“المخابرات المصرية تفك شفرة المؤامرة”.. ما دلالة اعترافات الاستخبارات الإسرائيلية حول مصر؟
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
مصر – علق الخبير المصري في شؤون الأمن القومي محمد مخلوف على صدور كتاب يوسي كوهين المدير السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي.
وأوضح أن موافقة الرقابة العسكرية الإسرائيلية عليه، يحمل “دلالات استراتيجية عميقة”، أبرزها اعتراف غير مباشر من أروقة الاستخبارات الإسرائيلية بأن مصر نجحت في إحباط مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء.
وأوضح مخلوف أن توقيت نشر الكتاب يعكس صراعًا داخليًّا داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، و”تراشقًا بالاتهامات” حول من يتحمل مسؤولية الفشل الاستراتيجي في التعامل مع أزمة غزة، واصفًا الكتاب بأنه “وثيقة اعتراف من داخل الكيان الإسرائيلي بذكاء القيادة المصرية”.
وأشار مخلوف إلى أن الكتاب يُبرز احترافية جهاز المخابرات العامة المصرية برئاسة اللواء حسن رشاد، وقدرته على “فك شفرة المؤامرة” ووضع كل التفاصيل أمام القيادة السياسية، ما مكّن مصر من اتخاذ موقف استراتيجي منع “تصفية القضية الفلسطينية”، وحمى الأمن القومي المصري من خطر ديموغرافي وأمني مباشر.
وقال: “هذا الكتاب يُعدّ صفعة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، إذ يعترف صراحة بأن المخابرات العامة المصرية كانت تمتلك خيوط اللعبة كاملة”.
وأوضح مخلوف أن كوهين اعترف في كتابه بأن خطة التهجير، التي وصفها بأنها “مؤقتة”، كانت ستنفَّذ “بلا شك” بعد حصوله على دعم من دول كبرى، لولا الرفض القاطع من الرئيس السيسي، الذي “حسم الموقف” ودفع الغرب إلى تغيير مساره، والانتقال إلى دعم مبادرة سلام بديلة تُرجمت في قمة شرم الشيخ، التي حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من قادة العالم.
كما اعتبر مخلوف أن نشر الكتاب يكشف “الحقيقة للشعب المصري والعالم”، ويؤكد أن مصر لم تفرض حصارًا على غزة، بل كانت تعمل على منع تهجير الفلسطينيين، في حين أن “حملات التشويه الممنهجة” التي قادها “التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين” كانت تهدف إلى “إرباك الشارع المصري وتشويه صورة القيادة السياسية”، مؤكدًا أن الجماعة استُخدمت كأداة في مخطط أوسع لتنفيذ خطة التهجير.
وأشار مخلوف إلى أن كوهين قد يكون يسعى من وراء كتابه إلى “تقديم نفسه كبديل لبنيامين نتنياهو”، وهو ما استشعره رئيس الوزراء الإسرائيلي، فرفض تعيينه عضوًا في اللجنة الوزارية المكلفة بإدارة “المرحلة الثانية من خطة ترامب”، في محاولة — بحسب مخلوف — “لإخراجه من المشهد السياسي”.
واختتم تصريحاته قائلًا: “اللعبة بدأت تتكشف أسرارها يومًا بعد يوم، والتاريخ سيُسطّر نجاح مصر في حماية الشعب الفلسطيني وقضاياه المركزية”.
وفي كتاب لمدير الموساد السابق يوسي كوهين بعنوان “بالأحابيل تصنع لك حربًا” كشف عن دوره في صياغة خطة ترحيل مؤقت للفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء.
ووفق كوهين، فقد حظيت الخطة التي جاءت في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023، وتهدف إلى “خفض الخسائر المدنية” بموافقة الكابينت الإسرائيلي (الحكومة الأمنية المصغرة)، ووُكل إليه مهمة إقناع دول عربية بها، عبر تقديم “ضمانات دولية” بأن التهجير سيكون مؤقتًا، لا دائمًا.
وقال إنه أجرى اتصالات مع الولايات المتحدة، بريطانيا، اليابان، الصين، والهند، لتأمين هذه الضمانات، لكنه واجه تحفظات عربية خشية أن يتحول “الترحيل المؤقت” إلى تهجير دائم.
وأشار كوهين إلى أن الرفض القاطع من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان السبب الحاسم في إجهاض الخطة، مؤكدًا أن موقف القاهرة أوقف تنفيذها، رغم الدعم الدولي والإسرائيلي لها.
المصدر: RT
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني