صحيفة الاتحاد:
2026-06-02@22:34:13 GMT

د. عبدالله الغذامي يكتب: خسائر الثقافة

تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT

حين صدر كتاب العروي (السنة والإصلاح) تركت كل ما بيدي لقراءته، وأحسست فوراً بأني أقرأ كتاباً ليس من نوعية كتب العروي، فالكتاب قام على سؤال ربما يكون افتراضياً من سيدة أميركية أغراه بالإجابة عن ذاك السؤال، ومضت الصفحات كلها تحت ضغط كونه جواباً عن سؤال، وشعوري كان نتيجةً لرهاني على العروي والبحث المفاهيمي الذي تمرّس فيه وإشكالاته المعرفية، ومن ثمَّ تمنيّت لو كان الكتاب بنية الغوص الإشكالي عن مفهوم الإصلاح، كما تقترح ذاكرتنا مع عقلية العروي مع المفاهيم، ومنها مفهوم العقل ومفهوم الحرية وغيرهما من المفاهيم التي تتصدر عناوينه، وهذا يحتّم حضور مفهوم الإصلاح، ليس فحسب لأنه يتّسق مع عقلية العروي وتوقعاتنا منه، بل أيضاً لأن مفهومي العقل والحرية لن يكتملا ما لم يدخلا في حال ممارسة هذه المفاهيم بعد تحريرها الفلسفي والمنطقي، وسيكون تمثلهما الواقعي هو مشروع الإصلاح حسب نسق الثقافة العربية، الذي يتجلى كذلك في كتابه عن الإصلاح، ولكنه انحرف من تأسيس المفهوم إلى إجابة مطولة عن سؤال.


هنا نشهد أن النية مطيةٌ كما في المثل، وكلنا تقوده نيته لرسم سلوكه ولرسم نظام تصوراته، ولذا فالعروي انطلق تحت مظنة أنه يجيب عن سؤال وبذلك فوّت فرصة ذهبية لطرح (مفهوم الإصلاح)، وهذه خسارة ثقافية خاصة مع باحث فذّ مثل العروي، ويشبه هذه الخسارة ما جرى للمفكر التونسي محمود المسعدي الذي قرر كتابة رواية فلسفية سماها (السد)، فوقع في حبائل نيته بين قوة معرفية فكرية ورغبة في جعلها سرديةً، ومن هنا ضاع كتابه في متاهة التلقي الروائي وليس في المعنى الفكري، فلا هو أغرى قراء الروايات الذين لم يتقبلوا روايته المتخمة فكرياً ومرجعياً، ولا هو دخل محيط الفكر، ولو كانت كتبه تحت المعنى الفكري لاحتل كتابه موقعاً بارزاً في الخطاب الفكري العربي.
وهنا نستحضر أمبرتو إيكو وموقفه السلبي من «السوشال ميديا»، رغم أنه سيميولوجي همه قراءة العلامات، وأخص إيكو بما أنه هو ورولان بارت أهم من طور السيمولوجيا من بعد أن تصورها دي سوسير وتركها مفتوحة للتطوير، ولكن بارت مضى قبل «السوشال ميديا»، ولو عاش فلا أظنه سيقع في غلطة إيكو بل سيقرأ علامات «تويتر» كما قرأ الثقافة اليابانية بوصف اليابان إمبراطورية العلامات. أما إيكو فأدركها وهي أهم علامات علاقات البشر مع حرية التعبير وفيها كان كتابي (تويتر، حرية التعبير أم مسؤولية التعبير)، وفيه وقفت على علامات تويتر، وكم هي خسارة ثقافية أن عزف إيكو عن هذه المهمة الحاذقة.
وقبلهم كلهم كان ابن خلدون حين كتب مقدمته العظيمة، وكانت مقدمةً لكتاب التاريخ، لكنه ما إن دخل للتاريخ حتى نسي المقدمة وما فيها من أفكار عن العمران كانت رائدة وخارقة للتوقع، غير أنه تحوّل مباشرةً لمؤرخٍ تقليدي لم تفده تجلياته الفكرية بشيء يغير عقلية المؤرخ، فخرج تاريخ ابن خلدون من ذاكرة الثقافة الفكرية، وظللنا نحيل للمقدمة دون كتاب العبر الذي لم يرق للمقدمة ولم يشتبك معها، وهذه خسارة عظمى لفوات فرصة قراءة ناقدة لتاريخنا، ولو حدثت لكانت ريادة نوعية فريدة.
تلك خسائر ثقافية كبرى وكما قال المتنبي هي من نوع عجز القادرين على التمام.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: هل النقد احتكار نخبوي؟ د. عبدالله الغذامي يكتب: النجومية والقلعة الثقافية

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • إخماد حريق بمقر وزارة التربية بالمرادية دون خسائر بشرية
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • «الديهي»: ما قاله زياد العليمي يخرج عن حرية التعبير ويُهدّد مؤسسات الدولة | فيديو
  • قوات الحماية المدنية بالغربية تخمد نيران حريق محل كاوتش بطنطا دون خسائر بشرية
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • الأونصة فوق 4500 دولار.. الذهب يتعافى من خسائر سابقة رغم تعثر مفاوضات واشنطن - طهران
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