ليس في الضفة الغربية وقف لإطلاق النار
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
في العاشر من أكتوبر الذي بدأ فيه سريان وقف إطلاق النار في غزة خرجت جماعة من الفلسطينيين في قرية (بيتا) في الضفة الغربية لحصاد الزيتون، فتعرضوا لهجوم جماعة من الإسرائيليين. أفادت الأخبار بإصابة عشرين فلسطينيا منهم شيخان، ونقل رجل إلى المستشفى مصابًا بطلق ناري. وبعد تسعة أيام ظهر مستوطن إسرائيلي مقنع في فيلم صوره صحفي أمريكي، وهو يضرب امرأة فلسطينية عمرها ثلاثة وخمسون عاما في قرية (ترمسعيا).
وأفادت الأمم المتحدة أن أكتوبر الجاري ـ وهو ذروة موسم حصاد الزيتون في الضفة الغربية ـ قد شهد أعلى رقم لهجمات المستوطنين في المنطقة منذ أن بدأ توثيق الهجمات في 2006؛ فقد سجل أكثر من مائتين وستين هجمة بمتوسط ثمانية في اليوم.
وهذا تسريع خطير للعنف، لكنه ليس جديدًا أو فريدًا؛ فمنذ هجمات السابع من أكتوبر سنة 2023 تعرض أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية للقتل على أيدي قوات إسرائيلية ومستوطنين، وكان واحد من كل خمسة من هؤلاء طفلا.
وفي الفترة نفسها قال أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني: إنهم أخرجوا من بيوتهم وأرضهم؛ بسبب العنف الاستيطاني الإسرائيلي. ويقدّر أن أربعين ألف فلسطيني نزحوا إلى الشمال في الضفة الغربية؛ بسبب عمليات الجيش الإسرائيلي. وفي السنتين الماضيتين أقامت إسرائيل قرابة ألف حاجز ونقطة تفتيش مؤقتة في الضفة الغربية خانقة قدرة الفلسطينيين على التنقل والعمل بحرية.
وهذا كله جزء من أجندة واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية لتوسيع وتعميق سيطرتها على الضفة الغربية؛ ذلك أن أعضاء في ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحاكم عاقدون العزم بوضوح على ضم الضفة الغربية رسميا من أجل منع قيام دولة فلسطينية. (ونتنياهو نفسه يحتاط في الكلام في هذا الأمر).
نادرًا ما يفكر أغلب الإسرائيليين في أمر الضفة الغربية، وكثير منهم لا يعرفون بأمر العنف والتهجير اليوميين للفلسطينيين، وفي حال وجود تغطية إعلامية محلية للحرب في غزة نادرًا ما يعرض الإعلام الإسرائيلي السائد الواقع القائم على الأرض. وحينما يحدث ذلك فإن الإعلام يقدمه وكأنه استثناء لا باعتباره سياسة واضحة.
والخريطة التي يراها الإسرائيليون في النشرات الجوية كل ليلة أو المعلقة في أغلب الفصول الدراسية هي خريطة ما يعرف بإسرائيل الكبرى؛ أي المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، وليس فيها ترسيم لحدود ما قبل 1967 المعروفة بالخط الأخضر الممتد بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية.
وبرغم احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية منذ عام 1967 نادرًا ما يظهر مصطلح «الاحتلال» في الإعلام الإسرائيلي أو الخطاب العام.
يرى أغلب الإسرائيليين اليهود إسرائيل والمناطق المحتلة ملتحمتين جغرافيا. وقد حدث هذا التحول على مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية منذ انهيار اتفاقيات أوسلو للسلام والانتفاضة الثانية، وتلاشي معسكر السلام الإسرائيلي، ومعه الأمل القديم في اتفاقيات الأرض مقابل السلام وحل الدولتين.
وليست جهود الدولة لمأسسة السيطرة على الأرض والموارد والناس فيما وراء الخط الأخضر إلا جزء واحد من الطريقة التي ضمت بها إسرائيل هذه الأراضي فعليا.
