"مكتبات الشارقة" تستضيف "نادي كلمة للقراءة" في نقاش لكتاب "نحو تقشف سعيد"
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
استضاف جناح "مكتبات الشارقة العامة" المشارك في فعاليات الدورة الـ44 من "معرض الشارقة الدولي للكتاب" جلسة "نادي كلمة للقراءة" التابع لـ"مركز أبوظبي للغة العربية". وناقش أعضاء النادي كتاب "نحو تقشف سعيد" للكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي من أصول جزائرية بيير رابحي، والصادر عن مشروع "كلمة" للترجمة عام 2024، بترجمة الفنانة والكاتبة والمترجمة السورية إينانة محمد الصالح.
وأدارت الجلسة روضة المنصور، من "إدارة المكتبات المتخصصة" في "مركز أبوظبي للغة العربية"، إلى جانب غيث الحوسني، عضو فريق الفعاليات والبرامج بإدارة "مكتبات الشارقة العامة" ومسؤول جناح مكتبات الشارقة في "معرض الشارقة الدولي للكتاب"، بمشاركة عدد من أعضاء "نادي كلمة للقراءة".
وناقشت الجلسة الجوانب المتعلقة بعنوان الكتاب والمواضيع التي يطرحها، وتطرقت إلى حياة الكاتب الذي ولد عام 1938 في إحدى واحات الجزائر الصحراوية ويُعدُّ رائد الزراعة الإيكولوجية في العالم، ومناصر تبني الزراعة القائمة على استصلاح الأراضي، والذي يجمع بين السيرة الذاتية والفلسفة والعلم، وألّف قرابة عشرين كتاباً، وترشح لجائزة "نوبل" للسلام عدة مرات.
وأكد المشاركون في الجلسة أن عنوان الكتاب، الذي ينتمي إلى العلوم الاجتماعية، وهو "نحو تقشف سعيد" يجذب القارئ ويثير فضوله، كما استعرضوا محتوياته التي تنقسم إلى أربعة أجزاء، أولها "بذور التمرد"، ويتضمن 3 فصول "أنشودة الحداد"، "الوهم"، و"تدهور العالم الفلاحي"، إلى جانب الأجزاء الأخرى "هل الحداثة خدعة"، "التقشف حكمة الأسلاف".
واتفق المشاركون على سهولة مفردات الكتاب ولغته، وسلاسة طرح الأفكار، لكن آراءهم تنوعت بين مؤيد ومعارض للأفكار التي يطرحها الكتاب. كما اتفق أعضاء النادي على أن الأفكار الأساسية والجمالية التي يطرحها يغير مفاهيم بديهية لدى القارئ، لا سيما دلالة "التقشف" التي يقصدها الكاتب، وهي إيجابية وليست سلبية.
وبحث المشاركون توجه الكاتب لمواجهة الحداثة التي قضت على جماليات الزراعة، إذ أصبحت الزراعة عملية استهلاكية فقط في ظل الاقتصاد الحديث القائم على الاستهلاك، إذ أصبح الإنسان الذي لا يستهلك خارج المنظومة كالمتمرد. كما تفاعل المشاركون في مناقشة مفهوم الاكتناز القهري، والجوانب التي تميزه عن الاستهلاك، محبة الاحتفاظ بالأشياء والذكريات، الجشع، التوثيق، الارتباط العاطفي، وغيرها من المفاهيم.
وجاءت الجلسة في إطار العلاقات الوثيقة التي تجمع "مكتبات الشارقة العامة" و"مركز أبوظبي للغة العربية" مع جميع الجهات الثقافية في دولة الإمارات، والهدف المشترك الذي تسعى إلى تحقيقه والذي يتمثل في دعم القرّاء وتعزيز ثقافة القراءة بين أفراد المجتمع.
يشار إلى أن "نادي كلمة للقراءة" التابع لـ"مركز أبوظبي للغة العربية" يأتي تحت مظلة مشروع "كلمة" للترجمة، الذي يُعنى بترجمة الكتب من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وأنشئ النادي عام 2019 لدعم القراءة وتشجيع المجتمع على المشاركة في الفعاليات الثقافية، والحوارات الأدبية والفكرية. وينظم النادي العديد من الفعاليات في عالم الثقافة والأدب ومعارض الكتب، ويتضمن عدة فروع، منها نادي "كلمة" للقراءة في المدارس، والجامعات، والجهات الحكومية، حيث تنظم هذه الفروع جلسات قرائية ونقاشية وحوارية لمجموعة مختارة من الكتب.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: مرکز أبوظبی للغة العربیة مکتبات الشارقة
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026