دراستان: هذا ما يحدث عندما تختفي الصحف
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
سلطت مجلة "محررون وناشرون" (E&P) الضوء على دراستين حديثتين استنتجتا أن الولايات الأميركية التي تختفي أو تنخفض فيها الصحف المحلية تشهد تراجعا في الشفافية على مستوى الحكومة، كما تزداد سرية السجلات العامة وصعوبة الوصول إليها.
وخلص ديفيد كويلير، مدير مركز بريشنر لتعزيز التعديل الأول في كلية الصحافة والاتصالات بجامعة فلوريدا، والذي شارك في تأليف كتاب "دارك ديزيرتز" (Dark Deserts) إلى أن الولايات التي تقل فيها كثافة الصحف تظهر في المتوسط التزاما أقل بقوانين السجلات العامة وحرية المعلومات، كما أن الولايات التي تقل فيها قوة الجمعيات الصحفية من الناحية المالية تظهر حكومات أقل شفافية.
وقال كويلير: "لطالما شعرت أن الصحف أحدثت فرقا، وأنه عندما تختفي تصبح الحكومات منفلتة من الرقابة والمساءلة وتجرؤ على إخفاء المعلومات".
وشدد الأكاديمي والخبير الإعلامي الذي عمل صحفيا ومحررا على أهمية الأثر الذي تحدثه الصحف، لافتا إلى أنها تُخضع الحكومات للمساءلة، لا سيما فيما يتعلق بالميزانيات، إذ تكون الحكومات المحلية أكثر حرصا على أموال الضرائب وأقل إسرافا، في المناطق التي تحضر فيها الصحف، كما يتحسن تفاعل المجتمع، وتزداد نسب إقباله على التصويت في الانتخابات والمشاركة السياسية، مؤكدا دور الصحف في الحفاظ على الديمقراطية.
واستشهد بأمثلة على كيفية إعاقة وصول الجمهور إلى المعلومات، عبر منع الصحفيين من تغطية أخبار المسؤولين الحكوميين والأحداث العامة، وانتشار دعاوى التشهير كعقاب للصحفيين، والتهديد بسحب تراخيص البث، وقطع التمويل عن وسائل الإعلام العامة، وغيرها من الانتهاكات.
متغيّرات غير مسبوقة
ونبّه كويلير إلى قائمة تطول من المتغيرات غير المسبوقة التي تشهدها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، والتي تقوَض حرية الصحافة، وعدّد منها:-
ودرس مركز بريشنر تجربة تقديم طلب بموجب قانون حرية المعلومات (FOIA)، حيث أجرى استطلاعا شمل 330 شخصا من مقدمي طلبات السجلات العامة في الولايات المتحدة، ووضع النتائج ضمن كتاب تحت عنوان "شفافية المدينة: الاختلافات في خدمات حرية المعلومات على المستوى المحلي والولائي والفيدرالي".
واستنتج الاستطلاع أمن الحكومات المحلية وحكومات الولايات لا تتعامل بجدية مع طلبات الصحفيين للمعلومات في كثير من الأحيان، وأنها توظّف رسوم النسخ المطلوبة كوسيلة لإبعاد الصحفيين، كما أشار إلى أن المسؤولين غير متعاونين ويتعاملون بفظاظة مع طالبي المعلومات، ويطرحون كل أنواع الاستثناءات المجنونة، لا سيما استثناءات الخصوصية، من أجل إخفاء المعلومات
وأشار كويلير إلى أن الممارسات السابقة ليست جديدة، لكنها تتفاقم عاما بعد عام.
لطالما شعرت أن الصحف أحدثت فرقا، وأنه عندما تختفي تصبح الحكومات منفلتة من الرقابة والمساءلة وتجرؤ على إخفاء المعلومات.
بواسطة ديفيد كويلير - أكاديمي وخبير إعلامي
50 مليون شخص بأميركا دون أخباروتوقفت 136 صحيفة في الولايات المتحدة عن العمل العام الماضي، ليصل عدد الصحف التي أُغلقت خلال العقدين الماضيين إلى 3500 صحيفة، مما أدى إلى فقدان أكثر من 270 ألف وظيفة صحفية منذ العام 2005، وفق تقرير جديد صدر عن كلية ميدل للصحافة في جامعة نورث وسترن الأميركية.
وخلُص تقرير ميدل عن حالة الأخبار المحلية لعام 2025 إلى وجود 50 مليون شخص محرومين من متابعة الأخبار ويعيشون فيما يُعرف بـ"صحارى إخبارية"، وهي مناطق لا يتمتع فيها السكان إلا بوصول محدود أو معدوم لمصادر إخبارية محلية موثوقة.
وبحسب التقرير، هناك 213 مقاطعة في الولايات المتحدة لا توجد بها أي وسائل إعلامية، كما أن هناك 1524 مقاطعة توجد بها وسيلة إعلامية واحدة فقط.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الولایات المتحدة حریة المعلومات إلى أن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..