روسيا والولايات المتحدة تعيدان التجارب النووية إلى الطاولة. هل ينفد الوقت للحد من التسلح؟
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
لندن , "د. ب. أ": في الأسبوع الماضي، أعلنت روسيا أنها نجحت في اختبار سلاحين نوويين: صاروخ كروز "بوريفيستنيك" وغواصة "بوسيدون" المسيرة. وقد جاء هذا الإعلان قبل أشهر فقط من موعد انتهاء آخر معاهدة متبقية للحد من التسلح النووي بين روسيا والولايات المتحدة.
وقالت جورجيا كول، محللة الأبحاث في برنامج الأمن الدولي بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني "تشاتام هاوس"، في تحليل نشره المعهد إن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "ستارت الجديدة" تضع قيودا ملزمة على عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يتم نشرها وأنظمة إيصالها من جانب أكبر قوتين نوويتين في العالم.
وأكدت كول أنه في ظل انعدام الثقة الجيوسياسية العميق وتراجع القدرات الدبلوماسية، يشكل منع التصعيد والحفاظ حتى على الحد الأدنى من ضبط النفس أولوية ملحة.
تهديدات التجارب النووية
لقد فسر الغرب على نطاق واسع إعلان موسكو على أنه دليل على التحديث النووي الروسي السريع، وأثار قلق صانعي السياسات ووسائل الإعلام. كما أكدت موسكو أيضا أن هذه الأسلحة الجديدة يصعب اكتشافها وهي قادرة على تجنب الدفاعات الصاروخية.
وقالت كول إنه مع ذلك، لا يوجد تحقق مستقل من هذه الاختبارات أو الجاهزية التشغيلية لأي من النظامين. فقد كان النظامان قيد التطوير منذ سنوات، وواجها انتكاسات متكررة. ويعتمد النظامان على تصاميم سوفيتية قديمة لم يكن من الممكن الاستفادة منها مطلقا بسبب تحديات تقنية، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول صحة بيانات موسكو. لذلك، ينبغي فهم هذه المزاعم، جزئيا على الأقل، على أنها إشارات استراتيجية وسط تصاعد المواقف النووية.
وترى كول أن الرد الأمريكي تسبب في تصعيد التوترات، فبعد إعلان روسيا، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزارة الخارجية باستئناف التجارب النووية الأمريكية "على قدم المساواة" مع الدول الأخرى. وقد تسبب هذا البيان في حالة ارتباك، نظرا لأنه لم تقم أي دولة نووية، باستثناء كوريا الشمالية، بإجراء تجربة تفجير نووي منذ تسعينيات القرن الماضي.
وأوضحت وزارة الطاقة الأمريكية منذ ذلك الحين أن الولايات المتحدة ستجري "تفجيرات غير حرجة"، وليست تفجيرات نووية، وتم سن قانون يمنع أي رئيس من الموافقة على مثل هذه التجارب بشكل أحادي. ومع ذلك فقد كان لهذا الغموض عواقب بالفعل. فقد أمر بوتين المسؤولين بصياغة مقترحات لاستئناف التجارب النووية الروسية، مشيرا إلى عدم اليقين بشأن نوايا الولايات المتحدة.
وتهدد هذه التطورات بانهيار وقف التجارب النووية الذي دام ثلاثة عقود. وفي حين أن العودة إلى التجارب النووية لن تفيد الولايات المتحدة، نظرا لأنها تمتلك بالفعل أكبر أرشيف في العالم لبيانات التجارب التاريخية - فإن الدول النووية الأخرى، وخاصة روسيا والصين، ستستفيد بشكل أكبر.
واعتبرت كول أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال استئناف التجارب النووية، ولكن في تصاعد التهديدات والرسائل النووية في وقت وصلت فيه الثقة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، مما يقوض الأساس الهش الذي أقيم عليه نظام الحد من الأسلحة بعد الحرب الباردة. ويسلط هذا الضوء على كيفية استخدام الخطاب النووي بشكل متزايد كأداة للإكراه السياسي - ومدى السرعة التي قد ينهار بها ضبط النفس.
المستقبل غير المؤكد لستارت الجديدة
في ظل هذا المناخ، يثير قرب انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة القلق بشكل خاص، حيث أنه لا يمكن تمديد المعاهدة قانونيا بموجب شروطها الحالية. ورغم تعليق روسيا مشاركتها في المعاهدة عام 2023، فقد استمرت موسكو وواشنطن في الالتزام بالحدود العددية للرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة وأنظمة إيصالها.
