة عن الجرائم الأمريكية في العراق مثلًا، والتي لم تنتهِ بعد، ولكن ظلّ سجنُ أبو غريب ماثلًا، وكذلك الجرائم في أفغانستان، بالكاد يذكرها العالم، باستثناء سجن “غوانتانامو”، فهل يريدون لـ”سدي تيمان” أن يظلّ الخدش الأوحد في “أخلاقيات الجيش الأكثر أخلاقيةً” في العالم؟ “الجيش” الذي لا يرى القوّة والردع إلّا في قدرته الهائلة على قتل الأطفال والنساء والعُزَّل.

*كاتب فلسطيني

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان

 

تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • “الفيفا” يقر 6 قواعد تحكيمية جديدة في المونديال
  • رابطة العالم الإسلامي تدين الاقتحامات الإسرائيلية لـ “الأقصى”
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تيطراوي على أبواب “البريميرليغ”
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • أسعار “البرقوق” تقفز 86% خلال شهر في إسطنبول
  • “حماس” ترحب باعتماد نقابات أيرلندية سياسة الشراء الأخلاقية
  •  “مركز معارض بورت دو فرساي” في باريس يحتضن منافسات بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026