زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن.. ولحظة التحول الإقليمي والعالمي
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
عبدالنبي الشعلة **
يحقّ للسعوديين والخليجيين والعرب جميعًا أن يفخروا بما حملته الزيارة الرسمية التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود وليّ عهد المملكة العربية السعودية، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن قبل أيام، من رسائل سياسية ودبلوماسية واقتصادية بالغة الدلالة. فقد لقي سموه حفاوة استثنائية في مراسم استقبال عكست مكانة المملكة المتنامية، وجاءت أقرب ما تكون إلى «زيارة دولة» بكل مظاهرها الرمزية، رغم طبيعتها الرسمية.
وقد عبّر هذا الاستقبال اللافت عن حجم التحوّل الذي تشهده العلاقة السعودية-الأمريكية، وعن الدور الذي باتت تلعبه الرياض على المسرح الدولي بوصفها شريكًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه.
وتأتي هذه الزيارة في ظل بيئة دولية مضطربة، وفي وقت تمارس فيه السعودية سياسة خارجية أكثر استقلالية ونشاطًا؛ فمنذ إعادة علاقاتها مع إيران بوساطة صينية العام الماضي، أثبتت الرياض أنها لاعبٌ إقليميٌ قادرٌ على تهدئة التوترات وبناء قنوات تواصل مع مختلف الأطراف. كما برز دورها في ملفات أخرى مثل دعم الحكومة الانتقالية في السودان، وتعزيز فرص الاستقرار في اليمن والصومال، فضلًا عن مساعيها في جمع الأطراف الدولية خلال محادثات الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث استضافت لقاءات مهمة بين مسؤولين من موسكو وواشنطن.
هذه التحرّكات تعكس انتقال السياسة السعودية من التركيز الحصري على الاقتصاد والطاقة إلى دور أكثر اتساعًا يرتبط بالأمن والوساطة وصياغة التوازنات الإقليمية.
الجانب الأبرز في الزيارة تمثّل في تأكيد الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن، وتوسيعها لتشمل ملفات جديدة، خصوصًا الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
فمن الجانب الأمريكي، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في الخليج العربي في مواجهة تصاعد النفوذ الصيني، وتأمل في بناء تعاون تكنولوجي وأمني أعمق مع الرياض. ويُنظر إلى المملكة حاليًا بوصفها شريكًا قادرًا على الاستثمار في الصناعات الحيوية الأمريكية، والمساهمة في شبكات سلاسل الإمداد، وخلق توازن مستدام في المنطقة.
أما من الجانب السعودي، فتأتي هذه الشراكة في صلب رؤية "المملكة 2030"، التي تقوم على تنويع الاقتصاد، واستقطاب التكنولوجيا، وبناء قطاع صناعي متقدّم، وتعزيز قدرات المملكة الدفاعية. ولذلك فإن الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية المتقدّمة، بما فيها الصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي والطاقة، بات عنصرًا جوهريًا في مسار التحوّل السعودي.
وقد شهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات التي تحمل طابعًا استراتيجيًا بعيد المدى، من أهمها:
1. اتفاقية الدفاع الاستراتيجي؛ حيث أعلن الجانب الأمريكي موافقته على تزويد المملكة بمقاتلات F-35 ضمن حزمة دفاعية أوسع تشمل أنظمة وتكنولوجيا متقدمة، ما يؤكد انتقال العلاقات الدفاعية إلى مستوى أعلى من الثقة والتكامل. وتمهد هذه الخطوة لمرحلة جديدة يمكن أن تقود لاحقًا إلى «معاهدة دفاعية شاملة».
2. شراكة في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة؛ وتُعد هذه الاتفاقية واحدة من أهم مخرجات الزيارة، إذ تراهن واشنطن على دور السعودية في تعزيز هيمنتها التكنولوجية عالميًا، بينما تسعى الرياض إلى بناء بنية تحتية رقمية قادرة على تشغيل مراكز بيانات عالمية وقيادة مشاريع ذكاء اصطناعي كبرى في المنطقة.
