إسقاط خلايا التجسس شاهد على تطور القدرات الاستخباراتية لصنعاء
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
الثورة / قضايا وناس
يكشف الإنجاز الأمني الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية والمتمثل بالقبض على خلايا التجسس التابعة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية و»الاسرائيلية « والسعودية والتي كانت تدار من غرفة مشتركة الأراضي السعودية، أن صنعاء باتت اليوم تمتلك جهازا استخباراتيا متطوراً، قادراً على العمل بمستويات توازي أجهزةَ استخبارات دول كبرى من حيث الدقة والرصد والتحليل والسيطرة.
إن سقوط هذه الشبكة التجسسية – التي تُعدّ من أكثر العمليات تعقيداً وتنسيقاً بين واشنطن و”تل أبيب” والرياض – يؤكد أن صنعاء اليوم تمتلك عيوناً استخباراتية يقظة قادرة على مواجهة أعقد أدوات العدو وأساليبه.
كشف العدو وأساليب عمل عناصره
وزارة الداخلية أوضحت في بيانها أن هذا الإنجاز الأمني النوعي تحقق بعد عمليات رصد وتحرٍ دقيقة ومتابعة ميدانية معقّدة، أسفرت عن كشف العدو وأساليب عمل عناصره.
ومن خلال هذا يتضح أن الأجهزة الأمنية كانت تتابع الخلايا منذ مراحلها الأولى، وجمعت عنها معلوماتٍ دقيقةً حول أساليب عملها، واتصالاتها، وتحركاتها، واختارت الوقت المناسب لضمان إسقاط الشبكة بكاملها.
تفكيك المنظومة المعقدة
من خلال اعترافات العناصر التجسسية المقبوض عليهم، تبين أن غرفة العمليات المشتركة زوّدت تلك الخلايا بأجهزةٍ ووسائلَ تجسّس متطورة، تشمل أنظمةً دقيقةً للرصد والتصوير، وأجهزة إرسال وتشفير متقدمة، إضافة إلى تدريبهم على طرق التواصل السري، والتمويه، ورفع الإحداثيات الأمنية الحساسة.
وقد تلقّت تلك العناصر تدريبها على أيدي ضباطٍ أمريكيين و”إسرائيليين” وسعوديين داخل الأراضي السعودية، في إطار عمليةٍ منسقة هدفت إلى اختراق الجبهة الداخلية اليمنية، ورصد تحركات قيادات ومؤسسات حساسة في العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات إضافة إلى رصد المناطق التي يتم إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة منها، لكن – وبرغم تعقيد تلك الإجراءات – استطاعت الأجهزة الأمنية في صنعاء تفكيك هذه المنظومة المعقدة بدقة عالية، وكشف جميع عناصرها واحداً تلو الآخر، ما يعكس مستوى الاحتراف والقدرة الاستخباراتية العالية التي تمتلكها صنعاء اليوم .
ومن بيان وزارة الداخلية في صنعاء يتضح أن الغرفة المشتركة في الرياض عمدت إلى تقسيم شبكتها التجسسية إلى خلايا صغيرة مستقلة، بحيث تعمل كل خلية بمعزل عن الأخرى، في محاولة لمنع انهيار الشبكة الكاملة في حال اكتشاف إحداها، ومع ذلك، فقد تمكّنت الأجهزة الأمنية من تتبّع خيوط الاتصال بين الخلايا عبر رصد الأنماط الميدانية والاتصالات التقنية، لتصل في النهاية إلى جميع الخلايا، وتطيح بكامل عناصرها، وهو ما يُعدّ ضربةً استخباراتية موجعة للأجهزة الأمريكية و”الإسرائيلية” والسعودية .
إغلاق آخر نوافذ الاختراق
إن اعتماد المخابرات الأمريكية و”الإسرائيلية” على تجنيد عملاء محليين بإشراف سعودي، يكشف بوضوح حالة العمى الاستخباراتي الذي تعانيه تلك الأجهزة في اليمن، بعد فشلها في اختراق البنية الأمنية لصنعاء بالوسائل التقليدية أو التقنية، ففي الوقت الذي تملك فيه واشنطن و”تل أبيب” أحدث أنظمة الرصد والمراقبة، إلا أن العجز عن جمع المعلومات الميدانية الدقيقة دفعهما إلى اللجوء إلى أدوات محلية بديلة، لكن يقظة الأجهزة الأمنية اليمنية أحبطت هذه المخططات وأغلقت آخر نوافذ الاختراق التي كانت تراهن عليها هذه الأجهزة .
المصدر
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: الأجهزة الأمنیة
إقرأ أيضاً:
اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
مؤخرًا، أعاد الخبير الاقتصادي داني رودريك إحياء إحدى أكثر المناقشات دوامًا في مجال اقتصاديات التنمية، زاعمًا أن البلدان النامية ينبغي لها أن تحول اهتمامها من التصنيع إلى الخدمات المعززة للإنتاجية؛ وهو بهذا يتحدى الافتراض السائد منذ أمد بعيد بأن التحول إلى التصنيع يظل المحرك الرئيسي للتنمية.
لكن القضية الأعمق ليست ما إذا كان ينبغي للخدمات أن تحل محل التصنيع، بل ما إذا كان فهمنا للتحول البنيوي يجب أن يظل على أنه حركة الموارد بين القطاعات في المقام الأول. الواقع أن هذا الإطار، الذي وجه اقتصاديات التنمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، أصبح متعارضا على نحو متزايد مع الطريقة التي تخلق بها الاقتصادات الحديثة القيمة فعليا.
من دبليو. آرثر لويس وراؤول بريبش إلى ألبرت هيرشمان ونيكولاس كالدور، كان التحول البنيوي يُفهم على أنه إعادة توزيع العمالة ورأس المال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجية.
احتل التصنيع مركز الصدارة لأنه جمع بين اقتصاديات الإنتاج الضخم، والتعلم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية المستدام. لكن هذا الإطار عكس حقائق عصر حيث كانت المصانع في صميم التقدم التكنولوجي ونمو الدخل.
لم تتغير أهداف التنمية منذ ذلك الحين، حيث تظل الإنتاجية، والتعلم التكنولوجي، والتعقيد الاقتصادي ركائز الازدهار الطويل الأمد. ما تغير هو مكان ــ وكيفية ــ ظهور هذه القدرات.
يقود هذا التحول ثلاثة عوامل؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين العمالة والإنتاج بسرعة، في حين أعاد التشرذم الجيوسياسي السياسة الصناعية إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يعمل التحول نحو الطاقة النظيفة على إعادة تنظيم الإنتاج حول التكنولوجيات الجديدة، والمعادن الـحَرِجة، والصناعات المنخفضة الكربون. ورغم أن أيا من هذه التطورات لا يقلل من أهمية التصنيع، فإنها تشير مجتمعة إلى أنها لم تعد تحدد مسار التحول البنيوي.
ما يهم على نحو متزايد ليس القطاعات بحد ذاتها، بل القدرات الإنتاجية التي تشملها. يعتمد التصنيع الحديث على البرمجيات، واللوجستيات، والتمويل، والمنصات الرقمية، بينما تعتمد الزراعة على التكنولوجيا الحيوية، وصور الأقمار الصناعية، والهندسة الدقيقة.
وتقود الخدمات المتطورة الآن عملية التعلم التكنولوجي، والإبداع، ودينامية التصدير التي كانت ترتبط في الماضي حصريا تقريبا بالتصنيع. نتيجة لهذا، تتلاشى على نحو مضطرد الحدود التي كانت تفصل بين هذه القطاعات في الماضي.
من نواحٍ عديدة، كانت القدرات دوما المحرك الحقيقي للتحول البنيوي. ولأن الخدمات الإنتاجية تضطلع على نحو متزايد بالدور الذي لعبته الصناعة التحويلية تاريخيا، فإن السؤال الأهم هو: ما هي الأنشطة التي تعمل باستمرار على توسيع قدرة الاقتصاد الإنتاجية؟
تكمن الإجابة في النظم الإيكولوجية التي تدمج التصنيع والهندسة مع البحث، والبنية الأساسية الرقمية، والتمويل، والمؤسسات العامة.
لنتأمل هنا مثال بطاريات المركبات الكهربائية. تشجع السياسة الصناعية التقليدية دولا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية على معالجة الكوبالت محليا بدلا من تصدير الخام. لكن التصنيع المحلي وحده لم يعد يضمن حصول الدول على الأجزاء الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.
فحتى لو نجحت جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج مكونات البطاريات ــ أو حتى البطاريات ذاتها ــ فسوف يتدفق قسم كبير من القيمة إلى أماكن أخرى طالما ظل التصميم، والمعدات المتخصصة، والبرمجيات، والمعايير الفنية، وشبكات التوزيع متركزة في الخارج.
توضح الصين هذه الديناميكية؛ فعلى الرغم من براعتها التصنيعية، لا تنبع ميزة الصين التنافسية من حجم التصنيع بقدر ما تنبع من سيطرتها على التكنولوجيات، والدراية الفنية، والملكية الفكرية، والنظم البيئية الصناعية التي يعمل التصنيع في إطارها. الدرس واضح: يتطلب التحول البنيوي الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة امتلاك النظام البيئي الإنتاجي ذاته.