ولقد تسارعت عملية الضم السري هذه منذ ثلاث سنين حينما حصل بتسلئيل سموتريتش ـ المؤمن بالأيديولوجية الاستيطانية المشيحانية ـ على دور الحاكم الفعلي للضفة الغربية في سياق اتفاق الائتلاف الحزبي مع نتنياهو.
فقد أقام سموتريتش كيانًا حكوميًا جديدًا أطلق عليه إدارة المستوطنات، وتولى السلطة على كل ما يعرف بالشؤون اليومية، ومنها الإسكان والتخطيط والطرق. وبذلك نقل السلطات من مسؤولي الجيش الذين يشرفون ظاهريا منذ عام 1967 على الاحتلال العسكري المؤقت إلى موظفين مدنيين في الحكومة يتبنون رؤية سموتريتش بالسيادة الإسرائيلية الدائمة.
عزز سموتريتش كل مظاهر السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية؛ ففي عهده أجيز بناء قرابة خمسين ألف وحدة سكنية استيطانية منها أكثر من خمس وعشرين ألفا في العام الحالي وحده في زيادة هائلة عن العام الماضي. وسهَّل مصادرة مساحات هائلة من الأرض في الضفة الغربية معلنا إياها جزءا لا يتجزأ من أرض الدولة الإسرائيلية.
وفي ثلاث سنوات صادر سموتريتش من الأراضي مثل ما استولت عليه إسرائيل خلال ثلاثة عقود مضت على اتفاقية أوسلو.
كما شرعن وموّل وحدات استيطانية غير شرعية في نظر القانون الإسرائيلي. ودفع السلطات الإسرائيلية إلى إجازة البناء في جزء من الضفة الغربية يعرف بمنطقة (إي 1) [E1]، وهي منطقة في القدس الشرقية نبهت جميع الإدارات الأمريكية السابقة على إسرائيل بتركها وشأنها؛ لأن من شأن بناء مستوطنات فيها أن يقسم الضفة الغربية، ويجعل اتصال المناطق الفلسطينية أشد صعوبة على التصور.
لكن لعل أشد خطط سموتريتش جموحًا هي تغيير كيفية تسجيل الدولة لملكية الأراضي في المنطقة (ج) بالضفة الغربية التي تشكل 60% من الأرض الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الحصرية منذ أوسلو.
وهذه السياسة تفرض صعوبات جمة الآن على إثبات ملكية الفلسطينيين، وتزيد من سهولة استيلاء الحكومة الإسرائيلية على الأرض في الضفة الغربية. وفور تمام نقل الملكية هذا يستحيل تقريبا إبطال الفلسطينيين له.
ولهذا السبب؛ حينما يقول الرئيس ترامب إن الضم غير مطروح، لا يكون لذلك القول شأن كبير. ففي عام 2020 حينما وقعت إسرائيل الاتفاقيات الإبراهيمية كانت الموافقة على عدم ضم الضفة الغربية رسميًا ورقة مساومة على طاولة التفاوض.
وبوسع إسرائيل أن تعد المجتمع الدولي مرة أخرى بأنها لن تضم الضفة الغربية رسميا، لكنها غيرت بوضوح المنطقة نفسها. فلقد بات نادرا بعد شيوع كبير رؤية الفلسطينيين من الرعاة والمزارعين والأسر المتنزهة في المناطق الرعوية بغور الأردن والمناطق الواقعة بين القدس وأريحا، وبات الأكثر شيوعا هو رؤية جماعات صغيرة من المستوطنين الإسرائيليين المسلحين يرعون قطعان الأغنام.
إن التركيز الدولي المنصب على صيانة وقف إطلاق النار في غزة شديد الأهمية، لكن لا يجب أن تنفصل الضفة الغربية عن هذه الجهود، أو تعد قضية مغلقة بسبب خط الرئيس ترامب الأحمر المفروض نظريا على الضم الرسمي.
