ناشطة فلسطينية لـعربي21: أدعو شعوب أمريكا اللاتينية لمواصلة الضغط على الحكومات
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
دعت نائبة رئيس الجمعية الفلسطينية السلفادورية، كارلا حنانيا، شعوب أمريكا اللاتينية إلى مواصلة الضغط على حكوماتها حتى لا تتحول إلى شركاء في الإبادة الجارية في غزة، مؤكدة أن "الموقف الشعبي بات اليوم القوة الأكبر القادرة على التأثير وكسر حالة الصمت الرسمي".
ولفتت، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أن "ما يجري في غزة لم يعد شأنا فلسطينيا، بل تحوّل إلى اختبار أخلاقي يواجه العالم بأسره"، مضيفة: "البشرية اليوم أمام لحظة حاسمة لا يمكن فيها الاحتماء باللامبالاة أو الادعاء بالجهل".
وشدّدت حنانيا، التي شغلت سابقا منصب وزيرة التعليم في السلفادور، على أن "ما تشهده غزة يُمثل إخفاقا للضمير الإنساني في أبشع صوره، وأن ما نراه هو تجسيد فاضح للاستعمار المقنّع بالتطرف الديني والمصالح الاقتصادية، وصولا إلى مستوى الإبادة الجماعية المذاعة على الهواء مباشرة".
وأكدت أن "أكبر تفاعل دولي حقيقي مع الكارثة الإنسانية في غزة جاء من الشعوب، لا من الحكومات؛ إذ لجأت أنظمة كثيرة حول العالم إلى قمع التضامن الشعبي بعنف بالغ، بينما رفض الناس أن يكونوا شركاء في سرقة وطن أو متواطئين في محو هوية وتاريخ وأرض بأكملها"، وقالت: "هذه الموجة الشعبية العارمة تؤكد أن الإنسانية لم تمت، وأن الأمل ما زال قائما، رغم أن القوة لا تزال في يد مَن لا يؤمنون بالسلام".
وأوضحت حنانيا أن "الرفض الفلسطيني للقرار الأمريكي الأخير الصادر عن مجلس الأمن يأتي امتدادا لتجربة طويلة ومريرة مع القوى الأجنبية التي هيمنت على فلسطين منذ العهد العثماني ثم الانتداب البريطاني"، مؤكدة أن "الفلسطينيين فقدوا الثقة منذ عقود بأي حلول تُفرض عليهم من الخارج، لأن جذور المأساة الحالية تعود إلى تدخلات دولية صاغت مصير الشعب الفلسطيني وفق مصالح غير فلسطينية".
وأعلنت فصائل فلسطينية مختلفة، قبل أيام، رفضها مشروع القرار الأمريكي الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بشأن مستقبل قطاع غزة، معتبرة أنه يكرّس "الوصاية الدولية" ويمهّد لفرض ترتيبات ميدانية خارج الإرادة الوطنية.
ومساء الاثنين قبل الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالأغلبية المشروع الأمريكي بشأن إنهاء الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث صوّت 13 عضوا بالمجلس لصالحه، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت.
ورحب القرار الأممي، الذي يحمل رقم 2803، بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 بندا لإنهاء النزاع في غزة والصادرة في 29 أيلول/ سبتمبر 2025، وأذن بإنشاء قوة دولية مؤقتة حتى نهاية 2027.
ويأتي القرار الأمريكي تمهيدا لمرحلة ثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تتضمن وفق خطة ترامب، حكما انتقاليا مؤقتا تديره لجنة فلسطينية مستقلة بإشراف هيئة دولية يترأسها ترامب بمشاركة قادة آخرين يعلن عنهم لاحقا، بينهم توني بلير.
وأدناه نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
من موقعكم كقيادية فلسطينية في السلفادور، كيف تقيّمون المشهد الإنساني الراهن في غزة بعد أشهر طويلة من الحرب المستمرة؟
إن قضية غزة ومعاناتها لم تعد شأنا فلسطينيا فحسب، بل أصبحت قضية العالم بأسره؛ ففي هذا الزمن، لم يعد لأحد عذر في أن يجهل ما يحدث في الجانب الآخر من الكوكب؛ إما أن تنضم إلى معسكر اللامبالين، أو أن تختار التضامن. ولحسن الحظ، يزداد عدد الأشخاص الواعين والمتضامنين يوما بعد يوم.
ما يحدث في غزة هو إخفاق للإنسانية جمعاء؛ فهناك تُختبر قيم أساسية، من دونها لا يمكن للمرء أن يدّعي انتماءه للجنس البشري، يصبح شيئا آخر لا نملك اسما له بعد، وربما يظهر قريبا.
لم يعد بإمكان البشر أن يعيشوا في جزر معزولة، يظن أحدهم أن رفاهيته تكفيه ولو كان جاره يُذبح. عاجلا أو آجلا، ستصله تلك القسوة مهما حاول تجاهلها.
