فهم طبيعة الصراع قبل أن نلقي السلاح
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
تابعتُ برنامجًا على قناة الجزيرة، وفيه سجالٌ ومناظرة بين طرفين: الأوّل يدافع عن سلاح المقاومة، والآخر ضد سلاح المقاومة.
واستغربتُ جدًّا أن الطرف الثاني يرتكز في مجمل كلامه ومنطقه على أن إلقاء السلاح والتحول لحكومات مدنية سيُبعِد الذرائع تمامًا، فبعد أن تتحول بلداننا إلى حكومات مدنية، لن يبقى لإسرائيل ذريعة لمهاجمتها, وهذا منطق غريب جدًّا من عدّة نواحٍ:-
أوّلًا: هو غير واقعي؛ فإسرائيل هاجمت لبنان قبل أن يوجد حزب الله، وكان لبنان دولة مدنية آنذاك، واحتلت فلسطين قبل وجود حركه حماس وحركة الجهاد الاسلامي وبقية الفصائل.
في المقابل كلُّ مستوطن وكلّ مغتصب في كيان العدو هو شخصٌ مسلّح ومدرب على السلاح، حتى النساء والأطفال، وهي من تدعم المليشيات في أماكن عدّة، بشكل مباشر أو عبر أدواتها في المنطقة.
ثم إن كيان العدو أبعد عن المدنية من داعش فهو كيان محتل متوحش قائمٌ على تصوّراتٍ دينيةٍ توراتية، ذات طموحاتٍ تاريخيةٍ خرافية، وأحزابه تُقِرّ بذلك في برامجها الداخلية ويصرّح بذلك قادته علناً، ومنهم نتنياهو، حين تحدّث عن مشروع “إسرائيل الكبرى”، وهي بدورها لن تكون إلا محطةٌ نحو مشروعٍ أوسع للسيطرة على المنطقة.
إلقاء السلاح، في هذا السياق، لا يعني السلام، بل يعني إزالة عقبةٍ من طريق الاحتلال. إنك حين تُسقط سلاحك لا تُسقط عدوان العدو، بل تُسقط وسيلة الردع التي تمنعه من التمادي.
ثانيًا: في معالجة هذه المسألة من جذورها، أرى أننا نعاني إشكاليةً كبيرةً في سوء فهم طبيعة الصراع مع العدو، وعدم إدراكٍ كافٍ لطبيعة العدو الذي نواجهه. فالكثير من الأنظمة أو النخب السياسية تتعامل معه كما لو كان خصمًا عاديًّا يمكن الوثوق بعهوده ومعاهداته، وهذا غير صحيح.
القرآن الكريم ـ كلام الله الذي خلق الناس وهو الأعلم بأحوالهم وطبائعهم، والقائل: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: 45] ـ قد بَيَّن صفاتهم أنهم ينكثون العهود، وأن سمتهم الغدر والخيانة، فقال سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13].
وكشف لنا مستوى كراهيتهم وانزوائهم على أنفسهم وعنصريتهم وأنهم يحقدون على من سواهم، ولا يرون أن البقية بشر يستحقون الحياة، وأنهم المعني بعمارة هذه الحياة ومن هذه المنطلقات يتعاملون معنا. قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، وبيّن أيضًا نظرتهم لأنفسهم حين قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 111]، وقال جلّ شأنه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135].
هذه الآيات تشرح لنا طبيعة فكرٍ يرى نفسه متفوّقًا على غيره، ومن هنا تنطلق سياسات الغرور والتفرقة والتاريخ والحاضر يؤكد ذلك ويشهد بتحققه في الواقع.
بالتالي علينا أن نفهم أنّ السلام لا يُطلَب من موقع الضعف، وأن السلاح ليس المشكلة، بل المشكلة هي في غيابه. فالسلاح هو المشكلة الحقيقية بالنسبة للعدو، لأنه العقبة التي تمنعه من التمدّد.
الخلاصة:
إننا بحاجة إلى أن نعود لفهم عدونا من خلال القرآن الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: 45]، لنعرف كيف وصفهم الله، وما طباعهم، وما الأساليب التي يسلكونها، وما هي سياساتهم ومجالات الصراع معهم وكيف يتقنون دائما سياسة التفريق وسياسة التطويع وكيف يمتهنون سياسة الإفساد والإضلال، ولهم أساليب واسعة سواء ترغيب أو ترهيب، إغراء وإغواء، حرب نفسية وفكرية، وأساليب الترويض والإستدراج، ولهم أدوات ووسائل يستخدمونها منها منظمات ووسائل إعلاميه ووسائل تثقيفية ويتحركون في مجالات واسعة لا يركزون على الحرب العسكرية بمفردها بل يستهدفون الناس في كل المجالات بما فيه الجانب الأخلاقي والقيمي والايماني. وهنا يجب أن ندرك طبيعة الصراع معهم من خلال القران الكريم ونفهم مجالاته الواسعة وافاقه الكبيرة ونفهم الحلول في مواجهتهم فالله لم يقدمهم بذلك المستوى من الخطر إلا وقدم الحلول في مواجهتهم، عندها فقط ندرك أن التفريط بالقوة هو تفريطٌ بالسيادة، وأن من لا يملك القدرة على الدفاع لا يملك القرار في السلم ولا في الحرب.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
بين الاستمرارية ومراجعة مسار حماس.. ما أولويات خليل الحية؟
تمثل خطوة انتخاب خليل الحية رئيسا للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد أكثر من 20 شهرا على استشهاد سلفه رئيس مكتبها السياسي يحيى السنوار في أكتوبر/تشرين الأول 2024، منعطفا مهما في تاريخ الحركة والمقاومة، في ظل ظروف بالغة التعقيد.