ولا شك أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية مثلما فعل قريبًا المزيد من حلفاء إسرائيل الغربيين، وإعادة تأكيد ضرورة إيجاد مسار إلى إقامة دولة فلسطينية -بحسب ما تحدد في إعلان نيويورك في سبتمبر- وخطة ترامب للسلام التي وافقت على ذلك نظريا هي جميعا خطوات مهمة، لكنها تفتقر افتقارًا أليما إلى الأثر الحقيقي.
فوجود سياسة أمريكية أو أوروبية أو عربية ترفض الضم الرسمي مع التقاعس عن عمل أي شيء من شأنه إيقاف الضم الفعلي أمر لا تفسره إسرائيل إلا باعتباره دعوة إلى المسارعة فيما تفعل. ولقد جعلت إسرائيل حياة الصفة الغربية لا تطاق لقرابة ثلاثة ملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون هناك، ومثل هذه الظروف كارثية على الفلسطينيين وخطيرة على إسرائيل.
فالفلسطينيون إن آمنوا أنه لا رجاء في الحرية أو تقرير المصير فإن يأسهم وإحباطهم سوف يزيدان، وكذلك سيزيد دافع إسرائيل إلى فرض المزيد والمزيد من إجراءات القمع الأمنية. وقد يمثل هذا ضغطا مؤقتًا على الفلسطينيين للاستمرار في احتمال مصيرهم، أو قد يدفع القادرين منهم إلى الرحيل عن الضفة الغربية.
لكن الأرجح هو أن ذلك في نهاية المطاف سوف يفضي ـ مثلما سبق وحدث في السابع من أكتوبرـ إلى انفجار العنف فيعطي إسرائيل ذريعة؛ لأن تفعل في الضفة الغربية ما فعلت في غزة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی الضفة الغربیة من أکتوبر أکثر من فی غزة
إقرأ أيضاً:
عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
تناولت الصحف الروسية في قراءتين مختلفتين، مجريات التصعيد في الشرق الأوسط تداعياته على الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى كاتبا القراءتين أن استمرار المواجهة مع إيران يضع واشنطن أمام تحديات إستراتيجية متزايدة، في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة متنامية في شرعيتها الدولية، رغم استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟list 2 of 2بعد 5 أشهر من القصف.. لماذا لا تزال صواريخ إيران تشكل تهديدا؟end of listالمأزق الأمريكي في مواجهة إيرانيرى الكاتب ديميتري سيدوف أن إسرائيل تنظر إلى الضربات الأمريكية ضد إيران باعتبارها وسيلة لإضعاف القيادة الإيرانية واستهداف قيادات الحرس بهدف تقليص قدرة طهران على إدارة الصراع، إلا أن هذا النهج -حسب رأيه- قد يدفع إيران إلى مزيد من التصعيد بدلا من إضعافها، عبر توسيع دائرة الرد واستهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ويشير سيدوف -في مقال على موقع "فوينويه أبوزرينيه"- إلى أن أي تصعيد جديد قد يمنح إيران مبررا لتفعيل أدوات الضغط الإقليمية، بما في ذلك تهديد الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستفيدة من حلفائها الإقليميين، مما قد ينعكس سلبا على حركة التجارة العالمية.
وحسب الكاتب، فإن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية يكشف عن غياب خطة متماسكة لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الأزمة.
ويرى أن واشنطن تواجه ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية، وتفاقم تداعيات اضطراب أسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج.
كما يعتقد أن فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية تبدو محدودة في ظل استمرار التصعيد العسكري، مما ينعكس على مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط.
إيران واستراتيجية استنزاف الخصومويرى سيدوف أن إيران استطاعت تحويل موقعها من طرف يتعرض للهجوم إلى طرف يمتلك زمام المبادرة في بعض جوانب الصراع، مستفيدة من اتساع أراضيها، وقدراتها الصاروخية، وشبكة حلفائها الإقليميين، وهو ما يجعل أي تدخل بري أمريكي خيارا شديد الكلفة من الناحية العسكرية والسياسية.
