ثلاثية الفساد وثنائية الجمارك: انتقادات لاذعة تكشف هشاشة إدارة سلطة الحوثي
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تصاعدًا غير مسبوق في موجة من الانتقادات، ليس فقط من المواطنين العاديين والناشطين المستقلين، ولكن أيضًا من داخل الأوساط السياسية الموالية للجماعة نفسها. هذه الانتقادات لم تعد مقتصرة على أزمة واحدة، بل تمتد عبر عدة محاور استراتيجية: الغذاء والطاقة والصحة والجباية، ما يدل على أن التوتر لا يعود إلى شكوى فردية بل إلى أزمة ثقة هيكلية بين سلطة صنعاء وحاضنتها الشعبية.
من جهة، يعبّر الناشطون الموالين للميليشيات عن غضبهم إزاء ما يرونه منظومة فساد مترابطة في الكثير من المرافق والخدمات الأساسية للمواطنين التي تُظهر أن الجماعة لا تتعامل مع معاناة المواطنين كمشكلة مؤقتة، بل ربما كأداة اقتصاد سياسي، حيث يستغل بعض قادتها النفوذ والتوزيع لتحقيق مكاسب مالية أو نفوذ اجتماعي.
ويرى المراقبون أن تزامن هذه الأصوات — الغاضبة من الفساد المحتدم الداخلي ومن قرارات مالية فاقعة — يشير إلى حالة ارتباك سياسي واقتصادي داخل مؤسسات الحوثيين. فالقرارات التي من المفترض أنها تدير الأزمة تُظهر، في الواقع، هشاشة نموذج الحوكمة الإدارية الذي تتبناه الجماعة، حيث تندمج مصلحة الترفيع في الإيرادات مع الانتهاج السلطوي، ويصبح المواطن الخاضع، في نهاية المطاف، الخاسر الأكبر.
احتكار وتلاعب مركّب
كشف الإعلامي والناشط السياسي خالد العراسي عن ما وصفه بـ"احتكار منظّم" لمنتج الطحين المركب الذي أعلنت سلطة الحوثيين عن تبنيه مؤخراً باعتباره مشروعاً غذائياً يستهدف تحسين جودة الخبز وتقليل التكلفة على المواطنين. غير أن الواقع – وفقاً للعراسي – يثبت العكس تماماً؛ فالمنتج ما يزال محصوراً بيد مؤسستين فقط هما قنوان وأنعام اللتان تتبعان قيادات نافذة في الجماعة، في الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن تعميم التجربة على نطاقٍ واسع.
ويؤكد العراسي أن المواطنين لا يعرفون أي منافذ بيع لهذا الطحين خارج سوق الخميس في ميدان التحرير، مشيراً إلى أن المنتج شبه غائب تماماً في المتاجر والبقالات، ما يعزز – بحسب وصفه – فرضية أن التجربة تحوّلت إلى “مشروع خاص بمنتفعين محددين” وليس خدمة عامة كما يُروَّج لها.
وفي سياقٍ متصل، وجّه العراسي انتقادات حادة لسلطة الحوثيين بشأن ارتفاع أسعار البترول رغم غياب المبررات المنطقية. وأشار إلى أن الأسعار الحالية تفوق تلك التي كانت سائدة في الفترة التي كانت فيها ناقلات النفط تُحتجز لأشهر وتتحمل غرامات كبيرة، ورغم ذلك كانت التكلفة أقل. وأضاف أن نوعية البترول المطروح في الأسواق حالياً أصبحت “أخف وأسرع اشتعالاً”، ما يجعل دبة اليوم تعادل نصف دبة الأمس من حيث الاستهلاك الفعلي، مقدّراً السعر الحقيقي – بناءً على جودة المنتج – بنحو 19 ألف ريال. وطالب شركة النفط في صنعاء بتوضيح سبب هذا التلاعب في الأسعار والمواصفات.
