في يومه العالمي.. التلفزيون يصارع للبقاء في معركة الشاشات والمنصات
تاريخ النشر: 21st, November 2025 GMT
يواجه التلفزيون التقليدي، تزامناً مع احتفاء العالم بيومه العالمي في 21 من نوفمبر، أخطر تحديات وجوده التاريخية أمام سطوة المنصات الرقمية وخدمات البث عند الطلب، التي باتت تهدد عرش «الشاشة الفضية» وتغير جذرياً من سلوكيات المشاهدة لدى الجمهور، وسط انقسام مجتمعي حاد حول مستقبل أجهزة الاستقبال الفضائي.
وكشف استطلاع ميداني لـ ”اليوم“ لآراء الشارع أن التطور التقني المتسارع وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي أحدثا شرخاً في العلاقة التقليدية بين المشاهد والتلفزيون.
أخبار متعلقة في يومه الثاني.. منتدى مسك يرسخ مكانته العالمية بأنشطة متنوعةخبير بالأمن السيبراني لـ"اليوم": الهجمات الإلكترونية في عروض نوفمبر تتخطى 200%-عاجلينطلق اليوم.. 80 جلسة وورشة عمل في منتدى مسك العالمي 2025كما أن متابعة المسلسلات والأفلام عبر الاشتراكات المدفوعة أصبحت الخيار الأكثر انتشارًا مما أدى إلى تراجع واضح في متابعة القنوات الفضائية وبرغم وجود رأي شائع بأن التلفزيون بات يقتصر على فئة عمرية معينة، إلا أنه حتى كبار السن اليوم يستخدمون الهواتف الذكية ومنصات التواصل بينما بقي التلفزيون خيارًا أقل حضورًا في حياتهم اليومية واصبحت الأجهزة اللوحية بديلاً مفضلاً بفضل سهولة حملها في أي مكان سواء داخل أو خارج المنزل.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } في يومه العالمي.. التلفزيون يصارع للبقاء في معركة الشاشات والمنصات - اليوم في يومه العالمي.. التلفزيون يصارع للبقاء في معركة الشاشات والمنصات - اليوم في يومه العالمي.. التلفزيون يصارع للبقاء في معركة الشاشات والمنصات - اليوم var owl = $(".owl-articleMedia"); owl.owlCarousel({ nav: true, dots: false, dotClass: 'owl-page', dotsClass: 'owl-pagination', loop: true, rtl: true, autoplay: false, autoplayHoverPause: true, autoplayTimeout: 5000, navText: ["", ""], thumbs: true, thumbsPrerendered: true, responsive: { 990: { items: 1 }, 768: { items: 1 }, 0: { items: 1 } } });
وفيما يتعلق بأنماط الاستهلاك، رأى "ريان العمري" أن التحول نحو المحطات والمنصات الرقمية بات واضحًا إذ أصبحت الهواتف الذكية هي الجهاز الأول للمشاهدة بفضل سهولتها وقدرتها على جمع كل المحتوى في شاشة واحدة تُحمل في اليد، وأن هذا التطور جعل كثيرًا من الناس يستغنون عن التلفزيون التقليدي
وأضاف: "وأتوقع أن يتراجع حضور الساتلايت تدريجيًا وقد يختفي تمامًا خلال السنوات الخمس المقبلة ومع ذلك هناك محتوى لا يزال يعتمد فيه على التلفزيون كمصدر موثوق خصوصًا الأخبار والتغطيات الرسمية مثل نقل البث من الحرم لان التلفزيون أكثر ضبطًا وانضباطًا من المنصات المفتوحة".
وأن المحتوى الرقمي قد يحمل مخاطر سلوكية على الأطفال بسبب ضعف الرقابة في بعض المواقع مقابل التزام القنوات الرسمية بضوابط وزارة الإعلام التي ما زالت تحافظ على قيم المجتمع وتحمي الأسرة من المحتوى غير المناسب وان قوة الرقابة التلفزيونية وجودة انتقاء المحتوى تجعل التلفزيون حاضرًا رغم المنافسة حتى لو تغيرت العادات الإعلامية وبات الهاتف هو الشاشة الأولى لجيل اليوم.تركيز الاهتمام على المحتوى الثقافي المختلفوعلى نقيض توقعات الاندثار، يبرز عامل «الموثوقية» كطوق نجاة للتلفزيون، حيث أشار "ناصر الشامسي" إلى ان التوجه الآن في المشاهدة أصبحت عن طريق الأجهزة اللوحية والمناصات الرقمية، وأصبحت مشاهدة التلفزيون مقتصره على كبار السن فقط الذين يهتمون في مشاهدة الأخبار والرياضة والقنوات الحكومية.
أما الشباب فأصبحت مشاهدتهم للمنصات الرقمية التي تنشر أفلامًا أجنبية سواء كورية أو أمريكية أو تركية، حيث أن توجه الشباب اليوم بعيد كل البعد عن المحتوى التقليدي والاهتمام بالمحتوى الذي يحمل ثقافة مختلفة وطرح سريع ويحمل إثارة.
وقال: "وأعتقد بنسبة 70٪ أننا سوف نعيش في السنوات القادمة بلا تلفزيون لأن المتابعين للتلفزيون اليوم هم فئة قليلة جدًا وقد تختصر المشاهدة على الأخبار لأن التلفزيون مازال يحمل الطابع الرسمي والمصدر الرسمي الذي يحمل الخبر المؤكد الموثوق، بخلاف بعض الحسابات والبرامج التي يكثر فيها الشائعات المضللة".
ومن زاوية تربوية، لفت مشاركون في الاستطلاع إلى أن القنوات التلفزيونية لا تزال الخيار الآمن للأسرة، نظراً لالتزامها بضوابط رقابية صارمة تحمي القيم وتناسب جميع الفئات، مقارنة بالمخاطر السلوكية المحتملة وضعف الرقابة على المحتوى المفتوح في المنصات الرقمية.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } DSC_0044 أحمد عامر ريان العمري عبدالعزيز الغامدي علي السمين محمد أمير ناصر الشامسي var owl = $(".owl-articleMedia"); owl.owlCarousel({ nav: true, dots: false, dotClass: 'owl-page', dotsClass: 'owl-pagination', loop: true, rtl: true, autoplay: false, autoplayHoverPause: true, autoplayTimeout: 5000, navText: ["", ""], thumbs: true, thumbsPrerendered: true, responsive: { 990: { items: 1 }, 768: { items: 1 }, 0: { items: 1 } } });إقبال على أجهزة استقبال الأقمار الصناعيةتقنياً، خالف "محمد أمير"، الفني المختص في مجال الأقمار الصناعية، تيار التشاؤم، مؤكداً أن الطلب على أجهزة الاستقبال «الستالايت» لا يزال مستمراً وبقوة، خاصة لمتابعة القنوات الإخبارية والرياضية التي تتميز بجودة بث عالية وانعدام في التأخير الزمني الذي تعاني منه المنصات المعتمدة على الإنترنت.
وقال: "هناك إقبال على جهاز الاستقبال وجهاز الأقمار الصناعية العرب سات والنيل سات تعتبر اكثر الأشياء طلبا من المستخدمين وهناك رقابة كبيرة على حفظ المعلومات والبينات ويمنع بيع الأجهزة التي تعمل على الإنترنت لنقل المنصات الرقمية لذلك ما زال الاقبال كبير على البث التلفزيوني المباشر لانه رسمي ومصرح به في الأسواق السعودية".محتوى متنوع وأسعار أقلوبين "عبدالعزيز الغامدي" أن التلفزيون ما زال يحتفظ بمكانته الأساسية داخل المنازل رغم التوسع الكبير للمنصات الرقمية، وأن هذه المنصات أصبحت حلاً عمليًا وفعالًا بل وتفوقت في جوانب كثيرة على الستالايت خصوصًا في تنوع المحتوى وتوفره بأسعار أقل. ولكن أبرز سلبياتها يكمن في التعليق وتأخير البث وهو ما يجعل الدش خيارًا أكثر استقرارًا لدى شريحة من المستخدمين.
