اعترف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أخيرا، الخميس، بحقيقة طالما طال انتظارها، ملخصها أن الأزمة في السودان تقف خلفها دول إقليمية وأخرى مجاورة، عبر تقديمها الدعم العسكري والمالي واللوجستي لقوات الدعم السريع.

وهذه حقيقة تداولتها مراكز البحوث والتقارير الإعلامية منذ مدة ليست بالقصيرة، وتجاهلتها الإدارة الأمريكية على نحو أفضى إلى انتعاش الفوضى وحركات التمرد وعصابات المرتزقة والمتطرفة؛ على طول خط الإمداد العسكري لقوات الدعم السريع خلال الأعوام الثلاثة الماضية من عُمر الحرب في السودان.



المشكلة لا تكمن في تعلم الدروس أمريكيا فقط، بل بمدى الجدية في التعامل مع الحقائق وتعديل السياسات على نحو جوهري وحقيقي وليس إعلاميا خطابيا، ذلك أن أمريكا تعمد من خلال شريكها الاحتلال الإسرائيلي إلى استنساخ ذات النموذج الفاشل في دارفور وبحيرة تشاد بنقله إلى شمال البحر الأحمر، عبر الاعتماد على المرتزقة والعصابات الإجرامية، هروبا من الاستحقاقات السياسية والأمنية ولالتزامات الدولية للاعتراف بالحقوق الفلسطينية التي يتوقع أن تعكسها القرارات الأممية وأدوار الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

التعويل على العصابات في تحقيق أهداف جيوسياسية في السودان عبر الوكلاء الإقليميين لم يخدم الاستراتيجية الأمريكية ولا الأطراف الاقليمية المتورطة معها، فرغم إغراء انخفاض الكلفة الطاهري وتجنب الأعباء السياسية والأخلاقية، فالاستراتيجية المتبعة ثبت فشلها بعد مجزرة الفاشر، لتتحول إلى كارثة استراتيجية تهدد بفقدان كل الميزات التكتيكة لهذ المسار، وفقدان السيطرة الاستراتيجية على كامل منطقة الساحل والصحراء وبحيرة تشاد، وهو أمر أُرجع إلى الجشع والجهل بالتكوينات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية في كامل منطقة الساحل والصحراء وبحيرة تشاد.

فقوات الدعم السريع التي دُعمت عبر خطوط إمداد بلغت عمق منطقة الساحل والصحراء في القارة الأفريقية، من بحيرة تشاد الجافة إلى مناجم الذهب في مالي والسنغال، فشلت في تحقيق أهدافها وتبخرت أحلام داعميها، مقابل انتعاش عصابات التهريب والارتزاق والحرب، إلى جانب تنظيمات وجماعات متطرفة كداعش والقاعدة؛ التي باتت تبتز كل الأطراف المتورطة في دارفور. فطرق الإمداد بعثت الحياة بشركات المرتزقة وأسواق السلاح التي اعتادت تغيير ولائها وانتمائها لمن يدفع أكثر، حتى وإن كان تنظيمات كجماعة المرابطين وجماعة نصر وبقايا جماعات بوكو حرام.

الكيان الإسرائيلي يسعى لاستنساخ ذات النموذج الفاشل، باستعانته بعصابات الإجرام المتعاونة معه في قطاع غزة، من قبيل عصابة ياسر أبو شباب وعصابة حسام الأسطل الملقب بـ"أبو سِفن"، وغيرهما، وتوسيع الصلاحيات تدريجيا، بحسب ما أفادت وسائل إعلام عبرية، بديلا لقوة دولية محددة الصلاحيات والولاية ووفقا للرؤية المصرية التركية، فإسرائيل تفضل نموذج الجنجويد المنفلت على نموذج منضبط يرعاه الوسطاء والضامنون.

الكيان الإسرائيلي يحاول اقناع الإدارة الأمريكية بتبني العصابات الاجرامية في قطاع غزة على نحو ينعش الفوضى في كامل الحوض الشمالي للبحر الأحمر الذي يضم مصر والسودان والسعودية والأردن وفلسطين، ويحوّل شمال البحر الأحمر إلى بؤرة فوضى تحاكي ما يحدث في بحيرة تشاد ومنطقة الساحل والصحراء في القارة الأفريقية. فالهدف الحقيقي والبعيد الأمد للاحتلال الإسرائيلي هو البحث عن مساحات جديدة للتمدد عسكريا؛ يفرض خلالها مناطق آمنة وعازلة داخل دول الجوار والحوض الشمالي للبحر الأحمر بحجة غياب الأمن والفوضى، وهو ما عبر عنه قبل أيام وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإعلان الحدود مع جمهورية مصر العربية منطقة عسكرية مغلقة وإطلاقه مناورات كبرى في غور الأردن.

وهذه الاستراتيجية يسعى الكيان لإنفاذها هروبا من استحقاقات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مقدما مصالح الكيان على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستجد نفسها متورطة في صراع أشد تعقيدا وأكثر كلفة لنفوذها المهتز في المنطقة، وهو ما تتحسب له واشنطن في ظل الخشية من تمد النفوذ الروسي والصيني جنوب البحر الأحمر وبحر العرب.

ختاما.. فرص نجاح نتنياهو في تحقيق أهدافه تكاد تكون معدومة، ما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون مضطرة وبضغط من الوسطاء العرب والأتراك لوقف هذا التهور الإسرائيلي، والبحث عن صيغ أكثر واقعية لقطاع غزة، فالوقت لا يعمل لصالح أمريكا في ظل التوتر الكبير في القارة الأوروبية والبحر الكاريبي مقابل التقدم الهائل الذي تحرزه الصين في الساحة الدولية سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وهناك حقيقة أخرى على وزير الخارجية الأمريكي روبيو التعامل معها، ألا وهي تبني مقاربة جوناثان باول، مستشار الأمن القومي البريطاني في حكومة كير ستارمر، فهي الأقرب إلى الواقع؛ كونها تدعو للحوار والتفاوض مع حركة حماس أسوة بما حدث مع الجيش الجمهوري الأيرلندي، وبما حدث مع حركة تحرير الشام سابقا، وهي تجربة حديثة وحيّة تُوجت أخيرا باستقبال دونالد ترامب الحار للرئيس السوري الحالي أحمد الشرع في البيت الأبيض، يوم الاثنين الفائت، ما يجعل الطريق إلى أنقرة والقاهر والدوحة أقرب وأجدى من الفوضى التي يدعو لها نتنياهو في كريات جات، ومعه بعض المتهورين في الإقليم.

x.com/hma36

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء السودان الإسرائيلي غزة إسرائيل امريكا السودان غزة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة منطقة الساحل والصحراء البحر الأحمر فی قطاع غزة

إقرأ أيضاً:

خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو

كشفت صحيفة إسرائيلية عن حالة من الغضب والاستياء داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عقب تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن الاستعداد لمهاجمة أهداف تابعة لحزب الله في بيروت، معتبرة أن الإعلان المبكر أضر بالخطة العسكرية وأفقدها عنصر المفاجأة.

نتنياهو: تحدثت مع ترامب.. إذا هاجم حزب الله مدننا فسوف نهاجم بيروتترامب: انهيار المفاوضات مع إيران لا يهمني وسأتحدث مع نتنياهو بشأن لبنانلأسباب أمنية.. تقليص مدة جلسة محاكمة نتنياهو غدا وإلغاء أخرى بعد غدنزوح واسع من الضاحية الجنوبية لبيروت بعد قرار نتنياهو بقصفها | تفاصيل

وبحسب مصادر عسكرية إسرائيلية، كان الجيش قد أعد مسبقًا بنك أهداف واسعًا في العاصمة اللبنانية، شمل قيادات ميدانية ومراكز قيادة وغرف عمليات تابعة لحزب الله، بهدف توجيه ضربة مؤثرة لما تصفه إسرائيل بـ"مركز ثقل" الحزب في بيروت.

وأكدت المصادر أن التصريحات العلنية الصادرة عن نتنياهو وكاتس دفعت قيادات وعناصر من حزب الله إلى مغادرة مواقعهم فورًا، ما أدى إلى تقويض فرص نجاح العملية العسكرية بالشكل الذي خُطط له مسبقًا.

وفي الوقت ذاته، أثار قرار وقف الهجوم، الذي جاء عقب اتصالات مكثفة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو، مخاوف داخل إسرائيل من العودة إلى معادلة "الهدوء مقابل الهدوء" مع حزب الله، وهي الصيغة التي تعتبرها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تهديدًا استراتيجيًا قد يمنح الحزب مساحة لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز قدراته.

وجاءت هذه التطورات بعد محادثة هاتفية بين ترامب ونتنياهو، أعلن بعدها الرئيس الأمريكي التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف متبادل للهجمات بين إسرائيل وحزب الله، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية التي كانت تستعد للتحرك نحو بيروت تلقت أوامر بالعودة، في مقابل التزام الحزب بوقف إطلاق النار.

وترى دوائر إسرائيلية أن تجميد الهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت لا يمثل نهاية الأزمة، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر على الجبهة الشمالية.

طباعة شارك بنيامين نتنياهو وزير الدفاع يسرائيل كاتس حزب الله ترامب

مقالات مشابهة

  • نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى للتعليم التقني لدول البحر المتوسط.. شراكات دولية لمهارات المستقبل
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • الهلال الأحمر يطلق قافلة "زاد العزة" بحمولة أكثر من ثلاثة آلاف طن
  • الهلال الأحمر يطلق زاد العزة 206 متضمنة ثلاثة آلاف طن من المساعدات
  • خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو
  • وزارة التربية والتعليم تستعد لإطلاق منتدى التعليم التقني والمهني لدول البحر المتوسط
  • بحمولة 2370 طنا.. انطلاق قافلة المساعدات المصرية الـ 205 إلى غزة
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم
  • نتنياهو: أولويتنا تقويض قدرة حزب الله على تهديد شمال إسرائيل