3. التعاون في الطاقة النووية المدنية؛ تهدف هذه الخطوة إلى دعم مشاريع المملكة في الطاقة البديلة التي ستُسند إليها أعباء تشغيل شبكات الذكاء الاصطناعي كثيفة الطاقة. ويتضمّن التعاون استثمارات مشتركة في الطاقة الشمسية، وتطوير الشبكات الكهربائية، وتعزيز أمن الإمدادات للطاقة النظيفة.
4. تأمين سلاسل الإمداد الحرجة؛ حيث وقَّعت الرياض وواشنطن اتفاقيات في مجال المعادن واليورانيوم والمعادن النادرة، وهي مواد حيوية للرقائق الإلكترونية والصناعات المستقبلية، ما يشكّل ركيزة أساسية لاستقلالية المملكة في صناعات التكنولوجيا الفائقة.
ورغم الطابع الاحتفالي للزيارة، تبقى المصالح الاقتصادية هي المحور الأهم؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى جذب المزيد من الاستثمارات السعودية في الداخل الأمريكي، بينما تعمل الرياض على تحويل اقتصادها إلى اقتصاد متنوع قائم على التقنية والابتكار.
وقد تم الإعلان خلال الزيارة عن توجّه المملكة لزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، بما ينسجم مع طموحاتها في أن تصبح قوة صناعية واقتصادية تنافس في الأسواق العالمية.
وتبرز المملكة كقوة مؤثرة في أسواق الطاقة، بفضل دورها المحوري في «أوبك بلس» وقدرتها على تحقيق توازن عالمي بين الأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية، وهو توازن يدرك الأمريكيون أهميته في ظل تسارع التحوّلات الجيوسياسية.
لقد حافظ سمو وليّ العهد على وضوح تام في موقف المملكة من التطبيع مع إسرائيل، مجددًا أن السعودية لن تنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية إلّا في إطار حلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تضمن الأمن والعدالة والاستقرار.
وهذا الثبات في الموقف يعكس إدراكًا سعوديًا بأن بناء شرق أوسط جديد لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذرية لقضية فلسطين.
إنَّ زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن شكّلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة البلدين على إدارة الملفات الأكثر حساسية (الأمن، الاقتصاد، التكنولوجيا، الطاقة، والتطبيع مع إسرائيل) في عالم سريع التغيّر. كما أنها جاءت لتؤكد أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من الحضور الدولي، وأن شراكتها مع الولايات المتحدة لم تعد مجرد امتداد تاريخي، بل مشروع متجدّد يقوم على المصالح المشتركة والرؤى المستقبلية.
وبالنسبة للمنطقة، فإن نجاح هذه الزيارة يشير إلى أن السعودية ماضية في ترسيخ دورها كقوة عربية مركزية تمتلك رؤية واضحة، وتحالفات مؤثرة، وطموحًا اقتصاديًا وسياسيًا يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.
** كاتب بحريني
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الدكتور الربيعة: المملكة عملت على تنمية العمل الإغاثي وتطويره على أسس سليمة وقواعد إنسانية راسخة
أكد المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة أن المملكة كان لها السبق في ميدان العمل الإنساني، وفي طليعة الدول العربية، كما أنها من أوائل الدول عالميًا بهذا المجال، مشيرًا إلى أن الفرق الميدانية الخيرية السعودية جابت العالم لخدمة المحتاجين وتخفيف معاناة المعوزين ورسم البسمة على وجوه الكبار والصغار.
وأضاف خلال محاضرة بعنوان "الإنسانية في الطب" في مركز زايد للأبحاث بمستشفى جريت أورموند ستريت في مدينة لندن بالمملكة المتحدة، بحضور جراحي الأطفال والمتدربين في تخصص جراحة الأطفال وأطباء الأطفال، أن المملكة حرصت منذ نشأتها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وصولًا للعهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله- على رعاية وتنمية العمل الإنساني والإغاثي وتطويره على أسس سليمة وقواعد راسخة، إدراكًا منها لأهمية هذا العمل في التخفيف من المعاناة الإنسانية وتلبية الاحتياجات الملّحة للشعوب التي تعاني من أزمات إنسانية وكوارث طبيعية في أنحاء العالم بما يدعم الازدهار والاستقرار في هذه الدول، فمنذ عام(1975م) قدمت المملكة (8.406) مشاريع إنسانية وإغاثية وتنموية وخيرية بقيمة تجاوزت (142) مليار دولار أمريكي غطت (173) دولة حول العالم.
وأفاد الدكتور الربييعة أنه بفضل من الله ثم بتوجيهات واهتمام خادم الحرمين الشريفين وبمتابعة دقيقة من سمو ولي العهد -حفظهما الله- أخذ العمل الإنساني في المملكة بعدًا عالميًا، حيث نفذ المركز منذ تأسيسه (3.881) مشروعًا في مختلف القطاعات الحيوية كالصحة والأمن الغذائي والتعليم والمياه والإصحاح البيئي، شملت (109) دول حول العالم بقيمة تجاوزت (8) مليارات و (251) مليون دولار أمريكي.
وأشار معاليه إلى أنه رغبة من القيادة الرشيدة في إبراز جهود المملكة دوليًا أسوة بالدول المانحة الكبرى أُنشئت المنصات الإغاثية والتطوعية والتوثيق والتسجيل الدولي، مثل: منصة المساعدات السعودية، ومنصة المساعدات المقدمة للاجئين في المملكة، والبوابة السعودية للتطوع الخارجي، ومنصة التبرع الإلكترونية "ساهم".
وتابع المستشار بالديوان الملكي قائلًا: "إن مركز الملك سلمان للإغاثة بادر بإنشاء عددٍ من البرامج النوعية لمساعدة المحتاجين والمتضررين منها مشروع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية "مسام" لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، ومراكز الأطراف الصناعية، ومشروع إعادة إدماج الأطفال المرتبطين سابقًا بالنزاع المسلح " كفاك".
وأشار إلى أن البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة التابع لمركز الملك سلمان للإغاثة، الذي نجح منذ تأسيسه عام 1990م في إجراء (67) عملية فصل للتوائم، وقيّم (152) حالة من (28) دولة، مقدمًا شرحًا موجزًا عن أسباب نشوء التوائم الملتصقة وعرضًا لبعض الحالات التي قيد المراجعة والحالات التي فُصلت، وتوضيح أبرز التقنيات المتقدمة المستخدمة في علاج الحالات.
واستذكر "الربيعة" توقيع مركز الملك سلمان للإغاثة مذكرة مساهمة مالية بقيمة 100 مليون دولار أمريكي مع البنك الإسلامي للتنمية لدعم صندوق العيش والمعيشة التابع لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية في عام 2025م، وسيبلغ عدد المستفيدين من المشاريع الممولة من الصندوق نحو 200 مليون فرد من 37 دولة من دول البنك الإسلامي للتنمية معظمها في الصحراء الكبرى في قارتي أفريقيا وآسيا.
وفي نهاية المحاضرة نوّه المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة الدكتور عبدالله الربيعة بتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين المركز ومستشفى جريت أورموند ستريت في سبيل خدمة الفئات المهمشة، داعيًا إلى تحقيق الترابط بين العمل الإنساني والتنموي والسلام لدعم المجتمعات المتضررة حول العالم، وإيجاد مصادر تمويل جديدة للعمل الإنساني بالشراكة مع القطاع الخاص مع تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية النوعية التي يوفرها القطاع، مبينًا أهمية التعاون الدولي المتبادل لتعزيز الوعي والتثقيف عن حالات التوائم الملتصقة وإعادة دمجهم في المجتمع، مع حفظ حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، مطالبًا بمراعاة مبادئ القانون الدولي الإنساني في جميع أعمالنا الخيرية.
وفي نهاية المحاضرة شاهد الحضور عرضًا مرئيًا بمناسبة اليوم العالمي للتوائم الملتصقة المصادف 24 نوفمبر من كل عام نال استحسانهم.