وأن مشاهدة الدراما عبر الجوال أصبحت شائعة وقد تكون الخيار الأنسب لمن يتنقل كثيرًا أو لا يتواجد أمام التلفزيون بشكل دائم وأن المنصات الرقمية خطوة إيجابية وواقعية تلائم أسلوب الحياة السريع ومع ذلك التلفزيون يظل عنصرًا مهمًا لا يمكن الاستغناء عنه داخل المنزل بينما تبقى المنصات الرقمية مكملة وليست بديلًا كاملًا لأنها تلبي الحاجة للحركة والمرونة دون أن تلغي دور الشاشة الكبيرة في غرفة المعيشة.
وأشار "علي السمين" إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منافس للتلفزيون بل أصبحت تتصدر المشهد بشكل كامل حتى باتت الأخبار تصل عبر المنصات الرقمية بشكل أسرع وأكثر آنية من القنوات التلفزيونية.
وتابع: "أعتقد أن التلفزيون متجه نحو الاندثار خلال السنوات العشر المقبلة مع احتمال بقاء القنوات الحكومية فقط كجزء من الذاكرة أو الإرث الإعلامي، ورغم ذلك يبقى التلفزيون خصوصًا غير التجاري، مستمر بتقديم محتوى ثقافيًا أعمق وأكثر قيمة مقارنة بالسوشيال ميديا التي يعتبر معظم محتواها بأنه ترفيهي أو بلا جدوى بنسبة كبيرة".
وأكمل: "وأن انتشار المنصات المدفوعة واشتراكات بث الأفلام والمسلسلات جعل الكثير يستغني عن الستالايت لأنها أصبحت البديل الواقعي للمشاهدة اليومية وأن هذا التحول ليس إلا امتدادًا طبيعيًا للتطور فكما انتقل المجتمع من الأبيض والأسود إلى الشاشات الملونة ومن البث التقليدي إلى الإنترنت تستمر المنصات اليوم بفرض نفسها وقد يأتي مستقبلًا بديل جديد أكثر تطور وأن العالم لا يعود إلى الوراء وأن مسيرة الإعلام تتجه دائمًا إلى الأمام".تأثير المنصات الرقمية على وجود التليفزيونوقال "محمد المزيل": "إن التوجه القوي نحو المنصات الرقمية جعل حضور التلفزيون التقليدي يخفت بشكل واضح بعدما أصبحت هذه المنصات هي الرائج الفعلي للجيل الجديد الذي اعتاد على السرعة وسهولة الوصول للمحتوى وأن المنصات الرقمية تتميز بالتحديث المستمر والتقادم السريع إذ تختفي منصة وتظهر أخرى خلال سنوات قليلة خلافًا للتلفزيون الذي كان يعيش لعقود طويلة دون منافسة".
وأضاف: "وأن الأخبار لم تعد تنتظر النشرة الاخبارية فالجهات الرسمية نفسها باتت تنشر أخبارها أولًا عبر منصات التواصل الاجتماعي والرقمي ما جعل الوصول للخبر أسرع من أي وقت مضى. ومع ذلك انا شخصيًا لا استطيع الاستغناء عن التلفزيون وأن شريحة واسعة من جيلي ما زالت ترى في الشاشة الكبيرة عنصرًا أساسيًا في المنزل حتى مع توفر بدائل مثل الهاتف والجهاز اللوحي بينما يتجه الجيل الجديد نحو الاكتفاء بالأجهزة المحمولة التي تناسب وتيرة حياتهم الحديثة".
المصدر
المصدر: صحيفة اليوم
كلمات دلالية: اليوم العالمي للتليفزيون الشاشات التلفزيون التطور التقني مواقع التواصل الاجتماعي التواصل الاجتماعی المنصات الرقمیة فی یومه العالمی أن التلفزیون article img ratio
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.