واقترحت روسيا تمديدا طوعيا لمدة عام واحد، تلتزم بموجبه الدولتان بالاستمرار في الالتزام بهذه الحدود. وقد أبدى ترامب انفتاحه على هذه الفكرة، ولكن لم يتم إحراز أي تقدم ملموس. والأمر المهم، هو أن أنظمة الإيصال الجديدة التي أعلنت عنها روسيا (إذا تم تشغيلها) ستكون بالفعل ضمن القيود المفروضة على الرؤوس الحربية وأنظمة الإطلاق الحالية في معاهدة ستارت الجديدة.
وتقول كول إنه خلال ولاية ترامب الأولى، ضغط لإجراء مفاوضات ثلاثية مع الصين للحد من الأسلحة النووية، بدلا من المضي قدما في إبرام اتفاقيات ثنائية. ولكن ينبغي أن يتم تجنب إشراك الصين في المفاوضات حول تمديد معاهدة ستارت الجديدة، لأن هذا قد يتسبب في إبطاء أي تقدم أو يؤدي إلى فشله تماما. فعلى الرغم من أن الصين تمتلك الآن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، إلا أنها لا تزال أصغر كثيرا من ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا. لذلك، فإن الصين ليس لديها حافز كبير لقبول قيود على برنامجها النووي، مما يعني استبعاد إجراء مفاوضات مثمرة على المدى القصير.
وحذرت كول من انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة دون تمديد رمزي، معتبرة أن هذا قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. ويمكن أن يؤدي غياب قيود متفق عليها بشكل متبادل إلى سباق تسلح توسع فيه روسيا والولايات المتحدة ترساناتهما النووية المنشورة، الأمر الذي يقوض الاستقرار الاستراتيجي.
وهذا سيضعف مصداقية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي المعاهدة الدولية الرئيسية التي تنظم الأسلحة النووية. وتعتبر العديد من الدول بالفعل أن الدول التي تمتلك الأسلحة النووية تتراجع عن التزاماتها بنزع السلاح، ولذلك فإن التخلي عن آخر إطار ثنائي للحد من الأسلحة النووية سيؤدي إلى تعزيز هذا التصور.
وفي حين أن التمديد الطوعي لمدة عام واحد ليس حلا طويل الأمد، إلا أنه على الأرجح الخيار الأفضل المتاح في البيئة الحالية. إن التفاوض على معاهدة جديدة أو معاهدة أكثر شمولا هو أمر غير واقعي بالنظر إلى التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وضعف القدرات الدبلوماسية والتقنية داخل الحكومة الأمريكية، حيث لا تزال مناصب رئيسية في مجال الحد من الأسلحة شاغرة.
استراتيجية لتحقيق الاستقرار
وتعتبر كول أن الأمر المطلوب الآن ليس إطارا طموحا لمعاهدة جديدة، ولكن بذل جهد مركز للحفاظ على الحد الأدنى من الشروط اللازمة للتقدم في المستقبل. وينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي موافقة الولايات المتحدة وروسيا على تمديد طوعي لمدة عام واحد للقيود الرئيسية لمعاهدة ستارت الجديدة. ورغم أن هذا لن يعيد الثقة بين الدولتين أو يوقف برامج التحديث النووي الجارية، فإنه سيمنع المزيد من التدهور الفوري في البنية العالمية للحد من الأسلحة، ويقلل من خطر حدوث سوء تقدير. كما سيشير إلى إدراك مشترك بأن التنافس النووي غير المقيد لا يفيد أحدا.
وتتمثل الخطوة الفورية الثانية في أن تجدد الدول المسلحة نوويا التأكيد على الوقف العالمي للتجارب النووية، وهو أمر غير ملزم قانونا. ويجب أن تصادق العديد من الدول على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، من بينها روسيا والولايات المتحدة، قبل أن تدخل حيز التنفيذ.
وفي الفترة التي تسبق مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في أبريل المقبل، حيث من المتوقع أن تعلن الدول التقدم المحرز في مجال نزع السلاح ومنع الانتشار، يتعين على الدول المسلحة نوويا بذل جهود منسقة لتعزيز هذه القاعدة وإظهار التزامها بتحقيق تقدم. وينبغي على الدول التي صادقت على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، والدول التي لم تصادق عليها، مثل الصين والهند وباكستان، أن تشارك في هذا الجهد، حيث امتنعت جميعها عن إجراء تجارب نووية منذ تسعينيات القرن الماضي.
في غضون ذلك، يجب على واشنطن إعادة بناء الخبرات الدبلوماسية والمدنية اللازمة لإجراء مفاوضات مهمة للحد من التسلح عندما تسمح الظروف الجيوسياسية بذلك. وهذا يعني توضيح السياسة النووية لإدارة ترامب، وإعادة شغل المناصب المرتبطة بالحد من التسلح، وإعادة بناء المؤسسات التي ضعفت بسبب تسريح الموظفين وخفض التمويل.
وأكدت كول أنه قبل كل شيء، يجب على الدول تجنب الخطاب النووي الاستفزازي والتصعيد، ويجب تحقيق الاستقرار للوضع الحالي لكسب الوقت للدبلوماسية وإعادة بناء المؤسسات، وهو ما يساعد على تهيئة الظروف التي ربما يمكن فيها إبرام اتفاقيات أكثر شمولا.
واختتمت جورجيا كول تحليلها بالقول إن النظام النووي حاليا يشهد توترا لكنه لم ينهار. ويتطلب الحفاظ عليه انضباطا وصبرا واعترافا واضحا بأنه لن تستفيد أي دولة من استئناف تجارب الأسلحة النووية واحتمالية بدء سباق تسلح نووي جديد.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: روسیا والولایات المتحدة معاهدة ستارت الجدیدة الولایات المتحدة التجارب النوویة الأسلحة النوویة من الأسلحة من التسلح الحد من للحد من
إقرأ أيضاً:
دول مجلس التعاون والأردن تدين استمرار الاعتداءات الإيرانية على أراضيها
عوض مانع القحطاني – الجزيرة
أعربت جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، عن وحدة موقفها المشترك في إدانة العدوان الآثم الذي تشنه إيران ووكلاؤها على أراضيها، المستند إلى المواقف المتعاقبة التي اعتمدها المجلس الوزاري لمجلس التعاون ومجلس وزراء خارجية جامعة الدول العربية، والقانون الدولي، وقرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026).
وتؤكد الدول السبع أنّ اعتداءات إيران على أراضيها ومواطنيها وبنيتها التحتية المدنية قد استمرّت دون توقّف منذ 28 فبراير 2026، وعقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بتاريخ 17 يونيو 2026، وقد تصاعدت هذه الاعتداءات بشكل خاص على مملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، وشملت اعتداءات على منشآت الطاقة، ومحطات تحلية المياه، والموانئ، والمطارات، وغيرها من الأعيان المدنية.
وتشدد الدول السبع على أنّ هذه الاعتداءات المتواصلة تُشكّل أعمال عدوان صريحة تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026)، والتعهّدات الصريحة التي قطعتها إيران بموجب مذكرة التفاهم، وتُشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
تؤكّد الدول السبع، حقّها الأصيل في الدفاع عن النفس، بشكل فردي أو جماعي، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ جميع التدابير القانونية اللازمة لحماية سيادتها وأراضيها ومواطنيها وسفنها التجارية وبنيتها التحتية الحيوية في وجه هذه الاعتداءات المستمرة.
ترحّب الدول السبع بقرار رئيس وزراء جمهورية العراق بحصر السلاح في يد الدولة بموعد أقصاه 30 سبتمبر 2026، معربة في الوقت ذاته عن دعمها لما تتخذه حكومة جمهورية العراق من إجراءات حاسمة وفعالة بموجب مسؤوليتها، للحيلولة دون استمرار الفصائل والمليشيات والجماعات المسلحة الموالية لإيران بشن عملياتها العدائية على دول المنطقة.
تدعو الدول السبع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اصدار قرار عاجل يطالب بوقف الاعتداءات الإيرانية فوراً، والاعتراف بحق الدول المتضررة في الدفاع عن النفس، وأن يمارس سلطته القانونية في النظر باتخاذ تدابير إضافية، إذا لم تتوقف هذه الاعتداءات الممنهجة الآثمة.
تشيد الدول السبع ببسالة قواتها المسلحة ومهنيتها وجاهزيتها العالية في الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقرارها وسلامة المدنيين فيها، وتثمن صمود مواطنيها ووحدتهم في مواجهة هذه التحديات، مما يعكس منعة أوطانها وروابطها القوية التي لا تنفصم بين قياداتها وشعوبها.
تُعيد الدول السبع التأكيد على التزامها بحرية وسلامة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، معربة عن استعدادها للعمل مع جميع دول المنطقة والمنظمة البحرية الدولية للتوصّل إلى ترتيبات دائمة تنسجم مع القانون الدولي ومعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وسيادة الدول وحسن الجوار.
وتؤكد دولنا عن تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودعمها التام لما تتخذه من إجراءات مشروعة للحفاظ على سيادتها وأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، وتقديرها البالغ للجهود الدبلوماسية التي تقوم بها المملكة وسلطنة عمان للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم للأزمة اليمنية، وما تقدمه المملكة من دعم تنموي وإنساني للجمهورية اليمنية الشقيقة.