إعلانكما يعتبر أن الضربات الجوية، رغم تأثيرها، لم تنجح في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية أو الحد من قدرة طهران على مواصلة المواجهة، مشيرا إلى أن الهدف الإيراني المعلن يتمثل في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
يرى الكاتب أن عامل الزمن بات يعمل لمصلحة إيران، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا متزايدة لإظهار نتائج ملموسة، مشيرا إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب تعقيد الملف النووي الإيراني، قد يضع واشنطن أمام أزمة إستراتيجية يصعب احتواؤها.
ويخلص سيدوف إلى أن الحل العسكري وحده لن يكون كافيا لإنهاء الأزمة، وأن أي مخرج مستدام يتطلب العودة إلى مسار التفاوض، رغم إدراكه لصعوبة التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين في ظل تباعد مواقفهما.
ويختم بأن إيران لا تملك أوراقا رابحة كبيرة في اللعبة، لكنها تستخدمها بمهارة فائقة، فيما يذكرنا بحرب فيتنام وحرب أفغانستان، حيث بذل الأمريكيون جهودا مضنية لإقناع العالم بأن اللعبة لا تستحق العناء، وفي النهاية انسحبوا.
إسرائيل.. التفوق العسكري وأزمة الشرعيةوفي قراءة أخرى نشرها موقع "موسكوفسكايا غازيتا"، يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط ديميتري بريدزه أن إسرائيل تدخل مرحلة دقيقة من تاريخها، تجمع بين استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، وبين تصاعد أزمة شرعيتها على المستوى الدولي.
التحول في الرأي العام العالمي بعد حرب غزة انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة
ويؤكد أن إسرائيل ما زالت تستند إلى عناصر قوة رئيسية، تشمل الاقتصاد المتقدم، والصناعة الدفاعية، والقدرات العسكرية والاستخباراتية، والدعم الأمريكي، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع التحديات الأمنية.
غير أن الخطاب الدولي -حسب بريدزه- شهد تحولا ملحوظا منذ اندلاع الحرب في غزة، إذ بات يركز بصورة أكبر على الأوضاع الإنسانية، وحقوق الفلسطينيين، واحترام القانون الدولي، بدلا من التركيز التقليدي على الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
ويرى الكاتب أن هذا التحول انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة، وتراجع مستوى الدعم الذي كانت تحظى به في بعض المحافل الدولية.
كما يشير إلى أن محدودية العمق الإستراتيجي لإسرائيل تجعلها أكثر تأثرا بأي تصعيد إقليمي، بحيث تتحول الأزمات المحيطة بها سريعا إلى تحديات داخلية مباشرة.
ويعتبر الخبير أن إسرائيل قد تحقق مكاسب عسكرية، إلا أن استمرار غياب تسوية سياسية للقضية الفلسطينية يزيد من الضغوط الدولية عليها، ويؤثر في صورتها باعتبارها دولة ديمقراطية وفق المفهوم الغربي.
كما يشير إلى وجود تغيرات في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، خاصة بين فئة الشباب، إلى جانب تنامي التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، وهو ما قد يؤثر مستقبلا في طبيعة الدعم السياسي الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة.
إعلانويرى الكاتب أيضا أن استمرار الخطابات الداعية إلى التوسع أو التمييز العنصري من قبل بعض التيارات داخل إسرائيل من شأنه أن يزيد من صعوبة تحسين صورتها على الساحة الدولية.
ويختم بأن الديمقراطيون إذا وصلوا إلى السلطة في الولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن يدعموا إسرائيل دعما غير مشروط، كما أن نفوذ اللوبي الإسرائيلي قد يتقلص في الولايات المتحدة بشكل ملموس.
وتخلص القراءتان إلى أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في إدارة الصراع مع إيران، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة تجمع بين استمرار التفوق العسكري وتراجع رصيدها السياسي والدبلوماسي.
ويذهب الكاتبان إلى أن استمرار التصعيد العسكري، في غياب مسار سياسي فعال، قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق تداعياتها الإقليمية والدولية.