د. أحمد بن إسحاق

 

منذ عشرة أعوام واليمن يعيش واحدة من أطول الحلقات المفرغة في تاريخه؛ حربٌ لا تُسمع فيها سوى أصوات المدافع، ولا تُرى فيها سوى دوائر تتكرر: تفاوضٌ يتعثر، هدنةٌ تتآكل، جولاتُ سلامٍ تنطلق ثم تتبخر، وأطرافٌ محلية تتكئ على داعميها الخارجيين كمن يتكئ على عكازٍ مكسور وهو يظنّه منجاة.

 

كل طرف يقف على شرفة مشروعه الضيق، يرفع شعارات “المصلحة الوطنية”، بينما يضمر المصلحة الخاصة، حتى تقزمت “اليمن الكبير” في خطاب الجميع إلى أقدام طاولة تفاوض لا تتسع إلا لمكاسب صغيرة لا تشبع جائعًا ولا تبني وطنًا.

 

لقد خاضت الأطراف المتصارعة كل أشكال المواجهة الممكنة: حروبًا ميدانية، ومعارك نفوذ، وحملات إعلامية، وتجييشًا عقائديًا، وتعبئة مناطقية، ودعمًا خارجيًا مباشرًا وغير مباشر.

 

لكن السؤال الجارح الذي لم يجرؤ أحد على الوقوف أمامه طويلًا هو: من الذي انتصر؟

 

هل حُلّت القضية الجنوبية؟

هل تراجع وجع المواطن الجنوبي؟

أم أن معاناته اليوم أكبر، وحقوقه أبعد، وصوته أكثر اختناقًا؟

 

هل وصلت عاصفة الحزم بالحكومة الشرعية إلى قمة جبل مران؟

أم وصلت بها إلى عجز غير مسبوق عن دفع رواتب موظفيها؟

 

هل استعاد اليمن مؤسساته؟

أم تحوّل الموظف الحكومي إلى متسول يترقب بيانًا جديدًا من “منصة دعم”؟

 

هل استطاعت المعارك القضاء على المليشيا التي تمردت على الدستور؟

أم أنتجت الحرب — في سياقها وتفاعلاتها — مليشيات جديدة، وولاءات جديدة، وسلطات أمر واقع تتكاثر كالفطر في الظل؟

 

هل تراجع التدخل الأجنبي في سيادة اليمن؟

أم تضاعف، وتشعبت خرائط النفوذ، وتداخلت مصالح الإقليم والدول الكبرى بشكل غير مسبوق؟

 

والجيران الذين راهنوا على مشاريع اقتصادية عملاقة لاستحداث روافد جديدة لمرحلة ما بعد النفط، كانوا يخططون لمدن مستقبلية تتسع لتسعة ملايين نسمة، قبل أن تتقلص أحلام تلك المشاريع — بحسب تقارير “فاينانشال تايمز” — إلى نحو ثلاثمئة ألف فقط، بعد أن اضطروا للدخول في سباق تسلّح مكلف، وحماية مستمرة لمنشآتهم الاقتصادية نتيجة امتداد نار الحرب في اليمن إليهم.

 

حتى المغامرون الذين ظنّوا أن رفع سقف التفاوض سيمنحهم مكاسب سياسية أكبر، انتبهوا — ولكن بعد عشر سنوات — إلى أن سقف الاقتصاد اليمني وحده هو الذي ارتفع…

 

ارتفع ليترك اليمن في المرتبة الثانية عالميًا في مستوى الفقر، والأولى في قائمة أخطر دول العالم، وارتفعت معه معدلات الهجرة، والانهيار التعليمي، وانكماش الخدمات، وحتى تصورات جيراننا لجدوى مشاريعهم السياحية وتوجهاتهم المستقبلية.

 

أما من خاضوا الحرب بدافع أيديولوجي، وظنّوا أن الدم سيعبد الطريق لنشر رؤاهم الفكرية، فقد اكتشفوا أن قوافل الشهداء لم تكسر عزلتهم، ولم تحرر القدس، بل ساهمت — موضوعيًا — في سحق مئات الآلاف من المدنيين في غزة، وتوسيع رقعة المأساة بدلًا من تضييقها.

 

إن كل طرف — بلا استثناء — دفع ثمنًا باهظًا، والشعب كان وما يزال يدفع الثمن الأكبر، لأن الشعب ليس خارج هذه الأطراف؛ إنه المادة الأولى التي تُبنى منها الجيوش، والجبهات، والخطابات، وهو الوقود الذي يملأ المحارق حين يقرر الساسة التمادي في أخطائهم.

 

لقد قلنا منذ البداية:

تحاوروا قبل أن تتحاربوا.

لكنهم اختاروا — جميعًا — أن يتحاربوا ثم يتحاوروا.

 

وحين وصلوا اليوم إلى باب السلام، وصلوا مثقلين بجراحهم، وبشروطهم التي لا تلتقي، وبأسقفهم التي لا تنخفض، وبعنادٍ يهدّد بانهيار ما تبقى من اللحظة الأخيرة لأمل السلام.

 

إن استمرار التمادي على هذا النحو ليس خطأً سياسيًا فحسب، بل خطرٌ وجودي على الجميع.

والذين يظنون أنهم قادرون على كسب الوقت لا يدركون أن الوقت أصبح هو من يكسبهم، وأن الحرب — حين تطول — لا تُبقي حليفًا ثابتًا ولا عدوًا ثابتًا، بل تلتهم الجميع دون تمييز.

 

فهل بقي في هذا البلد من يجرؤ على النظر في المرآة؟

لا مرآة السياسي، ولا مرآة الإعلام، بل مرآة الضمير…

 

لينظر بعين باردة إلى ما آلت إليه البلاد، ويسأل نفسه السؤال الذي لم يُطرح بصدق منذ عشر سنوات:

إلى أين نمضي؟

ولماذا نمضي — جميعًا — إلى الهاوية ونحن نعرف طريق الخلاص، لكننا نخاف أن نتواضع فنعود إليه؟

 

التاريخ لا يرحم المكابرين.

والسلام — حين يتأخر كثيرًا — يتحول إلى رفاهية لا تستطيع الشعوب دفع ثمنها.

المصدر

المصدر: موقع حيروت الإخباري

إقرأ أيضاً:

قصة أقرب إلى الخيال.. خوان هوبيرج يعود من «الموت» ليسجل في كأس العالم

قد يبدو العنوان مبالغًا فيه للوهلة الأولى، لكن ما عاشه اللاعب الأوروجوياني خوان هوبيرج خلال كأس العالم 1954 في سويسرا يُعد من أكثر المواقف غرابة وإثارة في تاريخ كرة القدم، لدرجة يصعب تصديقها خارج إطار السينما أو الروايات الدرامية.

وشاركت أوروجواي في مونديال 1954 بصفتها بطلة النسخة السابقة، ونجحت في الوصول إلى الدور نصف النهائي، حيث اصطدمت بمنتخب المجر المدجج بالنجوم، بقيادة الأسطورة فيرينتس بوشكاش، في واحدة من أقوى مباريات البطولة.

مباراة درامية وبداية الحكاية

أقيمت المباراة يوم 30 يونيو 1954 على ملعب بونتايس الأولمبي في مدينة لوزان السويسرية، وبدأت بتقدم المنتخب المجري بهدفين دون رد حتى الدقائق الأخيرة.

وفي الدقيقة 75، نجح هوبيرج في تسجيل هدف تقليص الفارق، قبل أن يعود في الدقيقة 86 تقريبًا ليحرز هدف التعادل 2-2، وسط فرحة عارمة من زملائه الذين اندفعوا نحوه للاحتفال بهدف بدا وكأنه يعيد الأمل لأوروجواي.

لكن اللحظة تحولت سريعًا من الفرح إلى الصدمة.

لحظات بين الحياة والموت

فبعد المجهود البدني الكبير، سقط هوبيرج أرضًا مغشيًا عليه دون أي استجابة، ليتبين لاحقًا أنه تعرض لحالة خطيرة للغاية، وصلت إلى توقف مؤقت في مؤشرات الحياة لمدة تُقدّر بنحو 15 ثانية، وفق ما نقلته صحيفة "سبورت" الإسبانية.

وتدخل طبيب المنتخب كارلوس أباتي سريعًا، حيث قام بسحبه إلى جانب الملعب وحاول إنعاشه باستخدام حقنة من مادة "الكورامينا"، وهو منشط كان يُستخدم قديمًا لتحفيز الجهازين العصبي والتنفسـي في حالات الطوارئ.

وبعد دقائق حرجة، استعاد اللاعب وعيه بشكل تدريجي، في مشهد وُصف بأنه أشبه بالمعجزة في ظل محدودية الإمكانيات الطبية في ذلك الوقت.

عودة مفاجئة وإكمال المباراة

ورغم خطورة حالته، عاد هوبيرج إلى أرض الملعب بعد فترة قصيرة من الراحة على خط التماس، في واقعة يصعب تخيل حدوثها في كرة القدم الحديثة، التي تفرض بروتوكولات طبية صارمة وفحوصات دقيقة قبل السماح لأي لاعب بالعودة.

ورغم الروح القتالية، انتهت المباراة بخسارة أوروجواي أمام المجر بنتيجة 4-2 بعد وقت إضافي، ليغادر حامل اللقب البطولة من الدور نصف النهائي.

استمرار المسيرة بعد الحادثة

وبعد أيام قليلة فقط من تلك الواقعة الصادمة، شارك هوبيرج في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع أمام النمسا، وسجل هدف منتخب بلاده الوحيد رغم الظروف الصحية الصعبة التي مر بها، في مشهد يعكس قوة استثنائية وإصرارًا نادرًا.

وخسر المنتخب الأوروجوياني المباراة بنتيجة 3-1، ليُنهي مشاركته في البطولة بالمركز الرابع.

ما بعد المونديال

واصل هوبيرج مسيرته الكروية حتى اعتزاله عام 1961، قبل أن يتجه إلى التدريب، حيث تولى لاحقًا قيادة منتخب أوروجواي في كأس العالم 1970 بالمكسيك، وقاده أيضًا إلى المركز الرابع.

وتوفي خوان هوبيرج في 30 أبريل 1996 بالعاصمة البيروفية ليما، بعد 42 عامًا من واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ كأس العالم، التي بقيت شاهدة على لاعب واجه الموت داخل المستطيل الأخضر ثم عاد ليكمل الحكاية.

مقالات مشابهة

  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • قصة أقرب إلى الخيال.. خوان هوبيرج يعود من «الموت» ليسجل في كأس العالم
  • دون تسجيل إصابات.. انهيار منزل مبنى بالطوب اللبن بقرية طوخ بقنا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • قولوا ما شاء الله .. رد سابق لـ سهام جلال يعود للواجهة بعد رحيلها
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
  • بعد إصابة طفلين.. النيابة الإدارية تُحقق في واقعة انهيار جزئي لعقار بمطوبس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