أما في حالة أفريقيا، فإن هذا الدرس يعزز الحجة لصالح التصنيع، حيث يظل بناء القدرات التكنولوجية والاستحواذ على مزيد من القيمة محليا من الأولويات الأساسية. بل يعمل الذكاء الاصطناعي والأهمية المتنامية التي تكتسبها الخدمات الإنتاجية على تعزيز الدور الذي يضطلع به التصنيع كمصدر قوي للتعلم، والتقدم التكنولوجي، وبناء القدرات.
بيد أن المزايا النسبية التي تتمتع بها أفريقيا تتطور هي أيضا. وعلى عكس الدول التي تأخرت في التنمية سابقا، تسعى الدول الأفريقية إلى التصنيع في عالم حيث يعمل التغير الديموغرافي، والتحول المناخي، والتكنولوجيات الرقمية على تحويل المشهد التنموي. ومع تقدم الاقتصادات المتقدمة في العمر، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على قسم كبير من النمو في عدد السكان في سن العمل والطلب الاستهلاكي على مستوى العالم.
ولأن الدول الأفريقية غير مقيدة بأنظمة الإنتاج الموروثة، فإنها تستطيع بناء أنظمة الطاقة المتجددة، والصناعات المنخفضة الكربون، والبنية الأساسية المتكاملة رقميا من الصفر، بدلا من إعادة تأهيل الأنظمة الكثيفة الكربون التي بُنيت على مدار أكثر من قرن من الزمن. لكن قدرتها على الاستفادة من هذه المزايا ستعتمد على قدرتها على بناء مؤسسات تعزز التعلم والإبداع.
يجب أن تتطور السياسة الصناعية وفقا لذلك؛ فبدلا من الاكتفاء بتشجيع التصنيع أو استهداف قطاعات استراتيجية، يجب أن تعمل الحكومات على تهيئة الظروف الملائمة لتوسيع القدرات الإنتاجية. وهذا يعني رعاية أنظمة بيئية تربط الشركات بالجامعات، والمؤسسات البحثية، والنظم المالية، والبنية الأساسية الرقمية، والأسواق الإقليمية.
كان التصنيع في أفريقيا يرتبط دوما ببناء الأسس المؤسسية التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. تعتمد المجتمعات الصناعية على الأسواق الرسمية، والخدمات اللوجستية الحديثة، والوساطة المالية، والعقود القابلة للإنفاذ، والبيانات الجديرة بالثقة، وكل هذا مدعوم بمؤسسات قادرة على إدارة التفاعلات الاقتصادية المعقدة. لا تمثل المصانع سوى جزء واحد من هذه البنية الأوسع نطاقا.
هنا، تعرض علينا التكنولوجيات الناشئة فرصا جديدة لم تكن متاحة للدول التي تأخرت في التنمية سابقا. فالمدفوعات الرقمية، وأنظمة تحديد الهوية، والمنصات العامة القابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل كفيلة بتسريع عملية إضفاء الصفة الرسمية، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين إدارة الضرائب، وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الدولة.
الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، يملك القدرة على تحديث البنية المؤسسية التي تعمل الأسواق في إطارها. إذا أُدير الذكاء الاصطناعي على النحو السليم، فمن الممكن أن يساعد البلدان على تخطي مراحل من التنمية الصناعية، في حين يخلق فرصا جديدة لتطوير وحماية الملكية الفكرية.
من خلال تحدي مفهوم الاستثنائية الصناعية، قَدَّمَ رودريك خدمة قيّمة لاقتصاديات التنمية. وتتمثل الخطوة التالية في التشكيك في الاستثنائية القطاعية ذاتها وإعادة النظر في كيفية هيكلة الإنتاج.
في عالم يتمحور حول الشبكات الرقمية، والأصول غير الملموسة، والنظم البيئية الصناعية، سوف يعتمد الازدهار على قدرة الاقتصادات على تجميع وتجديد القدرات الإنتاجية. وبدلا من السير على خطى الدول التي تحولت إلى التصنيع في وقت سابق، يجب على أفريقيا أن تغتنم هذه اللحظة لصياغة نموذج جديد للتحول البنيوي.
*كارلوس لوبيس أستاذ في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون. وهو مؤلف كتاب "فخ خداع الذات: استكشاف الأبعاد الاقتصادية للاعتماد على المساعدات الخيرية في إطار العلاقات بين أفريقيا وأوروبا".
*خدمة بروجيكت سنديكيت