تشهد الأزمة السودانية في الأسابيع الأخيرة حراكًا سياسيًا مكثّفًا، يعكس دخول الملف مرحلة جديدة تستصدرها المملكة العربية السعودية، فيما بدأت الولايات المتحدة تلتقط إشارات هذا التحرك وتعيد صياغة مقاربتها تجاه الحرب، خصوصًا بعد تفاقم الكارثة الإنسانية في الفاشر وتصاعد الضغوط من الكونغرس والإعلام الغربي لاتخاذ موقف واضح من انتهاكات المليشيا.

ففي أعقاب لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بنظيره السعودي على هامش اجتماعات مجموعة السبع – التي أدانت المليشيا صراحة ودعت لوقف الحرب – خرج روبيو بتصريحات لافتة تناولت الأزمة السودانية عبر ثلاث نقاط محورية: تجفيف مصادر تسليح المليشيا، بحث تصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”، وتفعيل التنسيق الإقليمي لوقف العنف وحماية المدنيين.

وأشار روبيو بوضوح إلى أن تسليح المليشيا يجري عبر دول “تسمح باستخدام أراضيها لنقل السلاح”، في إشارة مباشرة إلى الإمارات وتشاد وليبيا حفتر . وهو ما اعتبره مراقبون أول اعتراف أمريكي صريح بوجود شبكات تسليح عابرة للحدود تُطيل أمد الحرب.

تكتسب هذه التصريحات أهميتها لأنها تأتي قبل أسبوع من الزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي إلى واشنطن، وهي زيارة يُتوقع أن يتصدر فيها ملف السودان جدول المباحثات، إلى جانب ملفات الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي.

هذا التزامن بين التحرك السعودي والتجاوب الأمريكي يشير إلى أن الملف السوداني بات جزءًا ثابتًا من الحوار بين الرياض وواشنطن. حيث بدأت واشنطن تُغيّر خطابها تدريجيًا.

فقد أكد روبيو أن قوات الدعم السريع: “توافق ثم لا تلتزم أبدًا”، محمّلًا إياها مسؤولية خرق اتفاقات سابقة والاتفاقات الإنسانية، بل وملمحًا بحسب مراقبون إلى اتفاق غير معلن رعته واشنطن بعدم دخول المليشيا إلى الفاشر تمهيدا لإقرار الهدنة الإنسانية. كما حذّر من أن استمرار الحرب قد يحوّل السودان إلى بؤرة لنشاط الجماعات الإرهابية.

الواضح أن هذه نقله نوعية في الخطاب الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية، فإن تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية لن يكون مجرد إجراء قانوني، بل تحول استراتيجي يعيد تموضع السودان داخل خريطة مكافحة الإرهاب، ويعزز شرعية الحكومة السودانية أمام المجتمع الدولي.

وقد رحب وزير الخارجية السودانية محي الدين سالم بهذه التصريحات، معتبرة أنها بداية جادة لوضع المليشيا أمام مسؤولياتها القانونية ومحاسبة كل من زودها بالسلاح أو فتح أراضيه لعبور المرتزقة.

تشير المعطيات إلى أن السعودية باتت القوة الإقليمية الأكثر تأثيرًا في الملف السوداني، متقدمة على الآخرين على الأقل في هذه المرحلة. الرياض التي أثبتت حضورًا وازنًا في ملفات سوريا واليمن ولبنان والبحر الأحمر، تتحرك اليوم في السودان من منطلق استراتيجي: وفقا لمعطيان مهمان الأول منع تحوّل البلاد إلى منطقة رخوة قرب حدودها الغربية وممرات البحر الأحمر الحيوية.

الثاني تمسك المملكة بالملف ليس بدافع الوساطة فقط، بل ضمن معركة نفوذ هادئة مع أبوظبي والقاهرة وأنقرة والدوحة حول من يرسم ملامح السودان ما بعد الحرب. وهي تدرك أن الإمساك بمفاتيح السلام يعني الإمساك بخريطة البحر الأحمر و القرن الإفريقي وربما عمق إفريقيا.

المكالمة الهاتفية التي نقلها موقع ميدل إيست بين البرهان وولي العهد السعودي حملت دلالات مهمة. فكسر الصمت الطويل بين الرياض والخرطوم يكشف أن السعودية باتت مستعدة للتدخل في منطقة كانت تتحاشاها: التواصل المباشر مع واشنطن بشأن دور الإمارات في الحرب.

خلال المكالمة لم يطلب البرهان دعمًا، بل طالب السعودية بأعاد تعريف طبيعة الحرب: هي ليست صراع جنرالين، بل مشروع تفكيك للدولة برعاية شبكة إقليمية، وما حدث في الفاشر دليل دامغ على ذلك.

هذا التأطير الذي بدأ أن السعودية تتفهمه منحها مبررًا للانتقال من التردد إلى الاصطفاف المباشر، ويمنح واشنطن غطاءً سياسيًا لتصنيف المليشيا إرهابية دون خسائر سياسية.

بموجب هذا الدور للسعودية باتت واشنطن تسير في مسارين متوازيين: الأول :دعم المملكة كقوة إقليمية مؤثرة و قادرة على إدارة الأمن دون إشعال المنطقة. ثانيا: الحفاظ على نفوذها في شمال إفريقيا والساحل دون تدخل عسكري مباشر.

لهذا جاءت لهجة روبيو قريبة من “التأييد الهادئ”، حين قال إن دعم السودان لمحاربة الإرهاب “لا يحمل أثرًا سياسيًا”. بمعنى: واشنطن لن تتدخل ، لكنها تمنح تفويضًا سياسيًا للسعودية والجيش السوداني لمحاصرة المليشيات.

التصريحات الأمريكية التي ألمحت إلى دور جهات تسمح بمرور السلاح وضعت الإمارات في موقع دفاعي، خصوصًا بعد موجة الإدانة الدولية للفظائع في الفاشر. وقد بدأت واشنطن بمراقبة شبكات التسليح بصرامة أكبر، ما يشير إلى بدايات تحول جوهري في تعاملها مع التدخل الإماراتي. الذي كما يبدو بات مبعث قلق لأمريكا نفسها بالنظر إلى مساهماتها المثبتة في زعزعة الأمن والاستقرار في عدد من الدول العربية.

تشكل هذه اللحظة مكسبًا سياسيًا نادرًا للحكومة السودانية: فإذا صُنفت مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، فسينتقل السودان من مربع “نزاع داخلي” إلى “معركة ضد الإرهاب”. وهذا يتوافق مع الخطاب الأمريكي ويفتح قنوات الدعم الفني والاستخباراتي.

من الواضح أن المسار المقبل: نحو خريطة سلام سعودية بغطاء أمريكي، الأسابيع المقبلة قد تحمل تحولاً نوعيًا إذا تبنت واشنطن الملف ضمن مباحثات ولي العهد السعودي ، ما قد يؤدي إلى: إعادة تنسيق الموقف الدولي تحت المظلة السعودية. بالإضافة إلى تجفيف منابع السلاح وإغلاق المنافذ. كذلك توحيد الجهود الإنسانية والعسكرية ضد المليشيات.

وفي كل السيناريوهات، بات الإقليم يميل بثقة نحو الدور السعودي الذي بدا في ضبط الإيقاع وإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. إن المؤشرات الراهنة تدل بوضوح على أن: السعودية تمسك بزمام المبادرة السياسية في السودان. واشنطن تتجاوب تحت ضغط الداخل وتغير خارطة المصالح. الإمارات في موقع دفاعي مخزي. الخرطوم تستعيد موقعها داخل المعادلة بفضل تحركاتها السياسية و الدبلوماسية.

ختاما وبحسب #وجه_الحقيقية فأن تلاقي الموقفين السعودي والأمريكي حول تجفيف السلاح، ودعم الدولة السودانية، ومحاربة الإرهاب، يفتح الباب أمام مقاربة جديدة أكثر جدية وفاعلية لوقف الحرب وبناء سلام مستدام في السودان والمنطقة.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
السبت 15 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الدعم السریع ا سیاسی ا

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • الخارجية السودانية: واشنطن تجاهلت التعاون الثنائي بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية وفرضت عقوبات دون أدلة
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