الرنتاوي .. هل يستحق العداء للإسلاميين، كل هذه الأثمان؟
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
#سواليف
هل يستحق #العداء_للإسلاميين، كل هذه #الأثمان؟
كتب: #عريب_الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية
11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025
مقالات ذات صلةأن تشهر أنظمة وحكومات و”لاعبين غير حكوميين”، راية العداء لـ”الإسلام السياسي”، فهذا أمر مفهوم، وليس بجديد، وقد اعتادت المنطقة على رؤية فصول متعاقبة منه، بعضها دامٍ، وأغلبها، اتخذ من القضاء والسجون والتهميش والشيطنة، ساحات وميادين لممارسة العداء المضمر حيناً، والسافر في أغلب الأحيان، لقوى هذا التيار، على تعددها واختلاف مواقفها وتحالفاتها واصطفافاتها.
وأن تلجأ الأطراف المعادية لظاهرة ملأت الأرض والفضاء طيلة العقود الثلاثة أو الأربعة الفائتة، إلى طوفان من الحجج والذرائع لتبرير سلوكها الاستئصالي، فهذا سلوك وثقته عشرات التقارير والدراسات والأبحاث الصادرة في عواصم المنطقة والعالم، ولسنا بجاجة للاستزادة…وأن تجد هذه الأطراف، في أخطاء وخطايا بعض أركان هذا التيار، ما يكفيها لـ”تذخير” حملاتها وتبريرها وتسويقها، فذلك ما حصل في غير زمان ومكان، اعترفت ببعضها حركات “الإسلام السياسي” وتجاوزت عن أغلبه، مفضلةً، شأنها في ذلك شأن خصومها ومجادليها، تبرئة الذات واتهام الآخر.
لكن أن يصل الأمر ببعض هذه الأطراف، من أنظمة ولاعبين “لا-دولاتيين”، حد اللجوء إلى “خيار شمشون”، وتدمير الأوطان وتقسيمها، وتسويق وتسويغ “العمالة” و”الخيانة” والتعامل مع العدو، فذلكم أمر، لا يمكن تفهمه ولا قبوله، ومن العار على أي فريق التساوق معه، أو الوقوف على الحياد حيال ظواهره وتداعياته ومفاعيله…وهنا سنكتفي بالوقوف أمام “تجربتين” طافحتين، بالمعاني الكاشفة عن مدى الإسفاف والتهافت.
#السودان: التطبيع ليس شفاعة
يقف السودان كشاهد على عمق الدرك الذي بلغته حملات العداء، العابرة للحدود، لكل ما (ومن) له صلة بالإسلام السياسي…لم يشفع للجنرالين المتحاربين، أنهما اختطفا ثورة ضد نظام تلفع بالإسلام السياسي، وقاد البلاد إلى التقسيم والانقسام، وتركه نهباً للديون والأطماع والتدخلات الخارجية…كما لم يشفع لهما، “سباق المسافات” الذي انخرطا فيه، لكسب ودّ إسرائيل والتطبيع معها، أحدهما “تسلل” إلى “عينتيبي” للقاء بنيامين نتنياهو، واختيار المكان لم يكن صدفة أبداً، فقد أراد منظموه، أن يكون بمثابة “تكريم” لرئيس الوزراء الإسرائيلي، في ذات المكان، الذي سقط فيه شقيقه، قتيلاً على يد فدائيين فلسطينيين ذات يوم من العام 1976.
أما الجنرال الثاني، فقد سلك طريقاً استخبارياً خلفياً، لنسج خيوط التعاون مع الإسرائيليين، كدأبه منذ نشأته بين أحضان أجهزة المخابرات المحلية والإقليمية، للقيام بدور “الوكيل المعتمد”، حدث ذلك زمن عمر حسن البشير، عندما اشتهر بقيادته لمليشيا الجنجويد التي عاثت قتلاً وتخريباً واغتصاباً وتنكيلاً، بدارفور وأهلها، ليواصل بعد ذلك، الدور ذاته مع توسيعه ليشمل كل السودان، وإن تحت أسماء وألقاب أخرى، وبرعاية من أجهزة استخبارية إقليمية وعربية مختلفة…وبأجنحة “إبراهيمية” حملت خيوله، أو بالأحرى “إبله” إلى معسكرات الموساد والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، طلباً للعون والخبرة في إدارة الإجرام والإبادة.
اصطدم الجنرالان بعد شهر عسل قصير، ذهب كل منهما إلى طريقه بحثاً عن المدد والإسناد، أحدهما رفع الحظر المفروض على بقايا النظام السابق وحزبه الحاكم، وأبرم تحالفات “الأمر الواقع” مع قوى محسوبة على “الإسلام السياسي”، أما الثاني، فقد ذهب بعيداً في الانصياع لمقتضيات تحالفاته الإقليمية، مطمئناً إلى حمايتها ودعمها السخي بالمرتزقة والسلاح والمسيّرات، وهو بالمناسبة، دعمٌ مدفوع من جيوب السودانيين و”ذهبهم المنهوب”.
راعي الإبل الذي صار جنرالاً دون أن يجتاز “الابتدائية”، وتحوّل إلى “جبل من ذهب”، لن يكتفي بـ”بمجد الدنيا”، بل كلّف أعوانه البحث والتنقيب في بطون الكتب، علّهم يجدون له صلة بالبشارة المزعومة، القائلة بأن “راعي إبل” سيخرج من السودان، لنصرة الأمة (الثُلّة المؤمنة)، وأن هذا الراعي، لا تسوءه “أميّته”، فالله “بعث في الأميين رسولاً منهم”، وأنه منذور لدور يتخطى “السودان” و”البيضان” إلى الأمة بأسرها.
نفهم أن يُقدِمَ حميدتي-دقلو، على تقتيل أهل دارفور مرتين، المرة الأولى زمن البشير، والثانية هذه الأيام، ونفهم تجرّد الرجل من كل قيمة وخلق في حربه على السلطة والثروة في هذه البلاد، واستنجاده بكل من يمكن أن يقدم له العون والمدد … بيد أننا لا نفهم أن يدفع العداء للإسلام السياسي، وربما للإسلام بذاته، بدول وعواصم مهمة، لأن تكون عوناً في جرائم الجنجويد، ومعولاً لهدم وحدة السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وتفتيح أبوابه على كل العواصف وعاتيات الدهر.
ما الذي يخشاه هؤلاء من بقاء الإسلام السياسي على قيد الحياة في بلد بعيد، تفصلهم عنهم كثبان وجبال وبحار؟ … ما الذي يرتجونه من بلد لم يبرأ بعد من جراح تقسيم أول، حتى يشرع في تطبيب جراح تقسيم ثانٍ، وربما ثالث ورابع؟ … وهل يستحق العداء للإسلام السياسي كل هذا العناء، وكل هذه الأثمان؟ … أي استهتار هذا، ولماذا تصمت عواصم العرب وجامعتهم، فيما التطورات الجارفة في بلد “اللاءات الثلاث”، تكاد تجرف أمنهم القومي، وأمن حواضرهم ودولهم الأساسية على ضفتي البحر الأحمر، وليس على ضفة واحدة منه فقط؟
#غزة: المقاومة ليست شفاعة
غير بعيد عن السودان، في قطاع غزة، تطل تجربة “جنجويدية” برأسها البشع، لتقتص من المقاومة وتدفعها أثماناً، عجز الاحتلال عن تدفيعها لها، طيلة عامين من حرب التطهير والإبادة … مليشيات أربع، تقول التقارير، أن لديها “حبال سُريّة” وليس حبلاً واحداً، تمتد إلى العواصم العربية ذاتها، وتضرب جذوراً لدى بعض مراكز القوى المتنفذة في رام الله، وجميعها، تحظى برضى إسرائيل ورعايتها ودعمها…وبصورة تشي بأن رعاة جنجويد السودان، هم أنفسهم رعاة “جنجويد فلسطين”، من ميليشيات “حلس” و”الأسطل” و”أبو شباب” و”المنسي”…وهم أنفسهم رعاة أكثر من جنجويد في أكثر من بلد عربي، أشهرها بعد السودان، في ليبيا واليمن.
هنا نفتح قوسين، لنذكّر بأن بعضاً من قوة المقاومة واقتدارها، إنما كان يأتيها من السودان، زمن البشير، وبرعاية إيرانية لم تعد خافية على أحد، لأنها لم تكن خافية على إسرائيل، التي شنّ طيرانها الحربي، ونفذت أجهزتها الاستخبارية، عمليات استهداف ضد ما كان يعرف بأحد شرايين الدعم لغزة ومقاومتها، ونفذت واشنطن مباشرة، ضربات في الخرطوم، ضد مصنع الشفاء، زمن بيل كلينتون في العام 1998، ظناً منها أنه مصنع لإنتاج الأسلحة والصواريخ…لكأن غزة والسودان، تُعَاقبان بأثر رجعي، من قبل القوى والأطراف ذاتها.
لم تشفع مقاومة “الإسلام السياسي” الأسطورية في غزة، لحماس والفصائل الأخرى، كما لم تشفع “الميول التطبيعية” للبرهان، له ولجيش السودان، عند هذه الأطراف…فاستحق الجانبان، عقاباً مفتوحاً، حتى وإن أفضى الأمر، إلى تشظي بلد بأكمله، أو السير يداً بيد، وكتفاً إلى كتف، مع نظام الفصل العنصري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.
وثمة مفارقة لا تخطئوها العين حين نرى أن داعمي الجنجويد، لا يأبهون لردود الأفعال الغاضبة التي تثيرها ممارسات هذه المليشيات الإجرامية البشعة…في غزة، لا يأبهون لصوت الإجماع الشعبي ضد العملاء والخونة، بل ويحرضون إسرائيل على عدم وقف الحرب قبل الانتهاء من حماس، و”تحرير” غزة من نفوذها، وفي السودان، يعطون أذناً من طين وأخرى من عجين، لموجات الإدانة والاستنكار العالمية لجرائم الدعم السريع في الفاشر ودارفور، وهي موجات جذبت إلى صفوفها حكومات ومنظمات، بعضها لم يُعرف بصداقته أو تعاطفه مع “الإسلام السياسي”، وبعضها الآخر، ناصبه العداء في غير ساحة وزمان…إنهم يصرون على ممارسة دور “رأس الحربة” ضد هذا التيار، مهما كان الثمن ومهما بلغت خطورة مغامراتهم ومقامراتهم.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف الأثمان عريب الرنتاوي الإسلام السیاسی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.