ووفقا لحلقة (2026/7/23 ) من برنامج "سيناريوهات" فإن الحية ينتمي إلى خط "الداخل" الميداني، وقد جاء إلى الرئاسة في وقت تواجه فيه الحركة تحديات جسيمة، أبرزها استمرار العدوان الإسرائيلي، وتراجع الحاضنة الشعبية في غزة، وتغير موازين القوى إقليميا.
وتناولت الحلقة مع ضيوفها عددا من المحاور ذات الصلة:
هل سيأتي الحية بجديد في سياسات حماس؟ كيف سيتعامل مع ملف السلاح الذي يعتبر خطا أحمر للحركة؟ هل يمكن للحركة المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة؟وفي السياق يشير الباحث والمحاضر بالمعهد العالي للدراسات الدولية الدكتور بلال سلايمة إلى أن انتخاب الحية –رغم الفارق الضئيل عن منافسه خالد مشعل— يعكس استمرارية النهج الداخلي للحركة، مع الإشارة إلى أن الحية يملك مساحة نظرية لإجراء مراجعات قد لا يستطيع غيره القيام بها.
ويضيف أن الأولويات الست التي أعلنها الحية تتمثل في:
وقف العدوان: الوقف الشامل للعدوان والانسحاب الكامل من غزة. الإغاثة وإعادة الإعمار: ضمان حياة كريمة، إفشال التهجير، وإعادة الإعمار وتحرير الأسرى. الوحدة الوطنية: تحقيق الوحدة الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير. علاقات الحركة: تعزيز العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي. تحرك عربي وإسلامي: ضغط الدول العربية والإسلامية لوقف الإبادة. المساءلة الدولية: حماية الفلسطينيين ومحاسبة مجرمي الحرب.ويرى سلايمة أن هذه الأولويات تعكس التوجه الداخلي للحركة أكثر من أي تغيير استراتيجي.
خطاب محافظ على الوحدة
ومن ناحيته، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور غسان الخطيب أن خطاب الحية الافتتاحي كان محافظا على وحدة الحركة، ولم يحمل أي إشارة إلى مراجعة جذرية لسياساتها، رغم التغييرات الكبيرة التي طرأت خلال السنوات الثلاث الماضية.
إعلانويلفت إلى أن غياب الإشارة إلى موضوع السلاح في أولويات الحية لا يعني تغير الموقف، بل هو تجنب لإثارة الجدل، وسط تراجع واضح في مصادر قوة حماس الثلاثة: القوة العسكرية، والحاضنة الشعبية والامتدادات الإقليمية.
ويحذر الخطيب من أن الحاضنة الشعبية لحماس تراجعت في غزة بشكل ملحوظ بسبب تداعيات الحرب، بينما ازدادت في الضفة الغربية، حيث لا يدفع الجمهور ثمنا مباشرا للحرب، ويرى أن العالم ينظر إلى حماس بشكل أكثر سلبية مما كان عليه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يزيد صعوبة أي تحرك سياسي مستقبلي، خاصة فيما يتعلق بملف السلاح.
بناء المشروع الوطني
وبالمقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية البروفيسور أسعد غانم أن ملف السلاح يشكل تحديا استثنائيا للحية، فهو خط أحمر بالنسبة لحماس، ولكن الضغوط الإقليمية والدولية تتزايد بشأنه، ويرجح أن يلجأ الحية إلى القيادة الجماعية واستشارة الهيئات الداخلية لتسهيل أي خطوة في هذا الملف، مشيرا إلى أن المشهد الفلسطيني معقد للغاية، مع تداخل الفصائل والمليشيات والأسلحة.
ويناشد غانم بضرورة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أساس تعزيز الصمود، والتركيز على الانتخابات الوطنية لانتخاب مجلس وطني جديد، بدلا من الاكتفاء بالانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ويؤكد أن الوقت قد تأخر، لكن الحاجة لا تزال ملحة لإعادة بناء التمثيل الفلسطيني في مواجهة السياسات الإسرائيلية "المتطرفة".
ويجمع ضيوف الحلقة على أن المهام الأكثر إلحاحا أمام الحية تتلخص في الآتي:
إخراج قطاع غزة من نكبته الحالية. إعادة الاعتبار للحركة الوطنية الفلسطينية من خلال شراكات حقيقية. إعادة نسج العلاقات مع الدول الإقليمية بشكل متوازن.بينما يؤكد سلايمة أن العودة إلى الشعب الفلسطيني والاستماع إلى تطلعاته هي الطريق الوحيد لاستعادة الشرعية الشعبية والوطنية، خاصة مع محاولات إقصاء حماس سياسيا.