أما في الملف الصحي، فقد سلط العراسي الضوء على انقطاع أدوية مركز اللوكيميا في صنعاء منذ ما يقرب من ثمانية أشهر، وهو ما أدى – بحسب قوله – إلى وفاة طفلين وتدهور حالة أكثر من ستين مريضاً من الأطفال والبالغين. وانتقد بشدة وزارة الصحة وصندوق مكافحة السرطان بسبب الوعود المتكررة بتوفير جرعات إسعافية دون تنفيذ فعلي، معتبراً أن ما يجري يمثل “إهمالاً كارثياً” يستوجب المحاسبة والتعويض، ولا يمكن التعامل معه كخطأ إداري عابر.
الجمارك تُفجّر الغضب
وفي موازاة موجة الانتقادات المتعلقة بالغذاء والطاقة والصحة، جاءت قرارات رفع الجمارك التي أصدرتها سلطة الحوثيين لتفجّر غضباً غير مسبوق داخل الأوساط الموالية للجماعة نفسها، في مؤشر يعكس اتساع رقعة التذمّر حتى بين الصفوف القريبة من المركز السياسي في صنعاء. فقد وصف السياسي المقرّب من الحوثيين آزال الجاوي هذا القرار بأنه ليس مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل "إعلان استسلام أمام العقوبات والحصار"، على حد تعبيره، مشدداً على أن السلطة تُحمّل المواطن المنهك أعباء إخفاقاتها السياسية وتراجع قدرتها على مواجهة الضغوط الدولية.
وفصّل الجاوي في منشوره أن خطوة رفع الجمارك تُرسل – في نظره – رسالة سلبية للخارج، تفيد بأن سلطة صنعاء باتت غير قادرة على الصمود في وجه القيود المفروضة عليها، لافتاً إلى أن هذه الرسالة تُقرأ في المحافل الدولية كاعتراف ضمني بالعجز. وأضاف أن الجماعة بدلاً من ابتكار حلول واقعية لتخفيف آثار الحصار، اتجهت إلى زيادة التكاليف على التجار والمستهلكين، ما يجعل القرار – وفق وصفه – بمثابة "هدية مجانية لصنّاع العقوبات" لأنها تعزز سردية أن الضغوط الاقتصادية تؤتي ثمارها وتستوجب المزيد منها.
وأكد الجاوي أن تبعات القرار لا تقتصر على الجانب المالي والاقتصادي وحسب، بل تمتد لتكشف ما اعتبره هشاشة في نموذج الحكم الحوثي وضعفاً في أدوات الإدارة والحوكمة. ويرى أن الإجراءات الأخيرة تعبّر عن ارتباك سياسي واضح، وتؤشر إلى عمق الأزمة التي تعيشها مؤسسات الجماعة في إدارة الموارد وتحمل المسؤوليات الأساسية تجاه المواطنين.
صُنّاع الأزمات
من جانبه وجّه الناشط الموالي للجماعة الكرار المراني هجوماً لاذعاً على قرار رفع الجمارك على الملابس والأقمشة والأحذية، معتبراً أن سلطة تتخذ مثل هذا القرار في ظل الانهيار الاقتصادي والمعيشي "هي سلطة تعيش في بروج عاجية ولا تدرك حجم المعاناة اليومية للناس".
وتابع المراني في انتقاداته اللاذعة، متسائلاً بسخرية: "ما الذي كان يفكر به الأخ الجهبذ الذي اقترح رفع الجمارك؟ وكيف وافقه المعنيون العباقرة على الاقتراح العظيم؟!" قبل أن يضيف متسائلاً ما إذا كان صناع القرار في صنعاء يعيشون فعلاً بين المواطنين ويختبرون ظروفهم اليومية، "أم أنهم يعيشون في أبراج عاجية لا يهمهم سوى تحسين الإيرادات".
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان نقابة تجار الملابس والأقمشة والأحذية إضراباً شاملاً لمدة ثلاثة أيام، احتجاجاً على ما وصفته بالرسوم الجمركية "المجحفة"، وسط تهديد بتمديد الإضراب ما لم تتراجع سلطة الحوثيين عن القرار.
