«تفويض» ترامب في غزة وسراب الشرعية العالمية
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
ترجمة: أحمد شافعي -
تحتفل إدارة ترامب بما وصفه الرئيس الأمريكي بـ«إحدى أكبر الموافقات في تاريخ الأمم المتحدة»، أي إقرار مجلس الأمن الأممي لخطة سلام غزة.
بثلاثة عشر صوتا مؤيدا، وامتناع استراتيجي من روسيا والصين عن التصويت يفوض القرار رقم 2803 تشكيل قوة دولية لإحلال الاستقرار، ويؤسس «مجلس السلام» لحكم غزة، وعلى رأسه ترامب نفسه.
ويرغب البيت الأبيض في أن نصدق أن هذا يمثل تفويضًا دوليًا حقيقيًا لتولي الأمريكيين الإشراف على إعادة إعمار غزة بعد الحرب في حين أن الواقع أكثر إلهاما بكثير.
التفويض الذي لم يتم
لنكن واضحين حيال ما جرى بالفعل في الأمم المتحدة. لقد امتنعت روسيا والصين ـ وهما عضوان دائمان لهما حق النقض ـ عن التصويت على القرار بدلا من إقراره.
وأوضح فاسيلي نيبنزيا سفير موسكو موقف بلده تماما؛ إذ قال: إن مجلس الأمن «يبارك مبادرة الولايات المتحدة بناء على وعود واشنطن» في حين أنه «يمنح السيطرة الكاملة على قطاع غزة لمجلس السلام وقوة إحلال الاستقرار الدولية [ISF] اللذين لا نعرف شيئا عن تشكيلتيهما حتى الآن». وكررت الصين مثل هذه التخوفات مشيرة إلى أن «فلسطين لا تكاد تظهر فيها، كما لا تنعكس فيها السيادة والملكية الفلسطينية انعكاسا تاما». وامتناع البلدين عن التصويت له دلالة هائلة؛ فحينما ترفض قوى العالم الكبرى أن تقدم الدعم الفعال لمبادرة «تاريخية» لا يكون ما حصلت عليه تفويضا، وإنما هو إذن بالتقدم على مسؤوليتك. وثمة فارق جوهري بين الشرعية الدولية وعدم المبالاة الدولي. أما الدول العربية والإسلامية التي دعمت القرار، ومنها قطر ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان والأردن وتركيا ـ فكانت لها أسبابها، ولكن هذه الأسباب لا تتعلق بالحماس من أجل بناء الدول على يد أمريكا بقدر ما تتعلق بحسابات براجماتية.
تدرك هذه البلاد أن بعض الحضور الدولي أفضل من استمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وتحتاج إلى إذن الأمم المتحدة لتبرير إرسال قواتها في مهمة من المتوقع أن تكون خطيرة وغير مشكورة.
أشباح العراق وأفغانستان
يستحيل علينا نحن الذين شاهدنا مغامرتي أمريكا في العراق وأفغانستان على مدى العقدين الماضيين أن نتجاهل التشابهات.
فها هي واشنطن مرة أخرى تعد بتغيير منطقة في الشرق الأوسط مزقتها الحرب من خلال تشر قوات دولية، وإقامة سلطات انتقالية، ووعد مبهم بحق نهائي في تقرير المصير. ومرة أخرى يقال لنا إنه في ظل توافر القدر الكافي من الإرادة الأمريكية والتعاون الدولي فسوف يشرق فجر الديمقراطية والازدهار من وسط الأنقاض.
يرخص القرار لمجلس السلام وقوة إحلال الاستقرار الدولية حتى نهاية عام 2027، أي سنتين لإكمال ما لم يتسن للولايات المتحدة تحقيقه في العراق على مدى أكثر من عشرين سنة. وقوة إحلال الاستقرار الدولية مكلفة بإحلال استقرار الأمن، والإشراف على نزع الصبغة العسكرية، وتفكيك البنية الأساسية لحماس وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، وتيسير المساعدات الإنسانية. في الوقت نفسه، سوف يقوم مجلس السلام بتنسيق جهود إعادة الإعمار وتسليم السيطرة في نهاية المطاف للسلطة الفلسطينية «بعد إصلاحها». وهذا بناء أمة بالمنشطات مغلف بلغة التعاون الدولي. ويتجاهل جميع الدروس التي ينبغي أن نكون قد تعلمناها من مغامراتنا القريبة في الشرق الأوسط.
مشكلة الشرعية
هذا ما لا تريد إدارة ترامب أن تعترف به: ليس الترخيص الدولي والشرعية المحلية سواء.
رفضت حماس ـ التي لا تزال تحظى بدعم كبير من الفلسطينيين برغم خراب الحرب الأخيرة ـ القرار بلا مواربة ووصفته بـ«محاولة فرض احتلال آخر على أرضنا وشعبنا».
وليست السلطة الفلسطينية الضعيفة فاقدة المصداقية بعد سنين من فشل المفاوضات والاتهام بالفساد في موضع يسمح لها بتولي السيطرة حتى بعد إكمال الإصلاح المفترض.
في الوقت نفسه يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معارضة إقامة الدولة الفلسطينية، ويواجه ضغوطا من شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف ممن يرون أي طريق إلى استقلال فلسطيني بمنزلة الخيانة.
ولغة القرار في ما يتعلق بـ«الطريق الموثوق لتقرير المصير والدولة الفلسطينية» لا تظهر إلا بعد «التنفيذ المخلص» لإصلاحات السلطة الفلسطينية «وتحقيق تقدم في إعادة تنمية غزة»؛ فهي شروط بلا جدول زمني، ولا معايير، ولا آلية إنفاذ.
وبذلك تكون الدولة الفلسطينية -بعبارة أخرى- سرابا في الأفق؛ فهي ظاهرة على الدوام، ولكن لا وصول إليها.
حماقة المركزية الأمريكية
لعل الأكثر إزعاجا هو أن القرار يضع الولايات المتحدة ـ والرئيس ترامب بصفة خاصة ـ في المركز من مستقبل غزة؛ فسوف يرأس الرئيس مجلس السلام مع الوعد بإعلان أعضاء المجلس «في الأسابيع القادمة».
وهذا يضفي طابعا شخصيا على التدخل الأمريكي على نحو يضمن تقريبا النظر إلى المبادرة باعتبارها تمديدا للسلطة الأمريكية بدلا من كونها وصاية دولية حقيقية.
وما هكذا يكون النجاح في حفظ السلام الدولي وجهود إعادة الإعمار؛ فأكثر بعثات الأمم المتحدة فعالية هي التي نجحت لأنها ابتعدت تحديدا عن القوى العظمى، وحرصت على حيادها.
بجعل ترامب وجه إدارة غزة الانتقالية يقوض القرار، أي زعم بالحيادية قد يكون لدى قوة إحلال الاستقرار الدولية؟ لقد قالت مصادر دبلوماسية غربية لشبكة (سي إن إن): إن «غياب التفاصيل عن القرار سوف يجعله صعب التنفيذ». وهذا صوت الدبلوماسية إذن: لا أحد يعرف فعلا كيف يفترض بهذا أن ينجح، لكننا نصوت لإقراره على أي حال.
منظور الواقع
من منظور واقعي يمثل القرار رقم 2803 انتصارا للشكل على الجوهر. لقد أرادت إدارة ترامب غطاء دوليا لمبادراتها في غزة، وحصلت على الحد الأدنى المطلوب لادعاء النجاح.
ولقد اكتفت روسيا والصين بالامتناع عن التصويت بدلا من حظر الخطط الأمريكية التي تراها فاشلة. ولقد قدرت الدول العربية أن تفويضا شكليا من الأمم المتحدة يحقق مصالحها أكثر من الفوضى المستمرة.
لكن قرار مجلس الأمن الأممي لا يمكن أن ينشئ شرعية حيث لا وجود للشرعية. ولا يمكن أن يرغم الإسرائيليين والفلسطينيين على قبول تنازلات ليس الطرفان مستعدين لتقديمها. ولا يمكن تحويل الولايات المتحدة إلى وسيط أمين بعد عقود من السياسة تثبت العكس.
ولا يمكنه بالقطع أن يكون بديلا عن العمل الجاد لتحقيق مصالحة حقيقية وبناء دولة؛ فذلك يقتضي ملكية محلية، وتأييدا إقليميا، والتزاما مستداما يتجاوز بكثير تفويضا مدته عامان.
لم تتلق الولايات المتحدة أي تفويض لفلسطين، لكنها تلقت إذنا بالمحاولة ـ والفشل المرجح تماما ـ لبناء دولة مرة أخرى. والفارق بين الأمرين سوف يصبح واضحا وضوحا أليما في الشهور القادمة حينما تواجه قوة إحلال الاستقرار الدولية الواقع الماثل على الأرض، وتكتشف أن قرارات مجلس الأمن لا توفر إلا دروعا بائسة أمام الصواريخ والقنابل المزروعة على قارعات الطرق.
وإذن؛ فاحتفاء إدارة ترامب بهذا التصويت في مجلس الأمن يكشف مدى تلهف واشنطن على نيل شرعية دولية لأفعالها الأحادية. لكن الشرعية لا يمكن تصنيعها من خلال المناورات الدبلوماسية وإدارة الامتناع عن التصويت.
إنما تأتي الشرعية الحقيقية من التوافق بين المحكومين، ومن التسويات السياسية المستدامة ومن الحلول التي تعالج الدوافع الكامنة في الصراع بدلا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض.
والقرار رقم 2803 لا يفعل شيئا من ذلك؛ فما هو إلا ورقة توت في هيئة تفويض، ومجلس كلام يتظاهر بالحكم، ووصفة لتورط أمريكي في مستنقع آخر في الشرق الأوسط.
وسوف يحاكم التاريخ هذه «الموافقة التاريخية» لا بالأصوات المعدودة في نيويورك، وإنما بالجثث المعدودة في غزة عندما تنهار حتما هذه التجربة الأمريكية الأخيرة لبناء أمة.
وليس السؤال الآن عما لو أن الولايات المتحدة قد حصلت على تفويض أممي لفلسطين أم لا. إنما السؤال هو عما لو أن أمريكا لن تتعلم أبدا أن التفويضات لا تمثل بديلا يغني عن الحكمة، وأن القرارات الدولية لا يمكن أن تصطنع الإرادة السياسية اللازمة لحل الصراعات المستعصية منذ أجيال على الحل.
ليون هادار محرر مشارك في ذي ناشونال إنتريست، وزميل أول بمعهد أبحاث السياسة الخارجية
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الأمم المتحدة إدارة ترامب مجلس السلام مجلس الأمن عن التصویت لا یمکن بدلا من
إقرأ أيضاً:
منظمة الصحة العالمية: 321 إصابة مؤكدة بإيبولا في الكونجو
جنيف "رويترز": قالت منظمة الصحة العالمية اليوم الثلاثاء إن هناك 116 حالة إصابة غير مؤكدة من سلالة بونديبوجيو لفيروس إيبولا و321 حالة مؤكدة في جمهورية الكونجو الديمقراطية.
وقال كريستيان ليندماير المتحدث باسم المنظمة للصحفيين في جنيف إن 41 شخصا توفوا وتعافى ستة أشخاص، بينما سجلت أوغندا تسع إصابات مؤكدة ووفاة واحدة مرتبطة بالفيروس.
وأعلن المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها في 15 مايو عن تفشي سلالة بونديبوجيو لفيروس إيبولا، وهو التفشي السابع عشر للإيبولا في الكونجو، وسرعان ما أعلنت منظمة الصحة العالمية أنه يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا.
إعادة فتح المطار
من جانبها قالت حكومة جمهورية الكونجو الديمقراطية في بيان إنها أعادت فتح مطار عاصمة الإقليم الأكثر تضررا من انتشار فيروس إيبولا، لتتراجع بذلك عن إجراء قال بعض السكان إنه أدى إلى قطع إمدادات أساسية عنهم.
وذكرت الحكومة الشهر الماضي أنها ستعلق رحلات الركاب إلى بونيا، المطار الرئيسي في إقليم إيتوري، حيث تأكدت أولى حالات الإصابة بالفيروس.
واستمرت الرحلات الإنسانية والطبية بشرط الحصول على الموافقات اللازمة.
وقالت وزارة النقل في بيان نشرته إن الظروف أصبحت الآن مواتية "للسماح باستئناف أنشطة النقل الجوي بشكل تدريجي وآمن"، وإنها ستعيد فتح المطار على الفور.
وذكرت الوزارة أن جميع الركاب سيخضعون لقياس درجة الحرارة قبل الصعود إلى الطائرة وعند الوصول، وسيكون مطلوبا منهم غسل أيديهم قبل الصعود إلى الطائرة، ولن يسمح لأي راكب مصاب بالحمى بالصعود.
وجاء قرار إعادة فتح مطار بونيا بعد زيارة قام بها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس، وقال خلالها للصحفيين إنه رأى بعض العلامات المشجعة في الاستجابة، ومن بينها خمس حالات تعاف مؤكدة. لكنه أشار أيضا إلى الحاجة لزيادة قدرات الفحص والعلاج وتعزيز الثقة في العاملين في المجال الصحي.
ووفقا لأحدث بيانات أصدرتها الحكومة الاثنين، بلغ عدد حالات الإصابة المؤكدة بإيبولا 321 حالة، منها 48 وفاة تأكد ارتباطها بالفيروس. ووصل إيبولا إلى 15 من أصل 36 منطقة صحية في إيتوري، وتم الإبلاغ أيضا عن حالات في إقليمي كيفو الشمالي وكيفو الجنوبي وفي أوغندا المجاورة.
وحذرت لجنة الإنقاذ الدولية الاثنين من أن انتشار المرض ربما يكون أكبر بكثير وفي مرحلة أكثر تقدما مما تشير إليه البيانات الرسمية. وقالت اللجنة إن الفيروس ربما كان ينتشر لما يصل إلى ثلاثة أشهر قبل اكتشاف أولى الحالات الرسمية في منتصف مايو أيار.
رئيس كينيا يدافع
وفي نفس السياق دافع الرئيس الكيني، ويليام روتو، الاثنين، عن خطة إنشاء مركز حجر صحي لمرضى الإيبولا بدعم من الولايات المتحدة، وهي خطوة أثارت احتجاجات شعبية رغم صدور أمر قضائي بوقفها.
وقال روتو إن الولايات المتحدة تربطها بكينيا شراكة طويلة الأمد في الشؤون الصحية، وإن مركز الحجر الصحي المزمع إقامته في قاعدة لايكيبيا الجوية واحد من 24 منشأة تم إنشاؤها للتعامل مع أي تفش محتمل لمرض الإيبولا في البلاد.
وعارض بعض الكينيين إنشاء مركز لايكيبيا بعدما أعلنت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، أنه لن يسمح لأي مواطن أمريكي مصاب بالإيبولا بالعودة إلى بلاده، وأن المرضى سيخضعون للحجر الصحي في المركز المزمع إقامته في كينيا.
وتعتزم الولايات المتحدة تخصيص 13 مليون دولار لدعم هذه الشراكة الصحية مع كينيا. ومددت المحكمة العليا في كينيا، اليوم الثلاثاء، الأوامر التي تقضي بتعليق بناء المركز واستقبال مرضى أجانب، التي صدرت يوم الجمعة الماضي. ورفعت الدعوى نقابة المحامين الكينية ومعهد كاتيبا، وهو هيئة رقابية دستورية، مشيرين إلى هشاشة النظام الصحي الكيني وعدم قدرته على استيعاب مرضى أجانب.
وفي أول تصريح له في هذا الشأن، قال روتو إنه وافق على إنشاء المركز بناء على العلاقات الثنائية القائمة بين كينيا والولايات المتحدة. وأضاف روتو "عندما طلب الرئيس ترامب من الحكومة الكينية دعمهم بإنشاء مركز في قاعدة لايكيبيا الجوية، وافقت على ذلك لأنه يأتي في إطار اتفاق وشراكة مع أصدقاء عملوا مع كينيا طوال 30 إلى 40 عاما". وأوضح روتو أن المنشآت التي أقيمت في أنحاء البلاد بموجب هذه الشراكة ستعود بالنفع على الكينيين في حال تفشي مرض إيبولا داخل البلاد. وقال روتو: "نحن حكومة مسؤولة، ونعرف ما نفعله. على الناس أن يطمئنوا، وعلى السياسيين تجنب التصريحات المتهورة وغير الضرورية التي لا معنى لها".