يمانيون| بقلم: عبدالكريم الوشلي
القرار الأمريكي الفضيحة الصادر بشأن غزة قبل يومَين، والذي أُلبس زورًا جلبابًا «أمميًّا» عبر مجلس الأمن، نزع آخر شعرة مشروعية من رأس المنظمة الدولية الأكبر في هذا العالم (الأمم المتحدة) وكشف تمامًا عن واقعها الفاضح الساقط الذي آلت إليه، وباتت فيه راقصةَ تعرٍّ عجوزًا شمطاء في البار الأمريكي الصهيوني المتداعي الجنبات من فرط الصخب الجنوني لروّاده السكارى وحفلاتهم الدموية التي تصاعدت وزادت سخونتها في العامين الأخيرَين على شرفِ عديمي الشرف النتِن وصنوه في مصّ دماء الغزيين وغيرهم من الضحايا -ترامب-!
والحال هذه، فإن الكرة باتت في ملعب العالم بأسره، وبات هذا العالم معنيًّا بالبحث -دون تباطؤ- عن بديل لهذه الأمم المتحدة ومجلس أمنها التي أخرجها الطاغي الأمريكي المسيطر والمستغل عن طورها، وحرفها تمامًا عن مهمتها ووظيفتها كملتقى لإرادات وتطلعات شعوب العالم ودولها، وناظم لعلاقاتها البينية على أَسَاس من التوازن المفترض بين مصالحها ومواقفها في شتى القضايا والمسائل والنزاعات، وهذا ما ينطبق على مجلس أمنها المهزلة بكل تأكيد.
ما حدث، حقًّا وبدون شطط أَو مبالغة، هو تتويج لفضيحة قانونية وأخلاقية وسياسية كبرى وبحجم «دولي» ثقيل، جريمة مُستمرّة منذ حين، وتتمثل في الاستغلال الأمريكي الغربي الهيمني السافر للمنظمة الدولية العتيدة ومؤسّساتها في تمرير مشاريع هؤلاء الطغاة ومؤامراتهم وجرائمهم بحق الشعوب المظلومة المستضعفة.
بل إنها كسر وهتك فجّ لناموس واعتبار (الأمم المتحدة) كمِظلّة سياسية وقانونية وإنسانية لكل شعوب ودول العالم الأعضاء فيها والمنضوية تحت جناحها، وليس لحفنة من اللاعبين المهيمنين التوسعيين المتوحشين الطامعين في حقوق الآخرين وثرواتهم، يتصدرهم ثلاثي الشر والظلام سيئ الصيت: الأمريكي، البريطاني، الفرنسي.
فالقرار الصادر عن مجلس الأمن بالاتساق التام مع إرادَة القاتل الصهيوني -الذراع الدموي الأشرس لذلك الثلاثي البغيض- ورغبته في استمرار احتلاله لقطاع غزة وتجريد مقاومتها من سلاحها، هو قرار أمريكي، وبتحديد أكثر: هو إعادة صياغة لخطة ترامب الإجرامية الرامية إلى استكمال إبادة سكان القطاع، وإخراجهم من بيوتهم ومساكنهم المدمّـرة ومن أرضهم، ليخلو لشايلوك المرابي اليهودي الجديد -ترامب- وزِلمه النتِن وجه القطاع وما فيه من مُسيلات للعاب المجرمَين القاتلَين الطامعين.
نعم، هذا القرار الجائر -الذي تلا بأيام قليلة مثيلًا له بحق الشعب اليمني- يشدّد من الحصار العدواني الإجرامي اللاشرعي المضروب عليه منذ أكثر من عشر سنوات تحت مسمّاه الزائف «عقوبات»!..
وكلا القرارين الأمريكيين الصهيونيين الموسومين زيفًا بـ«الأممية» وتحت توقيع مجلس الأمن المنتحَل والمصادَر من الغاصب الأمريكي الغربي الصهيوني، يضعان مسمارَهما الأخير في نعش الأمم المتحدة بكل توابعها وملحقاتها الهيكلية والتنظيمية.
بل إن في هذه الفضيحة -التي تمّت بتواطؤ خياني من طابور المستعربين والمتأسلمين الملتحقين بسلك الخدمة الأمريكية المجانية- ما يُخرج هذا «المجلس الأمن» و«أممه المتحدة» عن الجلد الميثاقي والمهني لهما، والهُوية القانونية والدولية التي تحكم وجودهما ومهامهما المفترضة ذات الصلة الحيوية بما يسمى «المجتمع الدولي»، الذي بدوره تعرّض للمسخ والاستلاب والضغط المميت في شرنقة الإرادَة العدوانية الأمريكية وأجنداتها ومشاريعها ومصالحها لتعبّر عنها وعنها فحسب، حصرًا وقصرًا!
وهكذا يصحو العالم اليومَ مصدومًا بأممه المتحدة وقد مُسخت بيد الأمريكي والصهيوني وغرب التوسع والتصهين والنفاق، وأضحت لديهم عربةَ تاكسي أجرة تقلّهم إلى، حَيثُ يشاؤون، بعيدًا عن مشيئة ومصلحة المجتمع الدولي الحقيقي المعبّر عن مصالح جميع الدول والشعوب، والراعي لحقوقها دونما شطط أَو تمييز أَو محاباة.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الأمم المتحدة مجلس الأمن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..