ما نشاهده في غزة هو أبشع وأقسى تجليات الاستعمار، المغلّف بتطرف ديني ومدفوع بمصالح اقتصادية كبرى. وما هو أخطر من ذلك كله أنه إبادة جماعية مُذاعة على الهواء مباشرة.
ما موقفكم من مشروع القرار الأمريكي الأخير الذي تبناه مجلس الأمن بشأن غزة ورفضته الفصائل الفلسطينية؟
خضعت فلسطين لإدارة قوى أجنبية منذ الحقبة العثمانية، وأي شعب يطمح إلى السيادة، يحتاج أولا إلى حقه في تقرير المصير. استمرار الوصفة ذاتها منذ قرون لا يجلب إلا تكرار المآسي. لطالما كانت هناك قوى دولية في فلسطين تعمل لخدمة مصالح غير فلسطينية، ولذلك فمن الطبيعي أن يشكّك الفلسطينيون في مثل هذه الحلول.
يريد الفلسطينيون العيش بسلام، على أرضهم، وتحت إدارة وطنية تخصّهم. لقد كانت تدخلات القوى الأجنبية واتخاذها قرارات تخص الفلسطينيين هي الجذر الأساسي لهذه الكارثة.
برأيكم، ما العوامل الأساسية التي دفعت الفصائل الفلسطينية لرفض القرار الأمريكي؟ وكيف سيؤثر ذلك على مسار القضية الفلسطينية؟
كما ذكرت آنفا، فإن أحد أهم أسباب العنف المستمر، وسرقة الأراضي، وتهجير السكان، والنفي والحروب، هو خضوع فلسطين لقوى أجنبية لا تُمثل مصالح الفلسطينيين.
أوضح الأمثلة على ذلك هو الانتداب البريطاني، الذي يتحمّل مسؤولية تاريخية هائلة عمّا يجري اليوم؛ فقد ميّز البريطانيون خلال انتدابهم بين اليهود والفلسطينيين بشكل صارخ، مانحين الأولوية للأوائل، والمنطق واحد منذ 60 عاما وحتى اليوم: المنطق الاستعماري.
العالم بأسره يخسر مع حرب غزة، ليس أخلاقيا فحسب - رغم أن الأخلاق تراجعت قيمتها في هذا العصر - بل سياسيا وجيوسياسيا أيضا.
في ضوء تقارير الأمم المتحدة التي تتحدث عن كارثة إنسانية واسعة في غزة، كيف تقيّمون استجابة المجتمع الدولي؟ وهل تعتبرونها كافية؟
إن الاستجابة للكوارث الإنسانية في غزة جاءت أساسا من الشعوب، من الرأي العام العالمي، في حين لجأت حكومات كثيرة إلى قمع وحشي للمظاهرات.
الناس لا يريدون أن يُنظر إليهم كمتواطئين في الفظائع التي نشاهدها في غزة والضفة. ما يجري هو سرقة وطن، سرقة هوية وتاريخ وأرض، وهو أمر لا يُتصوّر في القرن الحادي والعشرين.
ردود فعل الشعوب تؤكد أن هناك بقية من الإنسانية، وأن الأمل لم يمت، لكن السلطة ما زالت بيد أولئك الذين لا يؤمنون بالسلام.
كيف تصفون الموقف الرسمي لحكومة السلفادور من التطورات في غزة؟ وهل هو متقدم مقارنة بمواقف دول أمريكا اللاتينية؟
بصفتنا الجمعية الفلسطينية السلفادورية، نحرص على عدم إصدار مواقف أو التدخل في شؤون الحكومة، لأننا نؤمن بأن الوعي لا يُصنع بالمواجهة، بل بالمعلومة والحوار. الأمور الجلية أمام الجميع ستقود كل شخص إلى اتخاذ موقفه إذا كان يعلم ما يحدث في فلسطين.
ما الجهود التي تبذلها الجمعية الفلسطينية في السلفادور للتواصل مع الحكومة والبرلمان والإعلام بشأن أوضاع غزة؟
تقوم الجمعية بأنشطة متنوعة تهدف إلى التوعية، والتعليم، والتعريف بالتاريخ والثقافة الفلسطينية، وتشمل هذه الأنشطة فعاليات ثقافية وإعلامية تزيد الوعي بما يعيشه الفلسطينيون في غزة والضفة.
ومن أبرز مشاريع الجمعية إنشاء المتحف الفلسطيني في السلفادور، وهو الأول من نوعه في أمريكا اللاتينية، ويهدف المتحف إلى نشر الثقافة الفلسطينية، خصوصا بين الشباب، وتعزيز الهوية الفلسطينية التي يُراد طمسها اليوم. في هذه المرحلة، يصبح الحفاظ على تاريخ الشعب الفلسطيني ضرورة قصوى؛ ففلسطين لم تكن يوما "أرضا بلا شعب".
بصفتكم مسؤولة حكومية سابقة، كيف يمكن تحفيز المؤسسات الرسمية على تبنّي سياسات تعليمية وإعلامية تُعرّف الأجيال بتاريخ فلسطين وحقوق شعبها؟
إن إنشاء المتحف الفلسطيني في السلفادور يلعب هذا الدور بالفعل؛ فقد أقمنا شراكات مع متاحف أخرى، وتنظم المدارس الحكومية زيارات ميدانية للمتحف، مما يعزز فهم التاريخ والواقع الحالي، سواء في أوساط السلفادوريين أو ذوي الأصول الفلسطينية.
وقد كانت الاستجابة الشعبية لافتة؛ فعدد المهتمين في تزايد مستمر، وكثيرون يتأثرون بعمق عندما يكتشفون الحقيقة.
إلى أي مدى تؤثر الجالية الفلسطينية المؤثرة في السلفادور على الموقف الرسمي للبلاد من غزة؟ وهل هناك نتائج ملموسة؟
كما في كل مكان، هناك فلسطينيون في السلفادور ملتزمون ومهتمون، وآخرون غير ذلك. جزء من الجالية ذات النفوذ السياسي والاقتصادي يتجه إلى الخط المحافظ، ويقترب من اليمين التقليدي، مع رؤية ضيقة للعالم.
بالنسبة للبعض منهم، دعم القضية الفلسطينية يعني دعم "الإرهاب"، بناءً على الشعارات والدعاية التي تروّج لها وسائل الإعلام الكبرى، وهذا يقود إلى اللامبالاة والعزوف عن المعرفة، فضلا عن غياب الدعم.
وهؤلاء غالبا لا يدركون طبيعة الصراع أو مفهوم المقاومة في فلسطين؛ فهم يختزلون ستين عاما من القتل والتهجير وسرقة الأراضي في أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فقط.
كيف تقيمون دور الجاليات الفلسطينية في العالم في تعزيز الرواية الفلسطينية ومواجهة الدعاية الإسرائيلية؟ وما الأدوات الأكثر فاعلية؟
إن نشر التاريخ بأسلوب تعليمي أصبح أداة ثمينة للغاية، تساعد السلفادوريين على فهم ما جرى منذ ما قبل عام 1948، وليس منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر فقط.
وفي السلفادور، تؤثر شريحة كبيرة من المسيحيين الإنجيليين بالترويج لخطاب صهيوني قائم على فكرة "الشعب المختار"، وأرى أن التوضيح التاريخي المستند إلى الوقائع لا يقل قوة عن تلك السرديات المسيحية المبنية على التطرف الديني.
كيف تفسّرون تنامي التضامن الشعبي مع غزة في السلفادور وأمريكا اللاتينية؟ وما الذي يميّز خطاب هذه المجتمعات عن أوروبا والولايات المتحدة؟
الفرق تصنعه الناس، وخاصة الشباب؛ فالشباب يميلون إلى رفض الشعارات الجوفاء، ويبتعدون عن التطرف والعنف.
إن المجازر في غزة تجاوزت قدرة البشر أصحاب المبادئ على التحمل، بغض النظر عن معتقداتهم. القضية هنا قضية إنسانية، والشباب لا يقبلون حكومات تموّل الإبادة.
ومن المهم إدراك أن ما يحدث في غزة ليس حربا؛ فالحرب تتطلب طرفين يمتلكان القدرة على القتال. أما في غزة، فالقوة العسكرية والتمويل الدولي تتمركز في طرف واحد فقط.
ولهذا، من الضروري العمل مع الشباب عبر حملات التوعية والتعليم، تماما كما نفعل في المتحف الفلسطيني في السلفادور.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه دول أمريكا اللاتينية في دعم غزة والمساهمة في صياغة مسار سياسي جديد للقضية الفلسطينية؟
من المهم أن تواصل شعوب أمريكا اللاتينية الضغط على حكوماتها كي لا تكون شريكة في الإبادة الجارية في غزة، وأنا أدعوهم لذلك؛ فنحن نحتاج إلى دعم الحق الفلسطيني وتوحيد الجهود المختلفة.
أما الطريق السياسي الجديد، فسينبع من الشعوب، وسيدفع الحكومات - عندما تشعر بأن شرعيتها مُهدّدة - إلى الوقوف مع شعوبها ودعم مواقفها.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مقابلات السلفادورية الإبادة غزة غزة الاحتلال السلفادور الإبادة أمريكا الجنوبية المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أمریکا اللاتینیة القرار الأمریکی فی السلفادور مجلس الأمن ما یحدث فی فی غزة
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.