وتُظهر تصريحات النشطاء والكتاب الموالين للحوثيين اتساع رقعة الغضب داخل الأوساط التي كانت تُعد الأكثر ولاءً للجماعة، وتكشف عن فجوة متسعة بين الواقع المعيشي المتدهور وبين القرارات التي تصدرها سلطة صنعاء. وبين أزمات الغذاء والوقود والصحة من جهة، والقرارات المالية التي تزيد الضغط على جيوب المواطنين من جهة أخرى، يبدو المشهد مرشحاً لمزيد من الاحتقان ما لم تجرِ مراجعة حقيقية للسياسات التي تُفاقم التوتر وتضعف الثقة بين السلطة وحاضنتها الاجتماعية.
المصدر
المصدر: نيوزيمن
كلمات دلالية: سلطة الحوثیین رفع الجمارک فی صنعاء التی ت
إقرأ أيضاً:
باحث سياسي: الفترة الماضية شهدت محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة
أكد الباحث السياسي حسام الغمري أن الدولة المصرية واجهت خلال السنوات التي أعقبت أحداث عام 2013 مخططات معقدة استهدفت زعزعة الاستقرار الداخلي وإعادة تشكيل الوعي العام، مشيرًا إلى أن بعض المحاولات الراهنة تسعى إلى إعادة تقديم تلك المرحلة بصورة مختلفة عن الوقائع التي شهدها الشارع المصري.
وأوضح الغمري، خلال استضافته في برنامج “الحياة اليوم” المذاع على قناة “الحياة”، أن ما مرت به مصر في تلك الفترة لم يكن مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تضمن محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة والتأثير على الهوية الوطنية، من خلال طرح أفكار ومشروعات استهدفت خلق حالة من الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع.
وأضاف أن بعض القوى حاولت بناء مسارات موازية لمؤسسات الدولة التقليدية، وهو ما كان من شأنه إحداث تغييرات جوهرية في بنية الدولة المصرية وتوازناتها المؤسسية.
وأكد الإعلامي حسام الغمري، في تصريحات سابقة، أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تعد مجرد تيار فكري مختلف، بل تحولت إلى تنظيم يمارس العنف ويسعى لاستخدام الدين بصورة مشوهة لتحقيق أهدافه.
وقال حسام الغمري، خلال لقاء له لبرنامج “الحياة اليوم”، عبر فضائية “الحياة”، أن مرحلة الخلافات الفكرية التي كانت قائمة حتى فترات سابقة تطورت لاحقًا إلى مواجهة مع ما وصفه بتنظيم يهدد استقرار الدولة.
وتابع الإعلامي والباحث السياسي، أن تصريحات قيادات الجماعة تعكس محاولات لإعادة تقديم نفسها كبديل سياسي رغم ما وصفه بوجود تناقضات وصراعات داخلية، مؤكدًا أن وعي الشارع بحقيقة الجماعة قد تزايد خلال السنوات الأخيرة.
وعلى جانب آخر، أكد حسام الغمري، الإعلامي والباحث السياسي، أن جماعة الإخوان تستغل الأزمات لبث الفتن والفرقة بين الشعوب، معتمدين على التشكيك في المواقف العربية الرسمية لتحقيق أهدافهم.
وقال حسام الغمري، خلال لقاء له لبرنامج “الحياة اليوم”، عبر فضائية “ألحياة”، أن مسلسل "رأس الأفعى" يمثل كشفًا قويًا لتاريخ الجماعة، مؤكدا أنه قد كشف جوانب خفية من أنشطتها، ومثنيًا على الأداء الفني للفنانين مثل شريف منير، وأحمد عز وخالد الصاوي، لما يعكسه العمل من رسالة وطنية قوية.
رفع الوعي ودعم الاستقرار
وتابع حسام الغمري أن المسلسل لا يقتصر على الجانب الدرامي، بل يقدم توثيقًا تاريخيًا لأساليب الجماعة في نشر الفوضى وكشف الانقسامات الداخلية، مؤكدًا أن مثل هذه الأعمال تساهم في رفع الوعي ودعم الاستقرار في مواجهة محاولات زعزعة الأمن.
وسلط مسلسل رأس الأفعى، الضوء عن عملية القبض على محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام لتنظيم الإخوان الإرهابي، حيث تعد واحدة من أبرز الضربات الأمنية التي استهدفت قيادات جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة.